محرومات من رداء الكهنوت... بنات "الإكليريكية" يتفوقن على الرجال في دروس الإيمان

الخميس 25 نوفمبر 202104:00 م

 تحتل الكنيسة موضعاً مركزياً في حياة المسيحيين المصريين الأرثوذكس (الأقباط)، وترتبط الحياة الاجتماعية للأسرة المسيحية وأبنائها بالأنشطة التي تنظمها الكنيسة وتدعم من خلالها علاقتهم بمحيطهم. وترى الأسر المسيحية المتدينة في الكنيسة ملاذاً لأبنائها وبناتها يتيح التعلم و"الاختلاط" في بيئة روحية آمنة.

ينشأ الأطفال والشباب والشابات من الأقباط في حضن الكنيسة، ويختار بعضهم البقاء داخلها من طريق التعليم الروحي ثم العمل الكنسي من خلال الدراسة بالكلية الإكليريكية، وهو ما كان قبل عقود قليلة مقتصراً على الرجال.

الفتيات في الكلية

تأسست الكلية الإكليريكية على يد البابا كيرلس الرابع في العام 1862، لكن تاريخها الحقيقي يعود إلى 1800 عام تقريباً. فالكلية التي حملت في البداية اسم المدرسة الإكليريكية تأسست على تعاليم مدرسة اللاهوت السكندرية، تلك التي وضع أسسها وقواعدها القديس مرقس الرسول الذي يعتقد أن المصريين والليبيين عرفوا المسيحية على يديه.

تعد الكلية الإكليريكية الأرثوذكسية واحدة من أهم مدارس اللاهوت في العالم، ويعد الالتحاق بها والتخرج فيها شرطاً للقسسية (أن يصبح الشخص قساً- كاهناً في الكنيسة) في مصر، كما يلتحق بها الراغبون في الانضمام إلى سلك الرهبنة، إذ تدعم موقفهم في القبول.

في العام 1963، أي بعد نحو 100 عام من تأسيسها، بدأت الكلية في قبول الفتيات بموجب قرار من البابا شنودة الثالث بابا الأسكندرية الراحل. على أن يدرسن نفس التعاليم والمناهج التي يدرسها الرجال لمدة أربع سنوات، وإن كانت دراستهن لا تنتهي بهن إلى الالتحاق بالكهنوت، كونه مقتصراً على الرجال في الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية.

لكن ثمة فتيات التحقن بالكلية أو تخرجن منها تحدثن إلى رصيف22، كاشفات عن أهداف أخرى لخوض الدراسة الشاقة بعد استبعاد حلم الالتحاق بالسلك الكهنوتي.

عريس من جهة كهنوتية

إكليل قبطي أرثوذكسي -موقع القديس تقلا

نشأت شيري القس، 28 عاماً، في أسرة من رجال الدين. اختارت والدتها لها أباً كاهناً بالكنيسة، فصارت أحلام شيري بشريك حياتها متعلقة برداء القساوسة.

لكن الأمر يتخطى لدى شيري مجرد اللقاء بزوج المستقبل، فهي ترى أن دراستها بالكلية تؤهلها لمسؤولية أن تكون زوجة قس. تقول: "زوجة الكاهن تقع عليها مسؤولية قد تفوق أعباء القساوسة أنفسهم، أمي مثلاً قامت بمفردها بتربيتنا ومتابعتنا في التعليم، وتولّت الواجبات العائلية. أراها مناضلة والله سيكافئها، وأتمنى أن أكون صورة منها. كما أنها قامت بدور مهم في الخدمة بالكنيسة لأنها زوجة الكاهن. أشعر بأن هناك هالة تحيط بها ونحن معها أتمنى أن أولادي في المستقبل ينشأون في هذا الجو".

القمص ببشوي حلمي: بعض الفتيات يلتحقن بالكلية الإكليريكية للحصول على شريك حياة مثقف دينياً، أو مرشح أن يكون قساً، أو بهدف تحقيق النمو الروحي والثقافة الدينية التي تؤهل للخدمة بشكل أفضل في مدارس الأحد

يعلق القمص بيشوي حلمي، وكيل الكلية الإكليريكية، لرصيف22 بالقول إن بعض الفتيات يلتحقن بالكلية لأسباب "تراوحت بين الرغبة في الحصول على شريك حياة مثقف دينياً، أو مرشح أن يكون قساً، وبين النمو الروحي والثقافة الدينية التي تؤهل للخدمة بشكل أفضل في مدارس الأحد"، ويبدو أن شيري القس تجمع بين الهدفين.

على عكس شيري، لا تحلم فيبي صفوت، 34 عاماً، بالزواج من كاهن كنسي. تقول: "زواجي من قس ليس من أحلامي".

استغرقت فيبي بعض الوقت لتحقق حلمها في الالتحاق بالكلية الإكليريكية، بعدما راودها منذ كانت تدرس للحصول على شهادة الثانوية العامة.

تأجل الحلم حتى أنهت دراستها الجامعية ثم استقرت في وظيفتها محاسبة في أحد البنوك، والتحقت بالكلية أخيراً بعد تشجيع من أسرتها، وتضيف: "الهدف الأساسي للالتحاق كان شغل الجزء الخاوي من الوقت خلال اليوم في دراسة مفيدة، حتى أستفيد من الفترة التي تعقب مواعيد عملي في خدمتي بالكنيسة".

البنات أشطر

محاضرة في الكلية الإكليريكية - بإذن من المصور لرصيف22

يقول القمص حلمي إن البابا شنودة الثالث اتخذ قرار قبول التحاق الفتيات بالكلية لأول مرة في تاريخ الكنيسة المصرية بعد لقائه بخدام وخادمات الكنائس، عقب رسامته أسقفاً للمدارس والمعاهد الدينية.

وقتذاك أعلنت خادمات الكنيسة (فتيات يقمن بالخدمة المجتمعية ومساعدة المحتاجين تحت رعاية الكنيسة) للبابا الراحل عن رغبتهن في الالتحاق بالكلية بعد افتتاح القسم المسائي لغير المتفرغين، يقول حلمي: "الفكرة وجدت ترحيباً من قداسته، وعلى الفور نفذها وتخرجت أول طالبة من الإكليريكية عام 1965، حيث كانت مدة الدراسة آنذاك ثلاث سنوات".

"الفتيات أثبتن جدارتهن في الدراسة... وبالفعل يحصدن درجات أعلى من الشبان".

بحسب القمص حلمي: "الفتيات أثبتن جدارتهن في الدراسة. خاصة أن المنافسة واضحة جداً لأن عدد الفتيات يعادل عدد الشباب. الدفعة التي يصل عددها إلى 200 دارس بينهم 100 طالبة، وبالفعل يحصدن درجات أعلى من الشبان، برغم أن القسم المسائي غير متفرغ وجميعهم (شبان وفتيات) لديهم وظائف، وبعضهم متزوج ويعيل أسرة".

ويلاحظ القمص أن الدراسة تغدو أكثر صعوبة على الفتيات عندما يتزوجن وينجبن بسبب الأعباء الأسرية الجديدة إلا أنهن يصررن على استكمال الدراسة برغم أن المحاضرات تنتهي في التاسعة مساءً. مشيراً إلى أن بعض الأهالي "يرفضون فكرة التحاق بناتهم بالإكليريكية، معتقدين أن الدراسة تقتصر على الرغبة في الكهنوت". ولفت إلى أن التفوق يدفع بعضهن لاستكمال الدراسات العليا. وأضاف: "لا ننفي حلم الكثير من الفتيات أن يتزوجن من شخص مؤهل للكهنوت، خاصة إذا كانت الفتاة تدرس في الإكليريكية التي يتخرج منها القساوسة الجدد. ولكن لم تصبح هي رغبة أو حلم بتلك الصورة كما كان في الماضي، لأن لدى كل فتاة نجاحها المهني والعلمي وترغب في حياة أسرية طبيعية بينما زوجة الكاهن تحرم من مشاركة زوجها لها لانشغاله الدائم بالخدمة.

مغرمة بدور "زوجة أبونا"

التحاق الفتيات الراغبات بالزواج من قساوسة مثل شيري القس يغدو مفهوماً عند معرفة العناية الخاصة التي توليها الكنيسة القبطية لدور زوجة الكاهن. إذ تحرص الكنيسة على تنظيم دورات تدريبية وتثقيفية لزوجات الكهنة يشرف عليها البطريرك "البابا" شخصياً. كما تنظم دورات تدريبية للقساوسة لتدريبهم على ضرورة الاهتمام بزوجاتهم وعائلاتهم.

سالي عدلي، 37 عاماً، قابلت زوجها في الكلية الإكليريكية. تقول لرصيف22: "كنت في الفرقة الثالثة وهو في السنة النهائية، واحتجت للمساعدة في مادة صعبة وتطوع لمساعدتي، ولم يخطر لي قبل أن ألتقيه أن أقابل شريك حياتي داخل الكلية، لكني أردت أن أكون مؤهلة لهذا الدور، خاصة أن فكرة ‘زوجة الكاهن’ التي لم تعد محببة لفتيات جيلي، لكني كنت مغرمة بها وأتمنى أن أصبح زوجة لكاهن حتى أشاركه في التعب من أجل الله والناس".

بين سالى وزوجها قصة حب دامت بضعة أشهر ثم طلب منها الزواج. قالت له: "أصلح لأن أكون زوجة لكاهن تشاركه الخدمة ورعاية الناس والدخول في نقاشات دينية وعلى نفس مستوى ثقافته الروحية". وأكد لها أن أم أولاده يجب أن تكون على مستوى عال يمكنه أن يوكل لها تلك المهمة". بينما لم يكن العثور على عريس بين جدران الكلية فكرة واردة لدى سالي، كان العثور على عروس في المكان نفسه هدفاً واضحاً لزوجها.

التحاق الفتيات الراغبات بالزواج من قساوسة مثل شيري القس بالكلية، يغدو مفهوماً عند معرفة العناية الخاصة التي توليها الكنيسة القبطية لدور زوجة الكاهن

على جانب آخر

بينما لقيت سابقاتها التشجيع، ووجهت إيريني صدقي، 31 عاماً، بمعارضة قاسية من أسرتها وكهنة كنيستها في الالتحاق بالكلية الإكليريكية. أصرت ووجدت بعد إصرارها ونجاحها في الالتحاق تشجيعاً ومساندة من أحد الكهان. بحسب إيريني "تلقى الفتيات غير المتزوجات معارضة شديدة من الأسر عندما يبدين رغبتهن في الالتحاق بالكلية خشية التأثير على فرصهن في الزواج".

دارسة بالكلية الإكليريكية رفضت نشر اسمها فسرت ذلك لرصيف22: "الكثير من الشباب يرفضون الارتباط بفتاة إكليريكية حتى لا تكون أعلى منه في العلم والروحيات. أحدهم قال لي بسخرية حينما تقدم لخطبتي ‘طب واحنا متجوزين لو ولادنا سألوني في الدين أقولهم أسألوا أبونا ماما؟’". ومثل إيريني تؤكد محدثتنا: "بالطبع لن أتزوج إكليريكياً لأنه يمثل الورع في الكلية وتظهر حقيقته في الخارج، حتى أن زميلة لي فسخت خطبتها من زميل لأنها فوجئت بسلوكياته وأخلاقه المتناقضة مع شخصيته داخل الإكليريكية". فيما تقول إيريني: "لن أقبل الزواج من خريج الإكليريكية لأنه كثيراً ما يرتدي قناع التدين المزيف".

طبيعة الدراسة

الدراسة في الإكليريكية تنقسم إلى فترة صباحية ومسائية ويتفرغ طلبة الفترة الأولى - وهم من الرجال فقط - للدراسة، ويرتدون الجلباب الأسود كتهيئة لسيامتهم كهنة، وكثيراً ما يكونون مرشحين من قبل الأساقفة في أبرشياتهم (محافظاتهم)، ويتم إعفاؤهم من المصروفات ويوفَّر لهم سكن، خاصة أن نسبة كبيرة منهم من خارج العاصمة.

أما الفترة المسائية التي يسمح للفتيات بالالتحاق خلالها،ف تبدأ المحاضرات فيها من الخامسة حتى التاسعة مساءً، أربعة أيام في الأسبوع. وتطبق المناهج نفسها في الفترتين. والفتيات عادة لا يمتحن في مادة "القداس" لأن الأسقف المسؤول عن تدريسها "يشفق عليهن، ويرى أنهن لن يصبحن قساوسة فلا داعي لإرهاقهن" بحسب تعليق دارسة تحدثت إلى رصيف22.

الإكليريكي للإكليريكية

في سياق متصل تعلق الدكتورة عايدة نصيف مدرسة الفلسفة بالإكليريكية "من الطبيعي اجتماع فتيات وشبان في أي مكان سينتج عنه تجارب ارتباط. وكثيراً ما يتم الزواج بعد إنهاء الدراسة التي تسمح بقدر كبير من التوافق الديني والثقافي لأنهم على أرضية واحدة". لكنها تنفي أن يكون هدف الكثير من الملتحقات بالكلية هو العثور على زوج: "بعض الدارسات متزوجات وبعضهن راهبات أو متقدمات في العمر، وبالتالي ليس الهدف هو الحصول على زوج، خاصة أن الدراسة صعبة جداً".

ويقول الدكتور نصيف فهمي رئيس قسم الاجتماع بمعهد الرعاية الكنسية: "رغم صعوبة الدراسة تشعر الفتيات بالغيرة من الرجال ويحاولن منافستهم. كما أن دورهن في مدارس الأحد دافع كبير للمعرفة والتثقيف". وحول زواج طالبات وطلاب الكلية بعضهم من بعض، يعلق فهمي "حدثت زيجات ناجحة فعلاً، لكن المرشحين للكهنوت لا يشترط أن تكون زوجاتهم إكليريكيات. البعض اشترط ذلك وتزوج من زميلته والبعض لم يكن ذلك شرطه ولكنه قابل عروساً مناسبة داخل الكلية وحدث الزواج، وكثيرون تزوجوا فتيات عاديات".

باحث في التراث القبطي: إقصاء الدارسات المؤهلات عن العمل بالسلك الكنسي فيه تراجع عن منهج المسيح "المرأة كانت في عهد المسيح مبشرة بالإيمان، وكانت فيبي شماسة وواعظة تخدم داخل الهيكل"

"ذكورية العصر"

تعليقاً على منع الخريجات المؤهلات من العمل بالسلك الكهنوتي في الكنيسة، رغم أنهن بشهادة القساوسة وأساتذة الكلية يتفوقن على الرجال، يقول زكريا بشير الباحث في تاريخ التراث القبطي إن في ذلك مخالفة لمنهج المسيح، لأن "المرأة كانت في عهد المسيح مبشرة بالإيمان، وأول من شهدت على قيامة المسيح بحسب الإنجيل هي مريم المجدلية، وفي عهد بولس الرسول (أحد تلاميذ المسيح) كانت فيبي شماسة وواعظة تخدم داخل الهيكل".

ويضيف بشير: "مع الوقت بدأت ذكورية الحداثة تدفع البعض للتفتيش عن معان خلفية وراء بعض الآيات، وفرضت الثقافة الشرقية أيضاً تحجيماً لوجود المرأة داخل الكنيسة واتجهت بعض الآراء إلى أن نزول الدم منها سواء الدورة الشهرية أو ما بعد الولادة دليل علي عدم قدرتها على تقلد أي دور كنسي. وتحاول المرأة أخيراً فرض وجودها مجدداً إلا أن الأصوات الأصولية داخل الكنيسة لن تسمح لها باعتلاء المنبر الديني".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard