شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
كيف أضاع الاحتلال الإسرائيلي وقت الأطفال الفلسطينيين؟

كيف أضاع الاحتلال الإسرائيلي وقت الأطفال الفلسطينيين؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والحريات العامة

الجمعة 8 ديسمبر 202302:49 م

لامني نعيم:

- ليش قاعدة هون يا أحلام؟

سألته وأنا أحاول أن أبتسم:

- وين بدك إياني أكون يا نعيم؟

قال:

- روحي، طشي مع أصحابك.

سألته:

_ وأنت وين بتحب تكون لو ما كنت محبوس في البيت؟

رد بسرعة:

_ عالبحر.

وأكمل:

ــ كنت مباشرة بس أخلص شغل مع أبوي، برجع البيت بتحمم بسرعة، بغير ملابسي، وبطلع عالبحر.

***

أصبت بالاختناق مباشرة، شعرت أني عالقة في المصعد، وأني لو صرخت فإن أحداٌ لن يسمعني، وأن كمية الهواء بدأت تتناقص منذ هذه اللحظة، عندما سألت نعيم وأخاه طارق المحكومين بالحبس المنزلي من قبل الاحتلال الاسرائيلي:

- قديش ظل من محكوميتكم؟

فأجابا معاٌ بفارق توقيت سرعة كلّ صوت عن الآخر:

_ مفتوحة.

هذه المرة الأولى التي يضيع فيها بعض وقت الاسرائيليين في السجن، كما أضاعوا وقت الفلسطينيين مدة 75 عاماً، يضيع وقت ربة البيت، والطفل، والعجوز، والشاب المنتشي الذي كان في احتفال تحت الأشجار 

وأنا أخرج من باب بيت الشابين كانا يوصلاني إلى نقطة محددة، ثم يقفان، ويبدآن بتحريك جسديهما دلالة على العجز، في هذا المكان بالضبط يتوقف الزمان وينضبط المكان كلياً، ولا مجال لتجازوهما، وإلا لرنت الساعة المربوطة بساق كلٍّ من نعيم وطارق، والتي كانت ترن، أحياناً، لخلل فيها، فيهرع "الشاباص"* إلى البيت ليتأكد من أن نعيم وطارق لم يتجاوزا حدود المكان المرسّم لهما، الذي صار، بعد صدور حكم الحبس المنزلي بحقهم، بيت خالتهما في الطابق الأول، وأمامه شرفة صغيرة لبيت العائلة الممتدة المكوّن من ثلاثة طوابق، وبجانبه من الناحية اليسار حديقة صغيرة.

- كيف كسب نعيم وطارق هذا السجن بحديقة صغيرة؟

رفع المحامي، المكلف بالدفاع عن نعيم وطارق أمام المحكمة الاسرائيلية، طلباً للمحكمة أكثر من مرة، وطلب أن يوسع لهما مساحة السجن قليلاً، فيتركا شقتهما وينتقلا إلى شقة خالتهما المجاور لشقتهما. بالنسبة لنعيم وطارق ومحاميهما وللأهل كان هذا إنجازاً، فهما بطلب من الاحتلال وبعد أن قضيا في السجن الفعلي خمسة شهور، قضيا في بيتين منفصلين في "أبو غوش" و "اللد" ، ومعهما انفصلت العائلة الممتدة من الخالات والأعمام والأجداد والجدات، فقسمت العائلة نفسها بين طارق ونعيم: مكث مع طارق في "أبو غوش" والدتُه ووالدُه وإخوته، وفي البيت في "اللد" مكث مع نعيم خالتُه وزوجها وأولادهما.

وبعد أربعة شهور من هذا الشتات وإضاعة الوقت فإنّ الأمور صارت بخير: إنهم في سجن مع العائلة الممتدة، في مكان واحد، والكل يدخل ويخرج من الباب باسثنائهما!

***

أحد التقاليد الفلسطينية الأصيلة أن تستقبل الضيف على باب البيت، تفتح له الباب بأدب، وتودعه على الباب بأدب. ومن طريقة فتح الباب للضيف، وإغلاقه خلفه، تنطلق مجموعة دلالات تتعلق بقيمة الضيف وقربه وتحديد سبب زيارته، لذلك عندما خرجت في اليوم الأول من بيت نعيم وطارق، وهو بيت يقع في حيّ من أحياء القدس المحتلة، في محيط المسجد الأقصى الشريف، في إطلالة باب الأسباط، أحد أبواب الأقصى الخمس عشرة، نظرت خلفي لأبحث عن مضيفيّ فوجدت نفسي أقف خلف الباب وحدي، لم أفهم في بادئ الأمر، كدت أعتقد أن الولدين غير مؤدبين عكس ما أظهرا لي، أو أنهما لم يحباني كفاية، ونحن الذين صرنا، مع اللقاءات المتوالية، أصدقاء، ننادي بعضنا بعضاً بأسمائنا المجردة.

دار كل ذلك في رأسي بسرعة إلا تبرير أنّ الولدين محبوسان، وأنهما لن يتجاوزا الحدّ المسموح لهما ليودعاني. هذه المرة اختفيت داخل عتمة بصفر زمان وصفر مكان، فيما اختفى صديقاي داخل عتمة مماثلة، بصفر زمان وصفر مكان. رافق اختفاءنا الجماعي ارتفاعُ الأذان من سماعة المسجد الاقصى. نعم إنه صوت مؤذن المسجد الاقصى الذي لا أسمعه في قريتي في الأغوار الفلسطينية المحتلة؛ فزاد ذلك من إحساسي بالعجز، وخالط شعوي بالاختفاء شعور آخر غريب وساحر وقاهر في الوقت نفسه، فتحت الباب بقوة، وهربت.

***

سألت عبدالحليم:

ما هو أول شيء فعلته بعد أن انتهى حبسك المنزلي، وكان قد انتهى خلال تدريباتي مع عبد الحليم وعمه عدنان، الذي يجايله، المحبوسين حبساً منزلياً بتاريخ 2023/5/28:

_ شو أول إشي عملته بس خلص حبسك؟

_ رحت عند صاحبي اللي عنده حصان، أخذت الحصان، ركبته، وركضت فيه في النبي صموئيل. ظليت أطارد.

كان الاحتلال يعبث بوقت عبد الحليم 15 عاماً، وعدنان 14 عاماً، ويضيعه، حدد وقت حريتهما ما بين الساعة السابعة صباحاً والثالثة مساء، يذهبان في الباص الساعة السابعة صباحاً إلى المدرسة في البلدة المجازرة في بير نبالا، ثم يعودان إلى البيت في الساعة الثالثة تماماً في النبي صموئيل، فيصبح الأهل والمدرسة وسائق الحافلة سجّانين لهذين الطفلين اللذين لا يسمح لهما بالخروج من البيت بعد الساعة الثالثة.

كنت طفلة مثل هؤلاء الاطفال الذين مازالوا يعتقلون ويستشهدون في فلسطين، وكان بالامكان، ببساطة وما زال، أن أكون أسيرة أو شهيدة، لكني كنت ومازلت على يقين بأن الوقت لنا وليس للاحتلال.

وماذا بالنسبة لحافلة المدرسة؟

إنها البوسطة* التي ينقل فيها الاحتلالُ الأسرى، لكن في ما يتعلق ببسوطة عبد الحليم وعدنان فهما الأسيران الوحيدان اللذان يتنقلان بين البيت/السجن والمدرسة/ السجن وبالعكس، إلى جانب طلاب عاديين يتنقلون بين البيت/البيت والمدرسة/المدرسة وبالعكس. هكذا بالضبط يحاول الاحتلال منذ 75 عاماً إحداث عطب في الزمن الفلسطيني ومكانه، فيغير معنى الوقت داخل كل مكان، بتغيير الأدوار داخل المكان الواحد، وبتغيير هوية الوجهات ودلالة كل وجهة في المسافة من الشيء وإليه.

***

لم أسأل صديقتي التي تعمل في " نادي الأسير الفلسطيني" عن أسماء الأسرى الأطفال الذين ينوي الاحتلال الإفراج عنهم في صفقة التبادل مع حماس، هذه التي تحدث الآن مرافقة لقتل أكثر من 15 ألفاً من الفلسطينيين في غزة المحتلة، بينهم ستة آلاف و150 طفلاً حتى وقت كتابتي لهذا المقال. لم أسأل صديقتي، ليس لأن الصفقة لا تضم أسماء الأسرى الأطفال المحبوسين حبساً منزلياً في القدس المحتلة وضواحيها، وبعض هؤلاء الأسرى الأطفال صار صديقي؛ حيدر وحسين وإبراهيم في حي الخلاليلة، ونعيم وطارق في وادي الجوز، وعدنان وعبد الحليم في النبي صموئيل، وعلي في الشيخ جراح، بل لأني عجزت عن تقسيم قلبي بين الفرح والحزن، وأنا أتابع قتل الاحتلال الإسرائيلي للأطفال في غزة، وكانت أولى الشهيدات في غزة، رغد فروانة، إحدى طالباتي في تدريبات الكتابة الذاتية التي بدأتها في غزة في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، بعد أن حصلت على تصريح من الاحتلال لدخول غزة لمدة خمسة أيام؛ يومان منهما للذهاب والعودة، عبر حاجز إيرز الاحتلالي!

الزمن يعاد لكنه يتغير، وكل ما يطرأ عليه من تغييرات تشي بضياعه من خلال تحكم الاحتلال فيه. الاطفال الذين عملت معهم في غزة ولدوا في الحروب المتوالية على غزة وعاشوا فيها وكبروا وماتوا فيها، ولم يتطلب هذا زمناً طويلاً، فهذه رغد ماتت في عمر الخامسة عشرة، كنت قد بدأت تدريباتنا على سير الأطفال الشخصية، داخل هذه الحروب! رغد ماتت في عمر الخامسة عشرة!

لم أسال عن أسماء الأطفال الذين سيخرجون من سجون الاحتلال، لكني جلست أتابع صفقة التبادل على شاشة الأخبار، فتتبعت قول المذيعة على قناة الجزيرة الإخبارية:

تقول المذيعة:

- عين على غزة وعين على عوفر!

هذا مطلع أغنية أيتها المذيعة.

وتنقل الميكروفون من وائل الدحدوح إلى جيفارا البديري، أما قلبي فموزّع بين الأطفال الشهداء في غزة، والأطفال الأسرى الأشبال في الضفة الغربية والقدس المحتلة، والميكروفون عندي متوقف لا يبث.

وهذا مطلع أغنية أيضاً، لكني لا أغنّيها.

***

كانت أمي تجري مقارنة، منذ الانتفاضة الأولى التي طارد فيها الاحتلال الاسرائيلي أخي وصديقه، فناما في كهوف الجبال، ثم سجنا لاحقاً، ثم ماتا بسرطان البنكرياس عام 2014 بفارق شهر! كنت، مع بداية الانتفاضة الأولى، طفلة في الثانية عشرة وكانت أمي تقول:

- باب السجن ما بسكر على حدا.

يخفف الفلسطيني على نفسه في خسرانه للزمن بـ"خسران أقل" أو " خسران مفتوح"، وكان هنا في عبارة أمي خسران غائب للزمن؛ إنه الموت، فهي تجري مقارنة ضمنية بين ضياع الزمن بالموت بسبب الاحتلال وضياع الزمن داخل السجن بسبب الاحتلال أيضاً، وعندما يعتبر الفلسطينيون كلَّ من يموت على يد الاحتلال شهيداً، يتلاشى الزمن لكن لا يتلاشى الألم:

- هل نسيت الفتى الذي استشهد عام 1992، فكتبت أولى قصائدي وقرأتها على ضريحة، بعد أن خرجت في مسيرة من مدرسة القرية باتجاه المقبرة؟

كانت تلك من أوائل قصائدي اليافعة، وكنت في عمر السادسة عشرة، وكان الفتى في عمر السابعة عشرة، وكان اسم الفتى عماد، وكان عنوان قصيدتي:

ستعود، حتماً، ستعود.

أي يقين هذا الذي كان لديّ بالزمن؟ إنني هنا أكاد أصنع معجزة بيقيني بأن الماضي سوف يعود في المستقبل. كنت طفلة مثل هؤلاء الأطفال الذين ما زالوا يعتقلون ويستشهدون في فلسطين، وكان بالإمكان، ببساطة، وما زال، أن أكون أسيرة أو شهيدة، لكني كنت وما زلت على يقين بأن الوقت لنا وليس للاحتلال:

- أليس هذا عجيباً بعد أن خسرنا 75 عاماً من الزمن؟

***

قلت لنعيم:

- ما سمحت لنفسي أتعلّق بالبحر، البحر زي ما بتعرف، وزي ما بتغني فيروز، بعيد! ما في بحر في الضفة، يعني حتى أصل البحر بدّي تصريح، أنا هون لأني حصلت على تصريح. كل وقت بقضيه معك انت وطارق،، ومع الاولاد التانيين في القدس، محسوب من الأيام الخمسطاش المسموحة في التصريح.

***

وأنا في طريقي من رام الله إلى القدس كدت أفقد حياتي مرتين، فرددت عبارة صديقتي الشاعرة داليا طه:

نحن، هنا، أحياء بالصدفة.

كدت أفقد حياتي على حاجز الجيب العسكري الذي يفصل حيّ الخلايلة والنبي صموئيل عن الضفة الغربية، ومرة على حاجز قلنديا، الذي يفصل الضفة عن القدس، وفي المرتين كنت بالنسبة لجنود الاحتلال، مثلما ردد وزير الدفاع الاسرائيلي، يوآف غالنت، في حربة الأخيرة التي مازلت مشتعلة على غزة، بأن الفلسطينيين: حيوانات بشرية.

كنت امرأة بشعر كيرلي، تطيره ريح الربيع، تحمل حقيبتها، منتبهة جداً، تتحرك بحذر، كما لو كانت تسير فوق طريق مرصوفة بالبيض، خرجت ودخلت على الحاجز بالباب الدوار مثل دجاجة خمس عشرة مرة ذهاباً وإياباً. وقفت في صف طويل، أسرعت في التقاط حقيبتي عن الممر المتحرك، أسرعت وأنا أمر من أمام المجندة التي تقف خلف الزجاج ونظرت نحوها دون أن تطلب مني، وإنما بحكم عادة المرور من الحواجز. مررت بطاقتي الممغنطة فوق الجهاز وتوترت كلما ظهرت إشارة "إكس" حمراء، بل خفت! قد أعود، ولا أذهب للقاء الأولاد... في الجانب الآخر.

صعدت درجاً مع أطفال فلسطينيين، وعجائز فلسطينيين، وشباب فلسطينيين، ومرضى فلسطينيين، وسرنا في ممشى إسمنتي بغيض مراراً وتكراراً. أنا أفعل هذا خمس عشرة مرة وهم يفعلونه كل يوم لأن حياتهم مقسومة بين مكانين، من مدارس ومشافٍ وأماكن عمل وأسرّة للنوم! لقد عرفت كيف أخذ الاحتلال وقتنا. هذه واحدة من "كيف؟"!

قفزت خمس عشرة مرة عن جدار واطئ. ألقيت بحقيبتي خلف الجدار، ودليت نفسي من فوقه. رفعت حقيبتي عن الأرض، نفضتها من الغبار، نفضت ملابسي، ثم فكرت، بعد كل ذلك، خمس عشرة مرة، بأن أمرغ نفسي بالأرض وأبكي!

***

اشتغلت، من قبل، مع الأطفال الأسرى المحبوسين حبساً فعلياً في الضفة، وكذلك مع الأطفال المحبوسين حبساً منزلياً في القدس، وقد عرفت أن الأطفال الذين تأكدوا من أنهم محبوسون لا محالة اختاروا الحبس الفعلي وفضلوه على الحبس المنزلي، بل إن أمهاتهم على وجه التحديد فكرن بذلك، عندما رأين كيف يمسكن برقبة وقت أولادهن ويخنقنه داخل البيت، عندما يتحول البيت إلى سجن، والطفل إلى أسير، وكل واحدة تحول نفسها إلى سجانة، لاعتقادهن أنهن يحمين أطفالهن من الاحتلال!

أخبرني يوسف، وهو ناشط ثقافي في القدس، أن أحدى الأمهات اتصلت به ذات يوم وسألته: هل ترسل طفلها إلى السجن الفعلي لتريحه من سجن البيت؟

ردد يوسف هذا السؤال أكثر من مرة كمثال على قسوة السؤال وتعقيد الجواب.

من خلال العمل مع الأطفال المحبوسين حبساً فعلياً رأيت من خلال فعالية "أولاد المنسي" كيف تهشم وقت هؤلاء الأطفال، رأيت كيف كان لؤي المنسي، الأسير المحرر الذي قضى 15 عاماً في السجن. 12 عاماً من هذه السنوات كان مسؤولاً عن الأسرى الأطفال وممثلاً لهم في سجن عوفر الاحتلالي القريب من رام الله، وهو يعتني بهؤلاء الأطفال ليجعل لزمنهم معنى داخل السجن، وحتى بعد أن خرج من السجن لم يكف عن ذلك.

فجمعتهم معاً، الأب الروحي الأسير، والأطفال الروحيين الأسرى، على مسرح القصة في اليوم الأخير من عام 2019، كي نمسرح السجن.

صعدت درجاً مع أطفال فلسطينيين، وعجائز فلسطينيين، وشباب فلسطينيين، ومرضى فلسطينيين، وسرنا في ممشى اسمنتي بغيض مراراً وتكراراً. أنا أفعل هذا خمس عشرة مرة وهم يفعلونه كل يوم لأن حياتهم مقسومة بين مكانين، من مدارس ومشافي وأماكن عمل وأسرّة للنوم

فكرت: لو أننا مسرحنا السجن فإننا سنمتلك أن نشكك فيه، وسنمتلك أن نفرح أو نحزن كردّ فعل على ما يقدمه، لكننا على كل حال فإن بامكننا أن نكذّبه. أردت أن أقول إن الاحتلال مجرد شخصية رئيسة متحكمة تمارس العنف، وأن السجن مجرد خشبة مسرح، وما إن ننزل الستارة، في الخاتمة، فسوف ينتهي كل شيء، وربما لو خرجنا معاً متشابكي الأيدي، الكاتبة والأسير الأب الروحي، والأسرى الأطفال الروحيون، وأدرنا وجوهنا إلى الخلف، قبل أن ننحدر في مدينة رام الله، لقرأنا كلمة مسرح على مقدمة المكان، ولأصبح كل ذلك مجرد قصة.

***

هذه المرة الأولى التي يضيع فيها بعض وقت الإسرائيليين في السجن، كما أضاعوا وقت الفلسطينيين مدة 75 عاماً. يضيع وقت ربة البيت، والطفل، والعجوز، والشاب المنتشي الذي كان في احتفال تحت الأشجار. برغم ذلك إنها مقايضة غير عادية؛ الكاميرات كلها موجهة نحو مكان سجن الإسرائيليين، حرب كاملة شنت لتحريرهم، أكثر من 15 ألفاً، حتى الآن، قتلوا لتحريرهم، دول عظمى تقاطرت ببوارجها واصطفت في البحر، قالت إحدى الأسيرات إن حماس أحضرت لهم الشامبو وبلسم الشعر، وهناك نساء اهتممن بنظافتهن الشخصية، حتى أنني اليوم رأيت صورة واحدة منهن في باص العودة إلى "الديار" تلبس ثوباً فلسطينياً مطرزاً، هجست في نفسي: لقد أهدوها ثوباً فلسطينياً مطرزاً!

في المقابل اتصلت المخابرات الإسرائيلية بأسَر الأسرى الفلسطينيين المحررين مقابل الأسرى الإسرائسليين المحررين، 24 على الجانب الاسرائيلي و39 على الجانب الفلسطيني، أربعة أطفال على الجانب الاسرائيلي و15 طفلاً على الجانب الفلسطيني، وحذرت الأسرى الفلسطينيين قبل خروجهم من أي مظهر من مظاهر الاحتفال. داهمت الشرطة الإسرائيلية بيوت الأسيرات المنوي الافراج عنهن وأخرجت الضيوف الذين تجمعوا في انتظار قريباتهم، وأوصلوهم إلى الباب دون أن تقف الشرطة عند مكان محدد سيكون تجاوزه إشارة لانطلاق صفارة تجاوز الحدود!

أعاد الاحتلال الأسرى الفلسطينيين في بوسطة الحديد، وأصروا على أن يتم التعتيم عليهم داخل البوسطة. أغلقوا النوافذ حتى لا يخرجوا أيديهم من النوافذ، فيرفعوا إشارة النصر بعد أن أضاع الاحتلال زمنهم في العتمة، وليس من هؤلاء المحررين، في هذه الدفعة، الأسيرة الطفلة نفوذ حماد التي تبلغ من العمر ستة عشر عاماً، وقد حكم عليها الاحتلال الاسرائيلي بالسجن الفعلي مدة 12 عاماً، قضت منهما عامين اثنين!

*** .

في لقاء أجرته المذيعة مع سوسن باكير، والدة الأسيرة المحررة مرح، أصرت أن مرح ابنتها ستعود وهي في عمر السادسة عشرة، بالعمر ذاته الذي سجنت فيه، رغم قضائها، في السجن، 8 سنوات، كبرت فيهن مرح، تقدم زمنها، لم تعد هي هي من ظهرت في آخر صورة التقطت لها عام 2015، عام اعتقالها، وكانت في عمر السادسة عشرة والنصف.

صرخت أم مرح من الفرح وهي تحضن ابنتها هذا اليوم، الجمعة، الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر ،2023 بعد مرور ثماني سنوات على سجنها:

كبرت مرح. قلتلكم إنها صارت حلوة.

• الشاباص: مصلحة السجون الاسرائيلية.

• البوسطة: حافلة ينقل بواسطتها الاحتلال الأسرى الفلسطينيين بين السجون والمحاكم أو إلى المستشفيات، وهي من الداخل مقسمة إلى ثلاثة أقسام؛ قسم لعناصر وحدة النحشون المجهزون بعتادهم وكلابهم البوليسية، وقسم لأكثر من 20 أسيراً، وقسم ثالث فيه زنازين توضع فيها الأسيرات الفلسطينيات وهن مقيدات بأيديهن وأرجلهن، أو الأسرى من ذوي الأحكام العالية أو المعزولين. يمنع الاحتلال الأسرى خلال نقلهم بالبوسطة من الشراب أو قضاء الحاجة، ويجلسون على مقاعد حديدية كل أسير بجانب الآخر، وهم مقيدون بعضهم ببعض من أيديهم وأرجلهم.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

لا ليل يطول، ولا خريف

بعد ربيعٍ عربي كان يزهو بفورات الأمل ونشوة الاحتجاج، ها هي نوستالجيا الحريّة تملأ قلوب كلّ واحد/ ةٍ منّا حدّ الاختناق.

نوستالجيا أفرغها الشلّل القسريّ الذي أقعدنا صامتين أمام الفساد العميم والجهل المتفشي. إذ أضحت الساحات أشبه بكرنفالاتٍ شعبية، والحقيقة رفاهيةً نسيناها في رحلتنا المضنية بحثاً عن النجاة.

هنا في رصيف22، نؤمن بالكفاح من أجل حياةٍ أفضل لشعوب منطقتنا العربية. ما زلنا نؤمن بالربيع العربي، وربيع العالم أجمع.

Website by WhiteBeard