شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
طلاب غزّة في مصر… بعد

طلاب غزّة في مصر… بعد "طوفان الأقصى" عالقون بين ضيق هنا وحصار هناك

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مع توقعات بامتداد أمد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة حتى وإن تم تمديد الهدنة المؤقتة السارية منذ الجمعة، 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، تتعاظم مخاوف أهل غزة المقيمين في مصر لأغراض التعليم والعلاج والذين انقطع التواصل بينهم وبين ذويهم في القطاع المحاصر وتوقف التعاملات المالية بين الأفراد في مصر وذويهم في القطاع، ما وضع كثيرين منهم في ضائقة مالية في مواجهة الاحتياجات الأساسية. 

خلال أيام العدوان ظهرت نداءات من الطلاب الجامعيين من أبناء قطاع غزة في الجامعات المصرية، موجهة لوزارة التعليم العالي لإعفائهم ولو مؤقتاً من الرسوم المطلوبة والمصروفات لانقطاع قدرة ذويهم على إرسال الأموال لهم من القطاع الواقع تحت القصف الإسرائيلي عقب عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. فيما بدأت مشكلاتهم تتفاقم مع عجزهم على الوفاء ببدل إيجارات المساكن التي يقطنونها للسبب نفسه، وهي المشكلة التي يشاركهم فيها المرضى وذووهم من قطاع غزة من الباقين في مصر لتلقي العلاج خاصة مع انهيار المنظومة الصحية في القطاع بفعل الاستهداف الإسرائيلي المستمر لمستشفيات غزة وباقي عناصر خدماتها الصحية والعلاجية، ومنع الوقود اللازم لتشغيل تلك المرافق.  

مع احتمالات تمديد أمد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، يتعقد موقف الطلاب من أبناء القطاع الدارسين في مصر مع انقطاع التواصل بينهم وبين ذويهم، وثقل كاهل الطلاب بالمصروفات والتكاليف المعيشية المطلوبة، فما الذي يفعله المصريون للتخفيف من هذا الوضع الحرج؟

حصار من نوع آخر 

محمد إسماعيل، والد شاب من قطاع غزة، جاء إلى مصر لإتمام إجراءات التحاق الابن بجامعة الزقازيق التي يفضلها أبناء القطاع الدارسين في مصر. يقول إسماعيل: "جئت إلى مصر يوم 26 سبتمبر/ أيلول الماضي، أي قبل الحرب بأيام قليلة، حتى أقوم بعمل الإجراءات اللازمة ليلتحق إبني بكلية الطب بجامعة الزقازيق، وبمجرد انتهائي من تقديم الأوراق نشبت الحرب في القطاع علقت هنا ولم أستطع التواصل مع أسرتي ليزودوني بالمال، ولم أتمكن من العودة لدعمهم في هذا الموقف، وقد عاد الإتصال لعدة دقائق علمت فيها أن ابنَي عمي قد استشهدا". 

يحكي إسماعيل أن أمواله كانت موشكة على الانتهاء قبل بدء العدوان على القطاع "لكني لم أكن قلقاً لأن الأموال يفترض أن تصل بعد أيام، ولكن قامت الحرب ولم أستطع شراء الأغراض اللازمة لابني وبدأت أستعير النقود من جيراني في السكن واعداً إياهم بتسديدها عند العودة لبلدي، وقد حالت الحرب دون الوفاء بالوعد وتسديد الدين، وذهبت للسفارة الفلسطينية لمحاولة إيجاد حل لهذا المأزق لكن لم يجبني أحد".

عندما تحدث إسماعيل إلى رصيف22 قبل أيام من بدء سريان الهدنة لم تكن الجمعيات الأهلية المصرية قد أعلنت بعد عن أية إجراءات لمساعدة أبناء غزة العالقين في مصر، والذين تمكن قليل منهم من العودة إلى القطاع خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهدنة بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة المعابر الفلسطينية.

وقتها ذكر لنا إسماعيل "إنه لا توجد أي مؤسسة أو جمعية أهلية تقدم يد العون أو الدعم لنا، غالبيتهم يتصلون بنا لجمع معلومات وبيانات فقط لكن لم تصلنا أي مساعدة منهم حتى وقتنا هذا. لكن المساعدات الحقيقية يقدمها لنا المصريون غير المنظمين في أية جمعيات أو مؤسسات واللجان الشعبية التي تقوم بتجميع الأموال لمساعدة أبناء غزة من الطلبة أو العالقين أو المصابين، وحصلت فعلاً على المساعدة من إحدى اللجان الشعبية التي يديرها أحد المشاهير المصريين والذي تكفل بتسديد ديني وقدم لي مساعدة مالية أيضاً".

رئيس لجنة العلاقات العربية بحركة فتح : "أعداد الطلاب الفلسطينيين في مصر كثيرة، وهم الآن في حالة انقطاع مذرية ومنقطعين عن التواصل مع ذويهم، وهناك بعض الدول وعدت بتوزيع بعض المساعدات على الطلبة خاصة أن الوضع سوف يزداد صعوبة في الأشهر القادمة"

فاطمة حسنين طالبة في كلية الطب بجامعة القصر العيني من بنات قطاع غزة، أدى انقطاع الاتصالات عن القطاع إلى توقف التواصل بينها وبين أفراد أسرتها، ما يعني إلى جانب قلقها الدائم على أسرتها والذي يعيقها عن التحصيل فقد فقدت القدرة على الوفاء بالمصروفات والرسوم المطلوبة منها بحكم الدراسة وتكاليف المعيشة في القاهرة التي تعد واحدة من أغلى المحافظات المصرية وأعلاها في معدلات التضخم. 

تقول حسنين: "عقلي لا يتوقف عن التفكير في حالهم وما أصابهم ولا أستطيع التركيز والدراسة بشكل طبيعي. وبالكاد حصلت على مصروف شهر أكتوبر وقد مر يسيراً؛ أما مصاريف شهر نوفمبر فلم يحصل أي طالب فلسطيني على مصروفه من أهله مما جعلنا في مأزق، لكن المصريين جميعهم مهتمون بوضعنا وهناك بعض المصريين قاموا بتحويل أموال لنا، وأيضاً قامت الجالية الفلسطينية بمصر بمساعدة الشباب والعالقين هنا، لكن لم تقدم السفارة أو جامعة الدول العربية أي مساعدات مالية لنا".

وأوضحت فاطمة أن الحملات الشعبية المصرية التي أطلقت "لمساعدة الغزّاويين" كثيرة لكن: "أغلبهم يساعدون بحق، لكن هناك قلة تتاجر وتتربح باسمنا؛ لذا أرجو من المتبرعين أن يكونوا واثقين من الجهات والأفراد الذين يجمعون الأموال بدعوى إغاثة الفلسطينيين العالقين في مصر، حتى لا يقعوا في عمليات النصب والإحتيال، أما السفارة الفلسطينية وجامعة الدول العربية فلم تصلنا منهم أي مساعدات مالية". ويتفق معها بلال محمود طالب الطب في جامعة الزقازيق. 

انقطاع "مذري"

أما أيمن الرقب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس ورئيس لجنة العلاقات العربية بحركة فتح والمسؤول عن التواصل مع مصر سابقاً فيقول إن أعداد الطلاب الفلسطينيين في مصر كثيرة، مضيفاً في حديثه لرصيف22: "هم الآن في حالة انقطاع مذرية ومنقطعين عن التواصل مع ذويهم، وهناك بعض الدول وعدت بتوزيع بعض المساعدات على الطلبة خاصة أن الوضع سوف يزداد صعوبة في الأشهر القادمة".

ويقوم البروفيسور أيمن الرقب بالتعاون مع سياسيين آخرين بإنشاء قاعدة بيانات لطلاب فلسطين في مصر لإتاحتها للمؤسسات الرسمية والأهلية الراغبة في دعم الطلاب الفلسطينيين الذين ينقطع التواصل بينهم وبين ذويهم الآن أو مستقبلاً. 

ويقول: "نخشى أن تطول هذه الأزمة لأن هذا سيزيد من الأعباء على كاهل الطلاب، والمشكلة الأكبر تكمن في من فقدوا ذويهم في الحرب وليس لهم مصدر للدخل، فكلما طالت الحرب كلما تفاقم حجم المعاناة".

القاعدة التي يعمل الرقب وغيره من الأكاديميين لا تقتصر على طلاب قطاع غزة والضفة في مصر فقط، ولكن لجميع الدارسين الفلسطينيين في كل أنحاء العالم يقول: "نحن الآن نتواصل مع دول عربية، لكننا نتواصل أيضاً مع دول أجنبية وسف نعلن عن أسماء طلابنا ودراسينا في الخارج قريباً". 

المستشار الثقافي بالسفارة الفلسطينية في القاهرة: عدد الطلبة الفلسطينيين داخل مصر يتخطى 13 ألفاً، وقد خاطبنا المسؤولين بمصر ليسمحوا بتقسيط المصاريف الجامعية كونها العائق الأكبر الذي يواجه الطلاب وذويهم في ظل الحصار الحالي على القطاع

وحول دور العمل العربي المشترك تحت لواء جامعة الدول العربية للتدخل لدى السلطات لتسهيل وضع هؤلاء الطلاب وغيرهم من العالقين من القطاع في دول العالم العربي وخاصة مصر في ظل العدوان الإسرائيلي الحالي والمتكرر، يقول الرقب: "جامعة الدول العربية لم تطرح ذلك الأمر على طاولة الحوار، ونحن كسياسيين ليس لدينا رغبة في التوجه لها (أي الجامعة). نحن نتوجه لمن يستطيع أن يقدم يد العون من بعض الدول والمؤسسات، وبالفعل توجد بعض المؤسسات الإجتماعية المصرية التي تسعى في هذا الأمر، ويوجد أيضاً بعض الجمعيات الأهلية التي تمكنت من الوصول لبعض الطلاب وعائلاتهم من العالقين ومدوا لهم يد العون، وهناك جهات سوف نعلن عنها قريباً سوف تساعد في حل تلك الأزمة المتعلقة بالعالقين والطلبة"

ناجي الناجي، المستشار الثقافي بالسفارة الفلسطينية في القاهرة، يقول لرصيف22 إن عدد الطلبة الفلسطينيين داخل مصر يتخطى 13 ألفاً "وقد خاطبنا المسؤولين بمصر ليسمحوا بتقسيط المصاريف الجامعية كونها العائق الأكبر الذي يواجه الطلاب وذويهم في ظل الحصار الحالي على القطاع، فأولياء الأمور لا يستطيعون في ظل تلك الحرب الشرسة للإبادة والتطهير العرقي أن يرسلوا الأموال لأبنائهم، وعدد المتضررين من الطلاب كبير للغاية وليس بالأمر الهين".

ويضيف أن السفارة تلقت استجابة من السلطات المصرية بشأن ترحيل موعد سداد الأقساط للجامعات، وأن السفارة تعد الآن الأوراق اللازمة لتقنين ذلك القرار وطرحه للتنفيذ للسماح للطلاب من أبناء فلسطين وقطاع غزة بأداء امتحانات منتصف العام الموشكة على البدء في مصر. ويكمل: "هذا القرار تم تعميمه على الجامعات المصرية، ونحن ننتظر الإعلان الرسمي عن القرار من الجانب المصري حتى يكون هناك شئ من الارتياح". واختتم الناجي حديثه: "الطلاب الذين فقدوا أسرهم في الحرب على القطاع تقوم السفارة بالتواصل معهم فهذا واجب وطني ومهني تجاههم، ونحن داخل السفارة نقوم بعمل كل الواجبات المطلوبة وهذا عبء كبير على السفارة وأحياناً يفوق قدراتها، والأسباب كثيرة ومعلومة للجميع. فالموارد قليلة وعدد الطلاب كبير، ورغم ذلك تحاول السفارة عمل كل ما في وسعها، فجميعنا نحاول رد قسط من الدين الذي في رقبتنا تجاه طلابنا الذين فارق أهلهم الحياة نصرة للشعب الفلسطيني أجمع".

"أبواب الخير" مشرّعَة لفلسطين

الصحافي والناشط الأهلي هيثم التابعي مؤسس جمعية "أبواب الخير" ومديرها التنفيذي، يقول لرصيف22 إن المؤسسة أطلقت حملة لدعم طلاب غزة في مصر بعد اندلاع الحرب على القطاع، "نحن نقوم الآن بدعم 104 طالب من أبناء قطاع غزة و هدف الحملة هو دعم 250 طالباً، وكانت الخطة الأولى عند بدايتنا في منتصف أكتوبر هي الإستمرار حتى ديسمبر/ كانون الأول المقبل بتكلفة تصل مليوني جنيه مصري، لكن إذا أردنا دعم الطلاب مدة أطول من ذلك فنحن بحاجة الى حملة تبرعات قوية حتى نتمكن من المساعدة حتى إنتهاء الحرب على القطاع". 

تواصل رصيف22 مع المتحدث الرسمي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر للتعرف على الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها للتسهيل على طلاب غزة في مصر والذين يواجهون صعوبات في أداء المصروفات الجامعية المطلوبة والوفاء بإيجارات المساكن في ظل عدم سماح لوائح الجامعات باستضافتهم في المساكن الجامعية، إلا أننا لم نتلق رداً حتى لحظة إعداد التقرير للنشر. 

وصرح  الدكتور شريف رئيس قطاع شؤون الطلاب الوافدين في المجلس الأعلى للجامعات لموقع القاهرة 24، إنه قد صدر قرار في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري من المجلس الأعلى للجامعات يسمح بتأجيل سداد أقساط الرسوم الجامعية للطلبة الفلسطينيين الدارسين من قطاع غزة الذين لم يستطيعوا سدادها حتى الآن، وأن القرار لم يحدد مدة التأجيل، وأنه من المتوقع أن تمتد طوال فترة الدراسة وفقاً للتوجيهات الصادرة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي. ما قد يعني ضمناً تأجيل سداد الأقساط لحين انتهاء العدوان على القطاع.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard