شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!

"الكارّة" ظاهرة حاضرة في الأزمات الطارئة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والفئات المهمشة

الجمعة 17 نوفمبر 202311:37 ص

يقدّم قطاع غزّة نموذجاً غير مسبوق لسبل التكيّف اليومي مع طبيعة ظروفه الطارئة، وبالرغم من أن المشاهد كثيرة وكلاً منها غني بالكثير من القصص، إلا أنها تستدعي في طرحها التوقف والتأمل فيما تتضمن من أفكار وحلول وبدائل، تكشف في واقعها وفلسفتها عن مرونة غير عادية لهذا الشعب. هذه المرونة لا يمكن أبداً أن نفصلها عن ذكائه العاطفي، وهو ميزة استثنائية تعزّز قدرته على التصرّف الطارئ، المحنك والذكي.

واحدة من هذه المشاهد اللافتة كانت عربات النقل التي تعتمد بشكل كامل على استخدام الدواب "الحمير والأحصنة"؛ والتي كانت بمثابة بديل فاعل في ظل حالة نزوح شامل، يتحرّك فيه سكان قطاع غزّة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، في أعداد مهولة وفي وجود أزمة وقود قائمة أدّت إلى توقف العمل بمركبات النقل.

عربات الدواب في غزّة ودور حيوي في وقت الأزمات

كانت عربات الدواب قد لعبت دوراً مهماً في أوقات الأزمات التي عاصرتها غزّة سابقاً أيضاً، وبدى الأمر جلياً في العام 2008، مع تفاقم آثار الحصار على غزّة، عقب تولي حماس شؤون القطاع في العام 2007. ففي ظل أزمة تتعلّق بالوقود؛ استخدمت هذه العربات كبديل مهم لكل المركبات التي تعمل بالوقود.

استخدمت الدواب في النشاط الزراعي كبديل لآلات الحراثة، كما استعانت البلديات المحلية، كبلدية غزّة، بهذه العربات كبديل عن مركبات جمع النفايات التي توقفت بفعل أزمة الوقود، حيث تعاقدت مع عدد كبير من أصحاب عربات الكارو للعمل على جمع النفايات من شوارع وأزقة المدينة بشكل يومي، ونقلها إلى مكبّات النفايات الرئيسية. وقد ساهم هذا الأمر بشكل إيجابي فيما يتعلّق بتوفير فرص عمل لهذه الفئة من الناس والتي تعتبر من ذوي الدخل المحدود أو المتدني.

من ناحية أخرى تستخدم هذه العربات أيضاً من قبل الباعة المتجوّلين بشكل كبير وملحوظ؛ إذ تشكل نمطاً مميزاً للمشهد الصوتي الخاص بالمدينة، والمخيم على وجه الخصوص.

استخدمت الدواب في النشاط الزراعي كبديل لآلات الحراثة، كما استعانت البلديات المحلية، كبلدية غزّة، بهذه العربات كبديل عن مركبات جمع النفايات التي توقفت بفعل أزمة الوقود، حيث تعاقدت مع عدد كبير من أصحاب عربات الكارو للعمل على جمع النفايات من شوارع وأزقة المدينة بشكل يومي

وفي إطار نهج البلديات للتطوير الحضري والحفاظ على صورة المشهد الحضري للمدينة، كانت هناك محاولات من قبل بعض البلديات لتقليص وتقنين تحركات هذه العربات، من خلال منع دخولها لبعض الشوارع الرئيسية والأحياء، وكذلك حظر دخول هذه الحيوانات إلى البحر للاستحمام. هذا بالإضافة لقرار البلديات منع استخدام المكبرات الصوتية من قبل أصحابها لما تتسبب به من إزعاج للسكان. أدى هذا الشكل من التقييد لامتعاض أصحاب العربات، ودفعهم لتنفيذ مسيرة احتجاج لافتة، كانت الأولى من نوعها في العام 2022؛ إلا أنها لم تثمر عن شيء.

وبالرغم من بعض الجوانب البيئية والحضرية التي قد يؤشكلها وجود هذه العربات، إلا أنها جسّدت في هذه الأزمة بديلاً طارئاً، خفّف من معاناة الناس، فاستُخدمت في هذه الحرب على نطاق واسع، ليس في نقل الناس والمياه والمساعدات الغذائية وجرحى الحرب وحسب، بل استخدمها البعض أيضاً في نقل جثث الشهداء لدفنها، وذلك في ظل قصور في المستشفيات وانقطاع الكهرباء عن ثلاجات الموتى والعدد المحدود لسيارات الإسعاف التي تم استهدافها بشكل مباشر من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

العربات كنمط فريد في سياق المشهد الحضري للمدينة

تظهر هذه العربات حميمية من نوع خاص، سواء لدى أصحابها أو لدى عامة الناس في قطاع غزّة. بالنسبة لأصحابها، هي تمثل مصدر رزق مهماً، وتمثل الدابة جزءاً مهماً من كيانهم الأسري، والاهتمام بها يحتلّ نصيباً كبيراً من مجهودهم اليومي بالعناية بها وبنظافتها وإطعامها وتزاوجها. أما على صعيد العامة، فهذه العربات غالباً ما يكثر وجودها في المناطق الأكثر شعبية ومناطق التجمعات الحيوية، كالأسواق والمخيمات، وأصبحت، بشكل ما، تمثل جزءاً من خصائص هذا المشهد الحضري الخاص بتلك المساحات.

شخصياً؛ كفتاة نشأت في المخيم، اعتدت في الصباح على صوت البائع المتجول بعربته وهو يبيع الخبز الطازج أو الخضروات أو مشتقات الحليب، وبالرغم من أن هذا الأمر في كثير من الأوقات كان يسبب لي امتعاضاً، إلا أنه أصبح جزءاً من هوية الحياة بالمخيم والمشهد الصوتي الخاص به.

صاحب "الكارة" برغم بساطته ومرجعيته الفقيرة وفق الطبقية الاجتماعية القائمة، إلا أنه بنظري ككيان ينتصر دائماً بفوضاه وعبثيته في كل معاركه اليومية. ينتصر على كل شيء؛ على إيقاع الهدوء الكسول في المخيم؛ إذ يستيقظ في الصباح ويعبر إلى كل الأزقة والشوارع داخل المخيم، يغني نشيده الصباحي وينادي على بضاعته، ينتصر على سيارة الأجرة التي أستقلها في الطريق من المخيم إلى المدينة؛ فالشارع له، والتقاطع الفجّ له، وموسيقى المدينة له. ينتصر على كل الأنظمة والتراخيص ومعاملات الأوراق وأزمة الوقود، فهو لا يخضع لأي منها.

الفن كأداة لتعزيز الوعي بظاهرة "الكارة"

قبل أيام معدودة من بداية الحرب على غزّة كنت أنا ومجموعة من الزملاء والفنانين على مشارف الانتهاء من عدد من الأعمال الفنية، تمهيداً لعرضها في معرض فني جماعي يحمل عنوان "إنهاء استعمار الفن والمضاربات المضادة في قطاع غزّة".

كان ذلك ضمن مشروع فني مموّل من قبل مؤسسة آفاق- الصندوق العربي للثقافة والفنون، والذي تنفّذه كلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصى. تم تصميم المشروع ليجسّد رحلة جماعية لامنهجية مضادة؛ تسعى للاستكشاف والمعرفة والتحقيق والإنتاج الفني في فضاء قطاع غزّة. على مدار أكثر من ستة شهور، تمكّن المشاركون من التحقيق في الفضاءات المشوهة والمستعمرة والمظلومة مكانياً، وإنتاج مضاربات تخيلية مضادة، وتحقيق تدخلات باستخدام المعرفة والفن كأدوات، وقد أسفر هذا المشروع عن ممارسات نقدية لواقع التجارب المشاعية والتي تشاركها الجميع.

كان هناك فعل مكاشفة حقيقي لأنماط الحياة اليومية الخفية اللامرئية، والتي يتم المرور عنها دون نقطة توقف أو تأمل. كان جميع الفنانين المشاركين يتطلعون نحو هذا المعرض كخطوة أولى نحو حالة من التنشيط الفني الاجتماعي والسياسي، والذي يسعى بشكل واع وجدي نحو تفكير مغاير ومؤثر في الأنماط والتابوهات القائمة.

وبمجيء الحرب؛ تبخّرت كل الخطط والأحلام، وتوقف العمل على المشروع بالكامل. عدت منذ أيام أنبش في ذكريات هذا المشروع الذي لم يكتمل، وخاصة في ظل كل القضايا الإشكالية التي كشفت عنها الحرب بشكل جلي، في وتيرتها التي لا تتوقف ومشاهدها التي تستفز ما لدينا؛ والتي كان المشاركون من الفنانين قد بادروا إلى طرحها ومحاولة تكثيف الوعي بها من خلال ممارستهم الفنية التي لم تكتمل أيضاً ولم تر النور.

أحد هذه المشاريع كان للفنان محمد اليازوري، حيث يتناول محمد عربة النقل، أو ما يعرف محلياً باسم "الكارة" كظاهرة اجتماعية مميزة وحاضرة بكثافة في المحيط الحضري في المدينة.

يرى محمد بأنه بالرغم من الإشكاليات الناتجة عن وجودها وأشكال الممارسة المنخرطة ضمنياً بها، إلا أنها تنتشل بعفوية جزءاً من أعباء هذا الشعب. كان يحاول محمد هنا، مستعيناً بحرفيته العالية في الفن الخشبي، لفت الأنظار إلى حيثيات هذه الظاهرة، إشكاليتها الحضرية، والظواهر المتضمنة بها، من خلال هيكل مجسم يبرز انطباعاته الذاتية كفنان وناقد على حدٍ سواء.

كان الأمر في وقتها مثيراً للسخرية، وكانت فكرة إحضار مجسم خشبي فنّي لكارة أمراً غير مألوف وغير دارج. لقد كانت مغامرة جريئة، لكنني اكتشفت أنها كانت تستحق.

بالرغم من بعض الجوانب البيئية والحضرية التي قد يؤشكلها وجود هذه العربات، إلا أنها جسّدت في هذه الأزمة بديلاً طارئاً، خفّف من معاناة الناس، فاستُخدمت في هذه الحرب على نطاق واسع

في النقاشات الجارية حول هذا العمل الفني؛ توصلنا لفكرة فنية تهدف بالدرجة الأولى إلى توعية الناس والمجتمع بضرورة ضبط هذه الظاهرة بشكل ما، للتقليل من إشكالياتها وعيوبها الحضرية. تمثلت الفكرة باستبدال عجلات العربة الدائرية بعجلات مربعة تقيد حركتها. حيث يشير الشكل المربع هندسياً إلى حالة من الضبط والتنظيم والاتزان، وقد قام محمد بتصميم مثبت العجلات بطريقة تمكننا لاحقاً من استبدال العجلات المربعة بالدائرية في حال الرغبة في استخدامها للنقل أو التجول.

دعوة لاستثمار هذه الظاهرة في خطط إعادة الاعمار

وفي ظل هذه الحرب التي أعادت طرح هذه القضية بمصوغات إيجابية وحميمية وعفوية؛ فإنني أجد أنه من المهم لاحقاً إشراك هذا الشكل من السلوكيات الحضرية وأدواتها ضمن خطط إعادة الإعمار. لا بد من اقتراح آلية تعيد استثمار هذه العربات وأصحابها الذين يمثلون مجتمعاً لا بأس به داخل قطاع غزّة، من خلال تخصيص بعض الطرق والمسارات والمواقف الخاصة بها؛ وتخصيص بعض الأسواق التي تحمل نمطاً شعبياً وتنظيمها بطريقة تصبح لاحقاً وجهة سياحية، حيث تستخدم فيها العربات بشكل أساسي، واعتماد وتعميم صيغة موحدة فيما يتعلّق بمظهر هذه العربات وتصميمها ونوعية استخدامها للنقل، أو للبيع، أو للتجوال السياحي، بالإضافة لتوفير مراكز لصيانتها والعناية بالدواب ونظافتها، وبما يحافظ على نمط جيد من الاعتبارات البيئية والحضرية.

لقد كانت هذه الحرب هي الأكثر ضراوة تاريخياً؛ وبالتالي فإن أي خطط مستقبلية لإعادة الإعمار يجب أن تتسق مع حجم هذه المعاناة ومع تطلعات هذا الشعب المكلوم حتى في أدق تفاصيلها، لتكون قادرة على تعزيز عملية تعافيه من جديد. كل حرب هي فرصة لاكتشاف الذات الإنسانية وفرادتها؛ وأعتقد أن الشعب الفلسطيني، في ظل تجربته الطويلة والمتفردة مع الظلم والاحتلال والاستعمار، كشف عن سلوك إنساني نوعي يستحق أن يعاد النظر فيه واستقاء الدروس والعبر منه، بل واستثماره في خطط التنمية الإنسانية والحضرية مستقبلاً.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard