شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"تحاول تقوية نفسها من أجل من حولها"... أمهات من غزّة يقاومن على طريقتهنّ

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والنساء

الخميس 9 نوفمبر 202312:03 م

لا تواجه نساء غزة الحرب والعنف اليوم فقط، ولا هذا الشهر وحده، بل منذ النكبة عاشت أجيال من الفتيات والنساء اللواتي كنّ يقاومن الموت الذي يدق الأبواب في كل لحظة.

وبينما يواصل جيش الاحتلال القصف منذ ما يقارب الشهر، قامت امرأة فلسطينية بتحضير خبز الصاج على سطح منزلها، متحديةً الطائرات. لم يكن الغرض فقط إطعام أبنائها وبناتها، ولكنها كانت طريقتها الخاصة لإظهار الصمود وعدم الاستسلام.

المقاومة بالرسم على الورق

الحرب المستعرة لا تعني أن الأمهات سيخففن من مسؤولياتهنّ تجاه أطفالهنّ. بل على العكس، يصبح عليهنّ التحول إلى جدار عازل بين العنف في الخارج والصغار، ويحاولن صبغ الحياة بألوان مختلفة عن أحمر الدم المراق في الشوارع وأسود الحداد في كل منزل.

في هذا السياق، تقول فاطمة صباح -وهي أم في الثلاثين لثلاثة أطفال أكبرهم في الحادية عشرة، وأصغرهم عمره خمس سنوات ويقيمون جميعاً في بيت الجدّة في غزة- لرصيف22: "برغم الذي يحدث والحالة النفسية الصعبة التي نعيشها، فالأم تحاول تقوية نفسها من أجل من حولها، وندّعي التفاؤل ونضحك في وجوه أطفالنا ونرفّه عنهم".

بينما يواصل جيش الاحتلال القصف منذ ما يقارب الشهر، قامت امرأة فلسطينية بتحضير خبز الصاج على سطح منزلها، متحديةً الطائرات. لم يكن الغرض فقط إطعام أبنائها وبناتها، ولكنها كانت طريقتها الخاصة لإظهار الصمود وعدم الاستسلام

تحاول فاطمة وصف يومها خلال القصف، فتقول: "أعطي أطفالي فرخ ورق ليرسمون عليه، وألعب معهم، وأخفف عنهم الأخبار وما يحدث حولنا. الحمل الأكبر يقع على عاتق النساء؛ عبء المنزل والأولاد. ما يحدث في الخارج يجعلي أنهار في اليوم ألف مرة، ولكن لا توجد رفاهية هذا الانهيار، لذلك أحاول صنع جو إيجابي في المنزل، وأخفف من الإحباط، وبالطبع هذا شيء صعب للغاية بالنسبة للعائلات التي تهجر منزلاً تلو الآخر بحثاً عن مكان شبه آمن".

تكمل فاطمة: "بالإضافة إلى ذلك، هناك العبء الواقع على عاتق النساء للعيش يوماً بيوم، وتدبير المنزل بأقل الإمكانات، ومعاناة إيجاد الماء والخبز، لذا صارت بعض النساء يخبزن على أفران الطين باستخدام النار. أستيقظ أنا وغيري من النساء لنواجَه بسؤال كبير: كيف يمكن أن نطعم أولادنا؟ فالخضروات أصبحت شحيحةً، ونحاول تخفيف استخدام الغاز، لذلك نقدّم وجبةً واحدةً يومياً حتى نوفر الطعام ونغسل الثياب ونغتسل عندما تأتي المياه كل عدة أيام".

وتصف فاطمة حياتها بالقول: "عايشة ومش عايشة".

مع ضغوط الحرب تتغير النفوس، خاصةً الأطفال الذين يجب التعامل معهم بصورة خاصة وبوعي أكبر. وعليه، تحاول فاطمة نقل الجانب الإيجابي من دورها كأم تجاه أطفالها الصغار، وهو دور مليء بالأعباء. والجانب الآخر يتمثل في القلق الذي لا ينتهي، ويتعلق بكل تفصيل من تفاصيل حياتها، بدايةً من الماء الذي لا يمكن الاستغناء عنه، وحتى قلة الأطعمة وغياب الرعاية الصحية.

قرأت الروايات لأنسى الحرب

ماذا قد تفعل المرأة في غزة عندما يستمر القصف لأيام ويعطّل مسار حياتها؟ كيف تحافظ على سلامتها النفسية وتمضي ساعات الانتظار الطويلة؟

تجيب لقاء السعدي، وهي مهندسة في الخامسة والثلاثين من عمرها، وتقيم منذ سنوات بين خان يونس والقاهرة: "مبدئياً لا توجد سلامة نفسية، أياً كان ما نقوم به. واللجوء إلى الطب النفسي ليس سهلاً في هذه الظروف".

تتحدث لقاء عن العناية بالأسرة كوسيلة للمقاومة: "الطهي أمر يحدث بشكل تلقائي. الأم التي لديها أطفال جياع، تحاول إطعامهم بأي وسيلة ممكنة؛ ببعض الطحين وبالقليل من الجبن والزعتر تقوم بعمل المناقيش، فهذه وسيلة لتضييع الوقت وإطعام الأسرة في آن واحد".

تتذكر لقاء: "في حرب 2014، كنت أقرأ كثيراً، في النهار على ضوء الشمس، وفي الليل على الإنارة الضعيفة من 'الليدات'، أو من هاتفي في حال استطعت شحنه. لم أعلم وقتها أن تلك هي وسيلتي للمقاومة، بينما تقوم سلافة أختي بخبز الكعك لكسر حالة الملل نتيجةً للكهرباء المقطوعة طوال اليوم. في أحد الأيام أخلوا المنزل في الصباح لانتشار خبر يفيد بأنه سيتعرض للقصف، وفي الظهر عادت أمي إلى المنزل وطهت لنا طعام الغداء".

"الأم التي لديها أطفال جياع، تحاول إطعامهم بأي وسيلة ممكنة؛ ببعض الطحين وبالقليل من الجبن والزعتر تقوم بعمل المناقيش، فهذه وسيلة لتضييع الوقت وإطعام الأسرة في آن واحد"

تنهي لقاء حديثها بالقول: "الشيء الوحيد الذي يجعل النساء يحتملن كل هذا الشقاء هو الإيمان. هذا قدرنا، والله سيجازينا عليه".

في الواقع، تصبح أصغر الأشياء ذات معنى، وتمثل حبل النجاة في أحوال الحرب، فقد كتبت فلسطينية شابة تحتفي بوجود المياه بعد طول غياب، وتحتفل بالاستحمام بعد تسعة أيام، وتحتفل بوجود أهلها حولها، والقليل من الإنترنت، والخبز الساخن: "صحيح أنها أشياء بسيطة واعتيادية في حياة أي شخص آخر، ولكن في غزة، وتحت القصف، تعدّ نعماً كبيرةً".

السخرية كسلاح لمقاومة المحنة

البعض اختار النزوح إلى المخيمات التي تمثل بعض الأمان، ولكن الظروف المعيشية صعبة للغاية، بينما اختار البعض الآخر الانتقال إلى المدن الأخرى حول غزة وجزء ثالث صمم على البقاء في منزله برغم الخطر. من هؤلاء سمر (اسم مستعار)، التي حاولت مع والدها ووالدتها البقاء في مخيمات النازحين/ ات، ولكن لم يحتملوا/ ن هذه الحياة فرجعوا إلى منزل العائلة مرةً أخرى.

تقول سمر، المقيمة الآن في غزة مع والديها، لرصيف22: "سأتحدث باقتضاب لأن الإنترنت أصبح غير متوافر أغلب الوقت. حالياً نعيش في منزلنا، ومعنا أشخاص تهدمت بيوتهم، وذلك في ظل مشكلة نقص الماء والطاقة، ولكننا بقدر الإمكان نحاول أن نقوم بالأشياء البسيطة لتمضية هذه الأيام الصعبة، وبالنسبة إلى الطعام لا توجد لحوم والمعلبات انقطعت في الأسواق، ونعيش على الزعتر والزيت".

نساء يعلمن أن القنبلة القادمة قد تصيبهنّ، ولكن حتى في ظل هذا الاحتمال، يطهين قطعة خبز أخيرةً لأبنائهنّ وبناتهنّ، ليخبرن العالم بأن للمقاومة أشكالاً عديدةً، منها العناية بأطفالهن وبالتفاصيل الصغيرة، وحمايتهن من فظائع الحرب، قدر المستطاع

وعن حياة النزوح، تقول: "لم نحتمل حياة النزوح ونقص المياه في المخيمات، لذلك قررت مع والدي وأمي العودة إلى منزلنا".

وتضيف: "في بعض الأوقات، نأخذ الأمور بشكل ساخر. مثلاً، أحدّث أختي وأقول لها إن حالتنا أصبحت مثل حالة بطل فيلم 'بطل من ورق'، وهو يلوح بالمنديل الأحمر لأنه لم يستطع إيقاف القنبلة. نحن أصبحنا الشعب الممسك بالمنديل الأحمر".

وتنهي حديثها قائلةً: "سبحان الله... هم عايشين حياة النازحين وإحنا عايشين حياة اللي ع شفا حفرة من الموت".

على تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي، تنتشر فيديوهات مرعبة، مليئة بالموت والدم وأشلاء الضحايا، نتيجةً للقصف المستمر والغاشم من الاحتلال، ولكن إلى جانبها فيديوهات أخرى تظهر فيها نساء يقاومن بطريقتهنّ الخاصة: أحدها تظهر فيه نساء فلسطينيات يعجنن ويخبزن المناقيش الشهية، نساء يعلمن أن القنبلة القادمة قد تصيبهنّ، ولكن حتى في ظل هذا الاحتمال، يطهين قطعة خبز أخيرةً لأبنائهنّ وبناتهنّ، ليخبرن العالم بأن للمقاومة أشكالاً عديدةً، منها العناية بأطفالهن وبالتفاصيل الصغيرة، وحمايتهن من فظائع الحرب، قدر المستطاع.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard