شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
من شجرة المعرفة إلى الملكة هيلانة… قصص أسطورية ارتبطت بصليب الصلبوت

من شجرة المعرفة إلى الملكة هيلانة… قصص أسطورية ارتبطت بصليب الصلبوت

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والخطاب الديني نحن والتاريخ

الأربعاء 8 نوفمبر 202310:51 ص

يؤمن المسيحيون بأن السلطة الرومانية ألقت القبض على يسوع الناصري وعذبته قبل أن تصلبه على الصليب في منطقة الجلجثة خارج أورشليم. لا تقف تلك الحادثة عند حدود الواقعة التاريخية بل تتعدى ذلك بسبب ارتباطها بعقيدة الفداء والخلاص التي تمثل حجر الزاوية في الإيمان المسيحي. بحسب المعتقدات المسيحية فإن موت المسيح على الصليب كان الطقس الذي كفر عن الخطيئة الأولى التي ارتكبها آدم لمّا أكل من الشجرة المحرمة في جنة عدن. من هنا فإن الاعتقاد بصلب المسيح والإيمان به كإله فادٍ مخلص اتخذ الهيئة الناسوتية لتحرير البشرية من آثامها كان السبيل الوحيد للخلاص والوصول للفردوس بعد الموت.

في هذا السياق تبرز الأهمية الكبرى للصليب الذي رُفع عليه يسوع، وهو المسمى بصليب الصلبوت بحسب التعبير الشائع في الثقافة المسيحية. ظهرت العديد من القصص الأسطورية التي تحدثت عن أصل الخشبة التي صُنع منها هذا الصليب، وعن كيفية العثور عليه بعد قرون من عملية الصلب. كذلك دخل الصليب في تشكيل هوية المجتمعات المسيحية في العديد من الفترات الحرجة، والتي تعرض فيها المسيحيون للاضطهاد على أيدي السلطات الحاكمة عبر القرون.

بين شجرة المعرفة وعصا موسى

لمّا كان صليب الصلبوت هو الأداة التي وقع بها فداء البشرية بحسب الإيمان المسيحي، فقد كان من الطبيعي -والحال كذلك- أن تروي التقاليد المسيحية قصصاً أسطورية عن الأصل المقدس لتلك القطعة الخشبية. كذلك عملت السردية المسيحية على الربط بين هذا الصليب من جهة، وبين الأدوات الإعجازية التي استخدمها أنبياء العهد القديم من قبل لخلاص شعوبهم من جهة أخرى.

بحسب المعتقدات المسيحية فإن موت المسيح على الصليب كان الطقس الذي كفر عن الخطيئة الأولى التي ارتكبها آدم لمّا أكل من الشجرة المحرمة في جنة عدن

بحسب التقليد المسيحي الغربي فإن صليب الصلبوت يتصل بشكل وثيق بشجرة الحياة أو شجرة المعرفة التي أكل منها آدم وحواء وتسببت في خروجهما من جنة عدن. جاء في كتاب "الأسطورة الذهبية" ليعقوب دي فراغسي أن آدم لما شارف على الموت اشتاق لشجرة المعرفة، وطلب من ابنه شيث أن يرحل شرقاً، ودعا الله أن يبعث له بغصن من الشجرة. استجاب الله لدعاء أدم، وأرسل بالغصن مع أحد الملائكة لشيث. قدم الابن البار بعدها إلى أبيه بالغصن ولما مات آدم زرع شيث الغصن بالقرب من قبر الأب.

بحسب التقليد فإن الغصن قد كبر على مر السنين وصار شجرة عظيمة. وفي زمن الملك سليمان، وفي أثناء قيام اليهود ببناء الهيكل المقدس، أمر سليمان بقطع أخشاب الشجرة لاستخدامها في أعمال البناء، ولكن تعذر نقل الأخشاب الكبيرة إلى موضع الهيكل. فاكتفى البناؤون بوضع الأخشاب فوق بحيرة صغيرة لتصبح جسراً يعبر الناس من فوقه.

تذكر القصة أن الملكة بلقيس لما قدمت إلى أورشليم لمقابلة الملك سليمان استشعرت القداسة التي توجد في تلك القطع الخشبية فسجدت ورفضت أن تعبر فوقها. عرف سليمان حينها أهمية تلك الأخشاب فأمر بقطعها وخزنها في إحدى الحجرات بقصره الكبير. وبقيت تلك الأخشاب في مخبئها حتى استخرجها اليهود وصنعوا منها الصليب الذي عُلق عليه يسوع الناصري بأمر من الوالي الروماني بيلاطس البنطي في القرن الأول الميلادي.

يوضح الأنبا بيشوي في كتابه "لماذا الصليب بالذات؟" المشابهة الرمزية بين شجرة المعرفة والصليب، وكيف أن الإثنين وجهان لعملة واحدة فيقول: "... كانت الشجرة هي سبب سقوط البشرية فكان لابد أن يستخدم نفس الأداة التي سقطت بها البشرية ليُتمم بها الفداء فيكون الصليب هو شجرة الحياة التي لا يموت الآكلون منها من المؤمنين. وكأنه لا يوجد شيء في الطبيعة يستطيع أن يقف أمام حكمة الله وتدبيره...".

من جهة أخرى، وباعتباره أداة الخلاص التي أنقذت المؤمنين بالمسيح من ذنب الخطيئة الأولى، يربط الباحث المسيحي حلمي القمص يعقوب بين الصليب وعصا موسى في كتابه "أسئلة حول الصليب" فيقول: "...عصا موسى التي شقّ بها البحر الأحمر هي ذات العصا التي ألقاها أمام فرعون فتحوّلت إلى حيَّة التهمت حيَّات السحرة، وهي ذات العصا التي حوَّل بها ماء النهر إلى دم ولمس بها مياه النيل ففاضت ضفادع. ورفعها إلى السماء فملأ الهواء بعوضاً وذباباً فهذه العصا التي استخدمها موسى لتأديب وعقاب المصريين كانت تمثّل رمزاً ومثالاً لصليب ربنا يسوع المسيح الذي هزم وأدّب به الشيطان وكل جنوده...".

من القديسة هيلانة إلى الإمبراطور هرقل

ارتبط صليب الصلبوت ببعض القصص المؤيدة لشرعية الإمبراطورية البيزنطية. حاول الأباطرة البيزنطيون رفع شأن دولتهم من خلال الترويج لتلك القصص. وظهروا فيها بمظهر المسيحيين الأتقياء الذين يهتمون بالحفاظ على الصليب المقدس وتخليصه من أيدي الكفار الوثنيين.

بدأت تلك القصص بالتزامن مع اندلاع الحرب الأهلية التي وقعت في الإمبراطورية الرومانية في بدايات القرن الرابع الميلادي. يذكر المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في كتابه "قصة الحضارة" أن القائد العسكري قسطنطين شاهد صليباً عظيماً في السماء أثناء توجهه لقتال أعدائه. كُتبت تحت الصليب عبارة "بمثل هذا سوف تنصرون". بحسب التقليد المسيحي فإن قسطنطين سارع وقتها لاعتناق المسيحية ودعا جيشه لاعتناقها، وما لبث أن أنتصر على أعدائه بعدها بأيام قلائل ببركة الصليب المقدس.

في السياق نفسه، وردت أخبار ارتباط الإمبراطورية البيزنطية بصليب الصلبوت في العديد من الكتب، ومن أهمها كتاب "السنكسار القبطي" الذي دونت فيه أخبار الشهداء والقديسين وآباء الكنيسة. بحسب ما ورد في هذا الكتاب فإن هيلانة، أم الإمبراطور قسطنطين الأول اعتنقت المسيحية، وآمنت بيسوع المخلص.

وفقاً للتقليد المسيحي الغربي فإن صليب الصلبوت يتصل بشكل وثيق بشجرة الحياة أو شجرة المعرفة التي أكل منها آدم وحواء وتسببت في خروجهما من جنة عدن.

وفي سنة 326م سافرت إلى فلسطين، وزارت أورشليم وبحثت عن المكان الذي صُلب فيه المسيح. ورد في التقليد المسيحي أن هيلانة لم تعثر على هذا المكان. ولكنها وجدت شيخاً يهودياً طاعناً في السن. فاستجوبته وضيقت عليه الخناق حتى أرشدها للمكان الذي صُلب فيه المسيح في الجلجثة.

أمرت هيلانة بتنظيف هذا المكان فوجدت فيه ثلاثة من الصلبان الخشبية التي تقول الروايات أن المسيح صُلب عليها مع اثنين من السارقين. بحسب التقليد المسيحي فإن هيلانة لم تميز صليب يسوع من بين الصلبان الثلاثة، فأتت بميت ووضعته على الصليب الأول، ثم نقلته للصليب الثاني، ولمّا وضعته على الصليب الثالث عاد مرة أخرى إلى الحياة فعرف المسيحيون أن هذا الصليب هو صليب الصلبوت الذي عُلق عليه المسيح! أرسلت هيلانة بعدها ببعض أجزاء هذا الصليب إلى ابنها الإمبراطور في القسطنطينية، كما أقامت الكنائس في فلسطين تخليداً لذكرى المسيح.

بعد ثلاثة قرون على اكتشاف الصليب في أورشليم، عاد الاهتمام به مرة أخرى أثناء اندلاع الحروب الفارسية- البيزنطية في القرن السابع الميلادي. تمكن الفرس الساسانيون من الاستيلاء على فلسطين في بعض مراحل تلك الحرب. يذكر السنكسار القبطي أن أحد أمراء الفرس دخل إلى كنيسة القديسة هيلانة ووجد نوراً ساطعاً يخرج من قاعدة الصليب فمد يده وحاول أن يأخذها ولكن يده أُحرقت بالنار.

وأخبره المسيحيون في الكنيسة أن هذه القاعدة هي قاعدة صليب الصلبوت ولا يمكن لأي شخص غير مسيحي أن يمسك بها. عندها احتال الأمير الفارسي على إثنين من الشمامسة في الكنيسة فحملا القاعدة الخشبية ووضاعها في صندوق وسافرا مع الأمير إلى بلاده. وبعدها قام الأمير بقتل الشماسين ودفن الصندوق في إحدى البقاع ببستانه. بعد شهور، قاد الإمبراطور هرقل جيوشه للانتصار على الفرس، وتتبع أثر الصندوق حتى عثر عليه في برمهات سنة 672م بمساعدة إحدى الفتيات المسيحيات الأسيرات لدى الفرس.

رمزية الصليب في الفلكلور المسيحي

تعاظمت رمزية صليب الصلبوت في الوجدان المسيحي بعد العثور عليه. وبقيت قائمة بعد تحطيمه. تذكر الباحثة مليكة حبيب يوسف في كتابها "أقدس الآثار المسيحية وأماكن وجودها" أن كنيسة القيامة أُحرقت بشكل جزئي عقب وفاة الإمبراطور هرقل. فقرر المسيحيون عندها أن ينقذوا الصليب عن طريق تقسيم خشبته إلى تسعة عشرة قطعة. وصنعوا من تلك القطع صلبانًا صغيرة الحجم ووزعوها على كنائس القسطنطينية، وقبرص، وكريت، وأنطاكية، والرها، والإسكندرية، وعسقلان، ودمشق، وأورشليم، وجورجيا.

على مر القرون، ارتبط رمز الصليب بالمسيحية، وسادت مظاهر تبجيله واحترامه في جميع المجتمعات المسيحية في شتى أنحاء العالم المعمور. يعبر الباحث حلمي القمص يعقوب في كتابه سابق الذكر عن هذا الارتباط فيقول: "الصليب هو علم وعلامة المسيحية، وكما تنتصب الرؤوس بكل احترام وخشوع لعلم الدولة، ننحني نحن أمام الصليب ونسجد له ونكرّمه ونفتخر به... نضعه فوق منارات الكنائس وقبابها، وأعلى حامل الأيقونات، ونجده في يد الإكليروس يباركون به قطيـع المسيح، ونحمله على صدورنا، ونوشمه على أيدينا، ونرشمه على ذواتنا قبل كل عمل نقوم به... عندما ننام وعندما نستيقظ... قبل الصلاة وبعدها... قبل الأكل وبعده... في وقت الفرح ووقت الشدة... في أسفارنا واستقرارنا...".

على سبيل المثال، كرس المسيحيون المصريون عيدين للاحتفال بذكرى العثور على الصليب في كل سنة. يُحتفل بالعيد الأول في شهر توت، أما العيد الثاني فيحين موعده في شهر برمهات. تُتلى مجموعة من الصلوات الخاصة في العيدين، ومنها "السلام للصليب علامة الظفر الذي أُعطي للمسيحيين ليتقووا من قِبله. السلام للصليب الشجرة التي في الفردوس التي أغصانها العطرية تحيي كل أحد...".

في دراسته المعنونة بـ "عيد الصليب"، يذكر الدكتور جورج حبيب بباوي أن الأقباط المصريين برعوا في التعبير عن حبهم للصليب من خلال أعمالهم الفنية عبر القرون. رسم الأقباط 365 شكلًا مختلفًا للصليب على عدد أيام السنة، كما أدخلوا الصليب في الطقوس والليتورجيا والحياة النسكية.

تُعدّ عادة دق وشم الصليب على اليد من أشهر الطقوس القبطية المرتبطة بالصليب. لا نعرف التوقيت الذي بدأ فيه الأقباط في ممارسة ذلك الطقس. يربطه البعض بعصر الاضطهاد البيزنطي للمسيحيين زمن الإمبراطور دقلديانوس في القرن الثالث الميلادي. فيما يرى أخرون أن ذلك الطقس ظهر عقب الغزو الإسلامي لمصر في القرن السابع الميلادي، وأن الحكام المسلمين هم الذين أمروا بدق وشوم الصليب لتمييز المسيحيين عن المسلمين.

وردت أخبار ارتباط الإمبراطورية البيزنطية بصليب الصلبوت في العديد من الكتب، ومن أهمها كتاب "السنكسار القبطي" الذي دونت فيه أخبار الشهداء والقديسين وآباء الكنيسة. بحسب ما ورد في هذا الكتاب فإن هيلانة، أم الإمبراطور قسطنطين الأول اعتنقت المسيحية، وآمنت بيسوع المخلص

تسبب ذلك الطقس في تسمية المسيحيين المصريين ببعض الأسماء التي اُستخدمت في السخرية والتنمر في الكثير من الأحيان. على سبيل المثال أُشير للقبطي باسم "أربعة ريشة" علامةً على الصليب. في حالات أخرى أُجبر المسيحيين على حمل الصلبان الضخمة على أعناقهم نكايةً بهم. تسبب ذلك في التهاب العظام المحيطة بالرقبة، ومن هنا أُطلق على هؤلاء اسم "عضمة زرقاء".

بشكل عام، حافظ الأقباط على عادة دق وشم الصليب على اليد. تجاوزت تلك العادة مستوى الفعل الجبري الذي يقوم به الأقباط لاسترضاء السلطات الحاكمة، وصارت طقساً دينياً طائفياً عبّر الأقباط من خلاله على هويتهم المسيحية وسط أغلبية إسلامية.

في فلسطين أيضاً حضرت رمزية الصليب من خلال العديد من الأمثال التي اعتاد الفلاحون على ترديدها وقت عيد الصليب. من تلك الأمثال "لمّا يصلب الصليب ما ترفع عن زيتونك القضيب" في إشارة لعملية جمع الزيتون في شهر أيلول/سبتمبر. و"إذا صلب الصليب لا تأمن من الصبيب" والذي يشير للخوف من المطر الذي من الممكن أن يهلك المزروعات. وكذلك "بعد الصليب كل أخضر بسيب"، والذي يعني أن عملية الحصاد تنتهي بعد زمن عيد الصليب.

حضرت رمزية الصليب أيضاً في العقل الأوروبي المسيحي. في نهايات القرن الحادي عشر الميلادي اختارت الجيوش الأوروبية التي قدمت لاحتلال بلاد الشام أن تضع شعار الصليب على دروعها وملابسها لتؤكد على الهدف الديني لحروبها. الأمر الذي تسبب في تسمية تلك الحروب باسم الحملات الصليبية. حالياً، يدخل شعار الصليب -كعنصر رئيس- في أعلام العديد من الدول الأوروبية المعاصرة تعبيرًا عن هويتها الدينية وإرثها المسيحي.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard