فانتازيا الحروب... توقّفت الشمس ورُسم عليها الصليب وصرخ الخليفة: يا سارية الجبل

السبت 4 أبريل 202001:57 م

إنّ مقاربة الفنتازيا الدينية الحربية، وخاصة تلك التي لا يتقبّلها عقل، تفترض تفهماً يخفّف من حدة الصراع بين علم التاريخ والفنتازيا التي كتبت بها أحداثه، من حيث أن الفنتازيا، هي رؤية الوقائع وفق طريقة غير مألوفة. وإن كان لنا أن نفسّر أكثر فلا يمنع من إضافة ما قالته الباحثة كارين أرمسترونغ، عن الجانب المقدّس من الخرافة: "إنّ الخرافات تتحدّث عن أفق آخر كائن إلى جانب عالمنا، ويقدّم العون بطريقة ما." من كتاب تاريخ الأسطورة، كارين أرمسترونغ.

هذه النظرة العطوفة من قبل أرمسترونغ حذّر منها الأستاذ في جامعة شيكاغو، بروس لينكلولن، "بأنّ الخرافة أيديولوجيا في زي قصصي/ روائي"، يكمن الهدف منها تأسيس الوعي الجمعي وإحكام روابطه بالعاطفة الدينية، لكنها تقود إلى إقصاء الآخر غير الموافق لأصحاب هذه الخرافة.

لها جانب تخيليي، وأبعاد إقصائية وروابط عاطفية دينية، وحبكات مثيرة... فانتازيا الحروب الدينية من أحلام النبي يوسف والإمبراطور قسطنطين، وقصة الإسكندر وأرسطو إلى جبل أُحُد

يشرح الباحث في الثقافات الشفهية والتر ج أونغ، بأن القصص لا تنقل المعلومات بدقة، فالجانب التخييلي الإبداعي له دور كبير في تذكّر القصة، وكلّما كانت القصة أكثر إبداعاً سهل تذكّرها. هذا ما نراه بشدّة في الحروب ذات الصبغة الدينية، كما حدث في الأسطورة البابلية، الأينوما إيليش، عندما قادت الإلهة تعامة حرباً ضارية على الآلهة الجدد، الذين يرأسهم الإله مردوخ، فاشتبكا في معركة أسّست في نهايتها للكون، وفق تصوّر الأسطورة البابلية. انتصر الإله مردوخ على تعامة وصنع من جسدها الأرض.

استطاع الإسكندر المقدوني ذو القرنين أن يقوّض الإمبراطورية الفارسية، ومن التفسيرات التي تمكّن بها الإسكندر من إحداث هذا الانتصار العظيم، هي التعليمات التي زوّده بها معلمه أرسطو، فقد جاء في كتاب "سرّ الأسرار في فصل الغالب والمغلوب"، أولًا: يقتضي أن تعلم يا إسكندر اسم المقاتل، فلا يتولّى لقاه إلّا من يشاكل أن يغلبه. وهذا من بعض أسراري التي كنت أعمل بها معك واكتمها عنك"، أما شرح هذا السرّ، فهو يقوم على حساب الجمُّل، ويعدّد له أرسطو النتائج التي بموجبها تتم الغلبة، ولنذكر بعض الأمثلة: "الواحد يغلب التسعة، وإذا كانت النتيجتان متساويتين من مثل: واحد – واحد، فالطالب يقتل المطلوب".

صنف هذا الكتاب الرازي بناء على الترجمات التي ازدهرت في عصر المأمون، وبغض النظر عن الصحّة التاريخية لهذا الكتاب، إلّا أن ازدهار العلوم اللغوية في بلاد العرب، نتيجة لاعتبار القرآن معجزة لغوية تحدّى الله بها العرب، قاد إلى الاهتمام بالأحرف ومعانيها ومعادلها الرقمي، الذي بدأ مع فيثاغورث.

أثبتت البحوث التاريخية أن نظرية فيثاغورث في المثلثات قد عرفتها حضارة ما بين النهرين قبل زمن طويل، وأن الإسكندر جعل من بابل عاصمته. وحيث أن منطقة ما بين النهرين شهدت أول الأسس للحرف والكتابة، تأتي فنتازيا حساب الجمُّل لتؤكد السيطرة الكاملة التي فرضها الإسكندر على المنطقة، بدءاً من الأرض، مروراً بساكنيها ووصولاً إلى اللغة وحروفها، لأنّ اللغة وعاء الفكر. مات الإسكندر، لكنه أنشأ حضارة كوزموبولتية غيّرت فكر وتاريخ المنطقة، وعلى نفس المنوال فعل الإسلام واللغة العربية.

ومما تقدّم، سنعرض ثلاث حالات عن فنتازيا الحرب الدينية، وكيفية تأسيسها لذاكرة الشعوب وعواطفها.

يشوع بن نون وحبس الشمس عن المغيب

قاد يشوع بن نون شعب بني إسرائيل في دخولهم إلى فلسطين، وفق الرواية التوراتية، وفي معركته مع الملوك الأموريين حدثت معجزتان أدتا إلى انتصار بني إسرائيل، الأولى: "وبينما هم هاربون من أمام إسرائيل، وهم في منحدر بيت حورون، رماهم الرب بحجارة عظيمة من السماء إلى عزيقة فماتوا. والذين ماتوا بحجارة البرد هم أكثر من الذين قتلهم بنو إسرائيل بالسيف"، سفر يشوع. الثانية: "حينئذ كلّم يشوع الرب يوم أسلم الرب الأموريين أمام بني إسرائيل، وقال أمام عيون إسرائيل: يا شمس دومي على جبعون ويا قمر على وادي أيلون. فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوباً في سفر ياشر. فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجّل للغروب نحو يوم كامل".

إذا أردنا أن نحلّل هذه الفنتازيا الدينية، علينا بالعودة بداية إلى حلم النبي يوسف، عندما كان في حجر أبيه، في سفر التكوين: "وحلم يوسف حلماً أخبر به أباه وإخوته، فقال: إني حلمت حلماً، وإذا الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً ساجدة لي. فازداد إخوته له بغضاً، أما أبوه فقد انتهره وقال: هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك؟"

أدّى الحلم الذي رآه يوسف إلى قيام إخوته بالتخلّص منه وبيعه إلى مصر، وتبع ذلك ما جرى له هناك، واستقدام بني إسرائيل إلى مصر، ومن ثم خروجهم بقيادة موسى وعبادة الإله يهوا ووعده لهم بأرض فلسطين. إن معجزتي الحجارة من برد، ودوام الشمس على جبعون والقمر على وادي أيلون، ليس الهدف منهما الانتصار العسكري بقدر التأسيس المثيولوجي للإله يهوا وبني إسرائيل، فكما نعلم أن شعوب فلسطين كانت تعبد البعل/ البعليم، وهو مرادف للإله حدد، إله الأمطار والصواعق والرعود، وعندما رمت السماء الأموريين بحجارة البرد، فهذا يتضمّن معنيين: شقُّ منه يتعلّق بالأموريين وعقائدهم الدينية في عبادة البعليم، والشقّ الثاني متعلّق بتأكيد عبادة يهوا عند بني إسرائيل، فالسماء خضعت بشكل مطلق للإله يهوا بتوقّف الشمس والقمر عن الحركة، كذلك هُزم البعليم سيد المطر أمام الإله يهوا. فالمعجزتان هدفهما نفسي، كما نفهم من مقولة كارين أرمسترونغ، وفي الوقت نفسه تمت السيطرة والإقصاء للطرف المعارض لهذه العقيدة، كما بيّن بروس لينكلولن.

وهكذا نجد أن مدوّن سفر يشوع، عبر ذكره أن حادثة دوام الشمس والقمر في السماء مذكورة بسفر ياشر، لأنه بهذه الطريقة تتم صناعة وجدان جماعة ما، وربطها عاطفيّاً بتاريخها الوهمي أو الحقيقي.

الإمبراطور قسطنطين يحلم بالصليب

جرت معركة جسر ميلغو على نهر التيبر، بين قوات قسطنطين ومكسينتيوس. هذه المعركة التي انتصر فيها قسطنطين غيّرت وجه الإمبراطورية الرومانية إلى الأبد، فبها تم الاعتراف بأتباع الديانة المسيحية، ولكي تحلّ ديانة مكانة أخرى لابدّ من استنساخ ولادتها. يذكر الباحث فراس السواح، أنّ روما كانت تدين بالعبادة للإله ميثرا، إله الشمس الذي يولد في الانقلاب الشتوي، حيث تصرخ الجموع: "لقد ولدت العذراء إله النور، وبدأت الشمس بالتغلب على الظلمة". هذا التشابه بين ميثرا والمسيح واضح في كلتي الديانتين، ولتتم المطابقة كان لابدّ لقسطنطين أن يرى رسم الصليب على الشمس. ذكر المؤرخ لاكتانتيوس: "أن قسطنطين حلم قبل المعركة بليلة بعلامة في السماء فيها درع جنوده، ووجد فيها حرف x مائل فوقها في إشارة إلى المسيح"، وأضاف يوسابيوس: "أنّ رؤية قسطنطين كانت في منتصف النهار، وأنه رأى بعينيه أبواب الجنة مفتوحة وبها علامة الصليب وسط الشمس، وتحمل رسالة تقول فيها: In Hoc Signo Vinces/ بهذا الرمز أنت ستنتصر".

هذه الرؤية التأسيسية القصصية في تاريخ روما المسيحي، التي تطابق بين الإله ميثرا والمسيح، مكّنت الإمبراطور قسطنطين من إحكام السيطرة على كل أجزاء الإمبراطورية، حيث قلّده مجلس الشيوخ لقب الاسم الأول، وهذا يعني أن كل الوثائق ستبدأ باسمه، وكأن روما تولد من جديد على يده مع الديانة الجديدة.

في الرؤية التأسيسية القصصية في تاريخ روما المسيحي، تطابق بين الإله ميثرا والمسيح، مما مكّن الإمبراطور قسطنطين من إحكام السيطرة على كل أجزاء الإمبراطورية، حيث قلّده مجلس الشيوخ لقب الاسم الأول، وهذا يعني أن كل الوثائق ستبدأ باسمه، وكأن روما تولد من جديد على يده مع الديانة الجديدة

جبل أحد مرّة أخرى

في فتح نهاوند في بلاد فارس، كان جيش المسلمين على وشك الهزيمة، بعدما تكاثر الفرس على جيش المسلمين بقيادة سارية بن زنيم الكناني. وكانت المعركة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، في عام 23 ه، في يوم الجمعة، والخليفة يخطب بعد الصلاة، وإذ به يقول: "يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم، فقد ظلم".

بعد انتهاء الخطبة، جاء المسلمون يساءلون عمر عمّا بدر منه، فقال: "والله ما ألقيت له بالاً، شيء أتى على لساني". ظلّت القصة مثار التساؤل حتّى جاء سارية وأخبر الخليفة عمّا حدث له: "يا أمير المؤمنين، تكاثر العدو على جنود المسلمين وأصبحنا في خطر عظيم، فسمعت صوتاً ينادي: يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم. عندئذ التجأت بأصحابي إلى سفح جبل واتخذت ذروته درءاً لنا يحمي مؤخرة الجيش، وواجهنا الفرس من جهة واحدة، فما كانت إلا ساعة حتى فتح الله علينا وانتصرنا عليهم".

لنحاول أن نقرأ تلك الحادثة بناء على معركة أحد، التي هُزم فيها المسلمون أمام قريش، ففي تلك المعركة خالف رماة الأسهم قول الرسول بأن يثبتوا على جبل أحد حتّى لو رأوا المسلمين منتصرين، لكنّ ما حدث أن الرماة تركوا مواقعهم، فاستغل خالد بن الوليد الفرصة وضرب مؤخرة جيش المسلمين وشتت شملهم، وبعد ذلك التجأ المسلمون إلى صخرة في جبل أحد، ودافعوا عن الرسول حتى انتهت المعركة.

العبرة من قصة نداء الخليفة: التأكيد على أنّ خليفة رسول الله هو بذات موقع السلطة والقيادة التي كان بها الرسول، والانفضاض عنه سيقود إلى هزيمة المسلمين مهما بعد مكان المسلم عن كرسي الخلافة، وكأننا أمام قول الرشيد للغيمة: امطري حيث شئت، فإن خراجك لي. إنّ المشاعر الجياشة التي ستنتاب المسلم وهو يقرأ كيف أنّ رسول الله كاد يقتل في أحد، ستجعله أكثر تبعية للخليفة. هكذا تم تأسيس سلطة خليفة المسلمين المطلقة حتى لو فجر.

لماذا الفنتازيا؟

يعرض جون مورال وتمارا صن الأسباب التي تدفع البشر لصناعة الخرافة: نحن كائنات اجتماعية واعتمادنا على جماعتنا بشكل كبير لا يخفى، لذلك كان لا بدّ من تجذير هذه الجماعة في المخيال الجمعي لأفرادها عبر الفنتازيا.

جوهر الخرافة يقوم على التخييل، واستحضار الغائب من أفراد الجماعة، وهذا يعني محايثة واقع غير عياني لحواسنا، ومن ثمّ الثرثرة التي لابد فيها من إطلاق أحكام أخلاقية على من يتم تناولهم بالحديث، وكل ذلك سيقود إلى صناعة السير وقصّها عن المؤسسين للجماعة.

وبعد ذلك لابد من تدعيم هذا النسيج بالعاطفة، حتى يصبح التاريخ كالحبل السري الذي يربط الجنين بأمّه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard