شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
السيسي الذي أكره والطنطاوي الذي لا أحب

السيسي الذي أكره والطنطاوي الذي لا أحب

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والحريات العامة

الخميس 5 أكتوبر 202310:29 ص

لليمون طعم لاذع يجعلنا ننفر منه إن أردنا تناوله كثمرة فقط، لكن فوائده، أو قُل دفعه بعض الأضرار عن أجسادنا، جعلنا مجبرين على التحايل وتناوله من آن لآخر، نعصره ونضيف السكر ليقلّل مرارته فنشربه، أو نعصره على طبق السلطة أو على وجبة أسماك، وفي مصر اعتدنا أن نعصره على الفول و... مرشحي الانتخابات الرئاسية، لـ "ينبلعوا".

سمعت مصطلح "عصر الليمون" لأول مرة سياسياً، حين واجه محمد مرسي مرشح الإخوان، أحمد شفيق مُرشح الفلول، حينها اضطررنا لانتخاب مرسي حتى لا تركد المياه مجدداً بعد ثورة 25 يناير. فهمت في ذلك الوقت أنها لم تكن المرة الأولى التي قمت فيها بعصر بعض الليمون سياسياً، فقد حدث ذلك عندما خرجنا في تظاهرات تطالب المجلس العسكري تسليم السلطة لمجلس الشعب، الذي تشكل من الإخوان والسلفيين وبعض أفراد التيار المدني الذين لا يسمنون ولا يغنون من جوع، ورغم خلافي الفكري مع الإخوان والسلفيين، وهم الأغلبية في ذلك البرلمان، رأيت أن حيازة المجلس العسكري للسلطة يُمكن أن يجعل تسليمها غير مضمون، إذن، عصرت على نفسي الليمون مرتين حتى الآن، وأوشك على الثالثة بكل أسف.

سمعت مصطلح "عصر الليمون" لأول مرة سياسياً، حين واجه محمد مرسي مرشح الإخوان، أحمد شفيق مُرشح الفلول، حينها اضطررنا لانتخاب مرسي حتى لا تركد المياه مجدداً بعد ثورة 25 يناير

السيسي الذي أكره

حتى أعوام قريبة لم أكن أكره الرئيس السيسي، رغم اختلافي الكبير معه في عديد الأمور الهامة، كنت أرفض وجوده لكن لم تكن مشاعر الكراهية قد تمكنت مني بعد. اعتدت موازنة الأمور بين التحديات الموجهة له ولي كمواطن مصري، ما أعاد توجيه مشاعر الكراهية لنواحي أخرى، تركيا أحياناً وقطر غالباً. لم أنتخبه أبداً لكن لم أسع لرحيله بأي شكل في أي وقت، في الانتخابات الأولى مثلاً لم يكن لي صوت انتخابي باعتباري مجنداً في القوات المسلحة، لكني وددت لو استطاع منافسه حمدين صباحي فعلها.

وعندما أتت الانتخابات الثانية، كانت تلك أول شرارة الكره تشتعل، فوقتها وجدت أن ليس فقط المرشح المنافس كان مجرد ديكور للمشهد الانتخابي، لكن تم إجبار البعض على دخول اللجان الانتخابية من أجل تحقيق نسبة مشاركة جيدة، وعلى كل حال لا يوجد هناك مخاوف من السلطة بالنسبة للنتيجة، فالمنافس ذاته قال علناً إنه يرشح السيسي، لكن الإجبار على المشاركة أو إلقاء القبض علي، ذلك كان يعني أنه لو تكلمت أو حتى أردت الصمت فأنا في خطر، لم نصل لتلك المرحلة من الديكتاتورية في أي وقت من قبل، حتى أن حسني مبارك كان يضطر لإدراج أسماء المتوفيين في كشوفات الانتخاب لتحقيق نسبة مشاركة عالية، لكنه لم يجرؤ على إجبار الناس دخول اللجان والمشاركة عنوة، هل أصبحنا أمواتاً في نظر السيسي؟

يُمكن أن أعد أخطاء الرئيس ولن يكفي هذا المقال لحصدها جميعاً، لكني أردت التركيز على سبب الكره وليس الرفض والمعارضة، فبعد ثورتين، ناضل المصريون فيهما لنيل حرية الكلام، فقدنا القدرة على الصمت أيضاً، هذا الأمر يتكرّر حالياً عن طريق التحصل على صور البطاقات الشخصية للمواطنين، مع شكوك حول استخدامها في كتابة توكيلات للرئيس، يتم ذلك في بعض المصالح الحكومية والمدارس، وباستغلال مصالح أخرى مثل التموين بدواعي تحديث البيانات أو في شركات القطاع الخاص، مع إبلاغ المواطن بأن ذلك من أجل إجراءات أمنية فقط.

السيء أن يحدث هذا والأسوأ أن الكلّ يعرف، من يأخذ صور البطاقات ومن يُعطيها يعرفون ذلك. شعرت في تلك المرات بأجواء رواية "1984" ترفرف من حولي في كل شيء، مع تغيير بسيط ليُصبح الاقتباس الأشهر منها هكذا: "كيف يفرض إنسان سلطته على إنسان آخر يا ونستون؟"، فكر ونستون ثم قال: "بأن يحرمه من الصمت، لا من الحديث فقط".

الطنطاوي الذي لا أحب

بالعودة إلى العادة التي يصعب التخلي عنها، وفي ظل تلك الظروف، وجدتني أهمّ بتحضير الليمون من أجل جولة أخرى من عصره على نفسي لصالح أحمد الطنطاوي، منافس السيسي الحقيقي إن سمحوا له بالترشح أصلاً، ولم سأحسب هذه المرة عصر ليمون أيضاً؟

لأنه، وبغض النظر عن احترامي الشديد لشجاعة هذا الرجل، لكني لا أتفق معه في شيء سوى كره السيسي ربما، فالطنطاوي قال بصراحة إنه لا يتطلع لتغيير أي بنود فيما يخص قوانين حماية الأقليات حماية جادة، بل إنه أردف ذلك بنكتة سخيفة، أن من حق كل مواطن أن يعتقد فيما يشاء، شرط عدم ممارسة اعتقاده علناً!

تلك النكتة ذاتها قال قاض منذ عدة شهور، في حيثيات حكم في إحدى قضايا ازدراء الأديان في مصر، وكأن الطنطاوي أو القاضي يُمكنهم العلم بمكنونات صدور الناس، فيسمحون لهم مشكورين بالاعتقاد سراً، والحق أني قد لمست من بقية تصريحاته أن ذلك ليس مجرد احترام للقانون لكنها رغبته الشخصية كذلك، ففي النهاية للرئيس الحق في طرح عدة تعديلات على القوانين، لكنه لا ينتوى ذلك ولا يريده.

مع احترامي الشديد لشجاعة هذا الرجل، لكني لا أتفق معه في شيء سوى كره السيسي ربما، فالطنطاوي قال بصراحة إنه لا يتطلع لتغيير أي بنود فيما يخص قوانين حماية الأقليات حماية جادة

من ناحية أخرى، لم أجد في رؤية أحمد الطنطاوي أي أمور جديرة بالإعجاب أو حتى الشعور بوجود عقل مُفكّر أجدر من السيسي بمنصب الرئاسة، كل ما وجدته هو طرح لنفس حلول الرئيس الحالي، مع تذييل كل فكرة بأنه سيفعلها بشكل صحيح، عكس ما يحدث حالياً، سنستدين وسنجعل من قناة السويس مرفأ تجارياً، وسنسمح بشراكات مع الدول في استثمارات داخلية، كل تلك هي ذاتها الأفكار القديمة. لم أسمع منه أفكاراً جديدة ولا أي ملامح نحو حلول بحيثيات واضحة أو حتى بلمحات عابرة، بل أرهقني رغبته في تهديد الناس بأن بديله هو السيسي، حتى أني كدت أسمع منه عبارة: "مش أحسن ما أبقى زي السيسي ولا مبارك"؟

شخصياً، لا أثق أن الطنطاوي قادر على حل الأزمة الاقتصادية، والرهان سيكون، في حال نجاحه، على تسامح المجتمع الدولي مع التغيير الحاصل وجدولة المديونيات وتقليل الفائدة فقط، وذلك مجرد رهان.

أخيراً، إذا تمّت مهمة جمع التوكيلات لحملة المرشح المحتمل أحمد الطنطاوي بالفعل وخاض الانتخابات، فأغلب الظن أني سأضطر لعصر الليمون وانتخابه، ففي النهاية أعلم أن كل ما تعلمناه عن الدول الديمقراطية ذات طابع تداول السلطة، هي أنها لم تهبط عليها تلك المكتسبات مرة واحدة، لكنها أتت بالممارسة والممارسة فقط، ورغم عدم إيماني بأن ذلك على وشك الحدوث، لكن وجود أحمد الطنطاوي، أو أي طنطاوي آخر، في القصر الرئاسي، سيضع طاولة مفاوضات داخل القصر لأول مرة.

قد يحصل من يوافقونني الرأي على كرسي على تلك المنضدة، ومنه نتطلع لأشياء أخرى، وفي أسوأ الأحوال سنضطرّ إلى الصمت لكن سيُسمح لنا بالصمت بالتأكيد، لهذا لا أكره أحمد الطنطاوي لكني لا أحبه فقط.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard