كامرأة من جيل الثمانينيّات، كبرت في مجتمع متأثّر بقيم اليسار والاشتراكيّة. وُلدت قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بثلاث سنوات، وفي طفولتي ومراهقتي كان محيطي لا يزال يحاول التأقلم مع انهيار السرديّة التي شكّلت وعي جيل كامل.
كنّا مجموعةً من الأصدقاء، أبناءً وبناتٍ لجيل من اليساريّين العرب، متأثّرين بهذا الخطاب "التقدّميّ" الذي يحقّ الحقّ وينصر ضحايا "الإمبرياليّة" التي تسحق رحاها الشعوب المضطهدة. كبرنا واختلفت توجّهاتنا، كثيرون منّا أكملوا مسيرة الآباء باستكمال السرديّة، وقليلون منّا استطاعوا تفكيك هذه السرديّة وتقييم تطوّرها في المجتمعات العربيّة، وارتباطها بالشمولية والديكتاتوريّة، أو تخلّيها عن تقدّميّتها أملاً في تحالفاتٍ سياسيّة مع حركات الإسلام السياسيّ في المنطقة، والتي، على ما يبدو، رأى فيها اليساريّون العرب شراكةً تمكّنهم من تجاوز الهزيمة أمام العدوّ المشترك، الغرب الرأسماليّ الكافر.
يقدّم اليسار نفسه، تاريخيّاً، بوصفه خطاباً تحرّريّاً، منحازاً للمهمّشين، وناقداً لبنى القهر والاستغلال. غير أنّ هذا الخطاب، في كثير من تجلياته المعاصرة، يعيد إنتاج علاقة سلطة ناعمة مع من يدّعي الدفاع عنهم. سلطة لا تقوم على الإقصاء أو القمع المباشر، بل على التعاطف المشروط، وعلى افتراض خفيّ بأن بعض البشر غير مكتملين سياسيّاً وأخلاقيّاً، ويحتاجون دوماً إلى من يشرح العالم نيابةً عنهم.
هذا النوع من الاستعلاء لا يظهر في لغة فظة أو عنصريّة، بل في خطاب إنسانيّ المظهر، حريص على استخدام مفردات مثل "السياق"، و"البنية"، و"الخصوصيّة الثقافيّة". لكنه، في جوهره، يسحب من الإنسان أهليّته، ويحوّله من فاعل إلى موضوع تفسير دائم.
مسموح لليسار أن يخطئ أما الناس فـ"لا"
أحد أخطر مظاهر هذا الاستعلاء هو اختزال البشر في شروطهم. الفقر، الاستعمار، الدين، البنية الاجتماعيّة، التاريخ الدمويّ؛ كلّها تتحوّل من عناصر لفهم الواقع إلى ذرائع تفسّر أفعال الناس بدلاً من مناقشتها. في هذا المنطق، لا يعود الإنسان كائناً يختار، بل نتيجةً حتميّةً لمسار لم يصنعه.
وُلدتُ قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بثلاث سنوات، وفي طفولتي ومراهقتي كان محيطي لا يزال يحاول التأقلم مع انهيار السرديّة التي شكّلت وعي جيل كامل. كنّا مجموعةً من الأصدقاء المتأثّرين بهذا الخطاب "التقدّميّ" الذي يحقّ الحقّ وينصر ضحايا "الإمبرياليّة" التي تسحق رحاها الشعوب المضطهدة
مثلاً، حين اتخذت مجتمعات عربيّة خيارات سياسيّة لم تنسجم مع التوقّعات اليساريّة، تم تفسيرها بوصفها نتاج "وعي زائف"، أو "تضليل جماهيريّ"، أو "خوف تاريخيّ متراكم". هكذا سمَح للخطاب اليساريّ أن يخطئ في التحليل، لكن لم يُسمَح للناس أن يخطئوا في الاختيار. فالخطأ، في هذه الحالة، لا يُعترف به كفعل إنسانيّ قابل للنقد والمساءلة، بل يُعاد تصنيفه كعرض لمرض بنيويٍّ مزمن.
هكذا يتحوّل جزء من الخطاب اليساريّ إلى موقع الوصاية. هو الأقدر على قراءة التاريخ، والأكثر تحرّراً من الأيديولوجيا، والأعلم بمصالح الآخرين. من هنا تنشأ علاقة غير متكافئة: طرف يشرح، وطرف يُشرَح؛ طرف يمتلك أدوات الفهم، وطرف يُفترَض أنّه يفتقر إليها.
هذه العلاقة، مهما تلطف خطابها، لا تختلف جوهريّاً عن أي علاقة أبويّة. فالتمكين الذي لا يعترف باستقلاليّة القرار، ليس تمكيناً، بل إدارة ناعمة للعجز المفترض.
الإنسان العربي كـ "فأر تجارب" لليسار
تُعدّ حجّة "احترام الثقافات" من أكثر الأدوات استخداماً في هذا السياق. في ظاهرها، تبدو دعوةً إلى التواضع المعرفيّ ورفض فرض القيم. لكنها كثيراً ما تُستَخدم لتبرير ممارسات قمعيّة أو عنيفة، خصوصاً حين تتعلّق بمجتمعات خارج المركز الغربيّ.
حين تُنتقد ممارسات تمييزيّة ضدّ النساء، أو سياسات تقييد للحريّات باسم الدين أو العرف، يُقابَل النقد بالتحذير من "فرض القيم الغربيّة" أو "تجاهل الخصوصيّة الثقافيّة". المفارقة أنّ الخطاب ذاته لا يقبل أي تبرير ثقافيّ حين يتعلّق بانتهاكات داخل مجتمعاته.
الإنسان العربيّ "فأر تجارب اليسار" غالباً ما يُقدَّم بوصفه كائناً تاريخيّاً لا فاعلاً سياسيّاً. كلّ شيء عنه قابل للتفسير: صمته، غضبه، عنفه، ونادراً ما يُخاطَب كمسؤول عن اختياراته.
لا يعود احترام الثقافة دفاعاً عن الإنسان، بل دفاعاً عن بنية قمعيّة، يُفترَض ضمنيّاً أنّ أبناءها غير قادرين على نقدها من الداخل، أو غير مستحقّين لمعايير أخلاقيّة كونيّة.
في تجربة العالم العربيّ، يظهر هذا النمط بأقصى درجات وضوحه. الإنسان العربيّ "فأر تجارب اليسار" غالباً ما يُقدَّم بوصفه كائناً تاريخيّاً لا فاعلاً سياسيّاً. كلّ شيء عنه قابل للتفسير: صمته، غضبه، عنفه، خياراته الانتخابيّة. لكن نادراً ما يُخاطَب كمسؤول عن اختياراته.
خلال الربيع العربيّ، احتفى الخطاب اليساريّ بـ"الشعوب التي كسرت الخوف". لكن حين لم تسر النتائج وفق التوقّعات، تغيّرت النبرة: "المجتمعات لم تكن جاهزة"، "الوعي الشعبيّ كان هشّاً"، "الديمقراطيّة سابقة لأوانها". وهكذا، وكما هو متوقع من الوصي اليساري، بدلاً من مراجعة التحليل، جرى التشكيك في أهليّة الشعوب نفسها. وتحوّل الدعم إلى وصاية، وكأنّ الحق في الثورة كان مشروطاً بنتائج بعينها.
وصولاً إلى معضلة الخطاب اليساريّ مع الإسلام السياسيّ بوصفه تعبيراً عن الهويّة أو ردّ فعلٍ طبيعيّاً على القمع. لا شك في أنّ هذه العوامل حاضرة، لكن تحويلها إلى تبرير دائم يُفرغ النقد من مضمونه. تُعلَّق مساءلة البرامج القمعيّة، وتُؤجَّل حقوق النساء، ويُهمَّش المعارضون من داخل هذه التيّارات، بحجّة "الأولويّة" أو "حساسيّة المرحلة".
في هذا التصوّر، يُعامَل المجتمع العربيّ وكأنّه غير قادر على تحمّل نقاشٍ أخلاقيٍّ مركّب، وكأنّ قدره أن يختار بين استبدادين، ويُطالَب بالامتنان لأنّ أحدهما "أقلّ سوءاً".
النساء وفلسطين و... و...
قد تكون المرأة العربية المثال الأوضح على "الاستعلاء المتعاطف". تُرحَّب المرأة حين تؤدّي دور الضحيّة الصامتة، لكنها تُواجَه بالريبة حين تتكلّم، تنتقد، أو ترفض خطاب "الخصوصيّة". المرأة التي تطالب بحقوقها خارج هذا الإطار تُتَّهَم بالنخبويّة، أو بالتغريب، أو بخدمة أجندات خارجيّة. هكذا يُعاد إسكاتها باسم حمايتها، ويُعاد إنتاج البنية نفسها التي يُفترض تفكيكها.
حين يُعامَل البشر ككائنات لا تُطالَب ولا تُساءَل، فهذا ليس تحرّراً بل وصاية. وصاية تعيد إنتاج العلاقة نفسها التي يدّعي الخطاب التحرّريّ أنّه جاء لتفكيكها. فلا يمكن تحرير البشر عبر إنكار أهليّتهم، ولا يمكن الدفاع عن كرامتهم عبر افتراض أنّهم غير قادرين على حملها
في الخطاب اليساريّ المتعلّق بفلسطين، تظهر الإشكاليّة نفسها. تُختزل القضيّة في ثنائيّة ضحيّة/جلّاد، ويُعامَل أي نقد لبنى داخليّة عنيفة بوصفه تشويشاً أو خيانة. لكن تحويل المعاناة إلى حصانة أخلاقيّة لا يخدم القضيّة، بل يُفرغها من بعدها الإنسانيّ. فالتضامن الحقيقيّ لا يعني تعليق القيم، بل الإصرار عليها، خصوصاً حين تكون كلفتها عالية.
ففي محاولته تفكيك الاستشراق، يقع اليسار أحياناً في فخ استشراقٍ مقلوب. العربيّ هنا ليس أدنى، لكنه "مختلف جذريّاً": عاطفيّ، محكوم بدينه، غير عقلانيّ سياسيّاً، وغير جاهز بعد للحداثة. الفرق أنّ هذا التصوير يُقدَّم بلغة حنونة لا متعالية. لكن النتيجة واحدة: إنسان تُخفَّض عنه سقوف التوقّع والمساءلة.
هذا النقد لا ينطلق من خصومة مع اليسار، بل من مساءلة خطاب يدّعي التحرّر ولا ينتبه أحياناً إلى سلطته الخاصّة. فالتضامن لا يعني الحديث باسم الآخرين، ولا إعفاءهم من المسؤوليّة، ولا خفض المعايير بحجّة السياق. التضامن يبدأ بالاعتراف بالإنسان كفاعل أخلاقيّ كامل، قادر على الاختيار، وعلى الخطأ، وعلى تحمّل تبعات قراراته.
حين يُعامَل البشر ككائنات لا تُطالَب ولا تُساءَل، فهذا ليس تحرّراً بل وصاية. وصاية تعيد إنتاج العلاقة نفسها التي يدّعي الخطاب التحرّريّ أنّه جاء لتفكيكها. لا يمكن تحرير البشر عبر إنكار أهليّتهم. ولا يمكن الدفاع عن كرامتهم عبر افتراض أنّهم غير قادرين على حملها. التعاطف الذي ينزع عن الإنسان حقّه في الاختيار، ليس تعاطفاً، بل شكلاً ناعماً من السيطرة. وإذا كان اليسار جادّاً في مشروعه التحرّريّ، فربما عليه أن يبدأ بنقد هذا الاستعلاء الكامن في قلب خطابه، لا بوصفه انحرافاً عابراً، بل بوصفه سؤالاً أخلاقيّاً مؤجَّلاً طال انتظاره.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



