احتجاجات جدّية متصاعدة في إيران... هل يملك بيزيشكيان الحلّ؟

احتجاجات جدّية متصاعدة في إيران... هل يملك بيزيشكيان الحلّ؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية نحن والحرية

الثلاثاء 6 يناير 20269 دقائق للقراءة

"لهذا السبب (الصعوبات الاقتصادية) احتجّ التجار، ولهم كل الحق في ذلك"، قال المرشد الإيراني علي خامنئي، بعد أسبوع من احتجاجات بدأت في 28 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، عندما أضرب أصحاب المتاجر في مركز علاء الدين، وهو مركز لمتاجر الإلكترونيات، احتجاجاً على الوضع الاقتصادي، وسرعان ما اتسعت من حيث نطاقها وحجمها وسقف مطالبها لتشمل مطالب سياسية.

"تقرّ سلطات البلاد بذلك، ويعمل الرئيس وكبار المسؤولين على حلّ هذه المشكلة"، أضاف خامنئي. وأردف: "نتحاور مع المتظاهرين، لكن لا جدوى من الحوار مع مثيري الشغب. يجب وضع حدّ لهم"، مما يعطي القوات الأمنية على الأرجح ضوءاً أخضر لقمع المظاهرات، وفقاً لـ DW.

لكن برغم تحذيرات خامنئي المبطّنة، لا يبدو أنّ الاحتجاجات ستتوقف، حسب وكالة أسوشيتد برس، حيث وصلت المظاهرات إلى أكثر من 220 موقعاً في 26 من أصل 31 محافظةً في إيران، لغاية أمس الإثنين، مشيرةً إلى ما لا يقلّ عن 20 قتيلاً وأكثر من 990 اعتقالاً حتى الآن.

من جانبه، قال الرئيس الإيراني مسعود بيزيشكيان: "إذا كان الناس غير راضين، فنحن المسؤولون... لا تبحث عن أمريكا أو أيّ شخص آخر لتلومه. يجب أن نخدم بشكل صحيح حتى يرضى الناس بنا".

أضاف بيزيشكيان: "من منظور إسلامي، إذا لم نحلّ مشكلة سبل عيش الناس، فسننتهي في جهنم".

يأتي ما سبق بعد اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل عشر جامعات على الأقل، وسط انهيار مستمرّ للعملة الإيرانية التي فقدت أكثر من ثلث قيمتها مقابل الدولار خلال العام الماضي، مع بلوغ معدّل التضخم 52% في كانون الأول/ ديسمبر الفائت.

من جهة أخرى، فرضت السلطات الإيرانية قيوداً على الوصول إلى الإنترنت، حيث انخفضت حركة البيانات بنسبة 35%، فيما أشارت مونتي كارلو الدولية إلى اضطرابات "شديدة" ومخاوف من احتمال انقطاع خدمة الإنترنت الدولية بشكل كامل تقريباً، بهدف منع تنسيق المتظاهرين للتجمعات التي يتم تنظيمها في الغالب عبر الإنترنت، بجانب منع نشر التقارير والصور ومقاطع الفيديو الخاصة بالاضطرابات على وسائل التواصل الاجتماعي.

مدخل إلى عدم اليقين الاقتصادي

غالباً ما تلقي السلطات الإيرانية باللوم على الحكومات الأجنبية في الاضطرابات الداخلية، حسب موقع أمواج ميديا، إلا أنّ بيزيشكيان تعامل مع مظالم المحتجّين بشكل علنيّ، لكنه لم يقدّم خطةً عمليةً لمعالجة جذور الأزمة، نتيجة عجز إدارته الإصلاحية عن تغيير المسار الاقتصادي دون رفع العقوبات الأممية والغربية المفروضة على طهران نتيجة برنامجَيها النووي والصاروخي وسلوكها الإقليمي وقضايا حقوق الإنسان، فيما تبدو الحلول الدبلوماسية بعيدة المنال، بسبب مطالب واشنطن بوقف تخصيب اليورانيوم وتقييد الصواريخ ودعم الميليشيات الإقليمية.

يسعى بيزيشكيان وحلفاؤه الإصلاحيون إلى تهدئة الأوضاع عبر عروض الحوار والتعامل اللطيف مع المتظاهرين، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، في مسار يختلف عن الأساليب السابقة للنظام

وعليه، تتداخل الأزمات الاقتصادية الناتجة عن أسعار الوقود والعقوبات الدولية مع التوترات الجيوسياسية، وتكشف هشاشة الحكومة الإصلاحية أمام ضغوط المحافظين والاحتجاجات الشعبية، في ظلّ غياب حلول عملية أو انفراج دبلوماسي، ذلك أنّ ارتفاع أسعار البنزين قد أدى إلى زيادة تكاليف النقل والغذاء، مما فاقم حالة عدم اليقين الاقتصادي، ولا سيّما في ظلّ التوترات الجيوسياسية، حسب أمواج ميديا ومركز أسباب. كما أثارت الحرب القصيرة في حزيران/ يونيو الماضي، بين إيران وإسرائيل، المخاوف من مواجهة أوسع قد تشمل الولايات المتحدة، مع احتمالية فرض عقوبات إضافية، بجانب إعادة العقوبات الأممية (سناب باك) على إيران في أيلول/ سبتمبر 2025، والتي أدى إلى حظر الأسلحة وتشديد القيود على العلاقات المصرفية والواردات الأوروبية، برغم رفض الصين وروسيا وإيران للأمر.

يضيف "أسباب"، إلى ما سبق، استهداف إسرائيل للبنية النووية والأمنية والعسكرية الإيرانية خلال حرب الـ12 يوماً، ما كشف ضعف القدرات الدفاعية وأدى إلى خسائر إستراتيجية، تراكمت مع سقوط نظام الأسد، الحليف الإقليمي الأبرز لطهران، وتصفية القيادة العليا لحزب الله وتقويض قدراته العسكرية، الأمر الذي وضعه تحت حصار جغرافي وسياسي غير مسبوق، وقوّض استثمارات إيرانيةً ممتدةً لعقود.

بدورها، بلورت إسرائيل إستراتيجيةً لإضعاف النظام عبر اغتيال قادته البارزين، ودعم الأقليات والنزعات الانفصالية في دولة متعددة القوميات، حيث تنشط جماعات مسلّحة في سيستان وبلوشستان وكردستان، فيما ترجّح تقديرات إسرائيلية أنّ الحرب الأخيرة مجرد بداية لـ"حروب إيران"، ما يعكس توقعات بتصعيد عسكري متكرر. برغم كل ما سبق، فإنّ انهيار النظام الإيراني غير مرجّح بحسب "أسباب".

لكن الأسباب الجذرية لتجدد الاحتجاجات في إيران تأتي من انهيار اقتصادي شديد بسبب العقوبات، وسوء إدارة مزمن، وفساد مستشرٍ، حسب الصحافي ومحلل الشؤون الإيرانية، نوري آل حمزة، حيث تراوح التضخم بين 40-50%، خاصةً الأكل والأدوية. وقد وصل الريال الإيراني إلى 1.4 ملايين مقابل الدولار الواحد، بجانب بطالة عالية جداً بين الشباب، وانقطاع يومي للكهرباء والماء، وقمع اجتماعي مستمر، مع اعدامات كثيرة (أكثر من 2،200 إعدام في 2025)، حسب ما أفاد به آل حمزة لرصيف22. لذا، فإنّ حوادث مثل وفاة مهسا أميني وارتفاع أسعار الوقود، تشعل الشارع، لكنّ السبب الحقيقي هو تراكم الغضب منذ سنوات.

"نحن على أهبّة الاستعداد"

"ما يحدث اليوم في شوارع إيران هو مطلب وطني عميق: محاولة استعادة بلد يريده مواطنوه حرّاً ومزدهراً ومستقلاً"، حسب ماجدة كريمي، وهي نائبة رئيس الجمعية الإيطالية الإيرانية، مضيفةً: "السوق الإيرانية الآن في حالة ركود تامّ. فقد قضى انفجار الأسعار على القدرة الشرائية للسكان، وأدى إلى ركود عميق وغير مسبوق"، وهي "السوق التي كانت تدعم روح الله الخميني، ولعبت دوراً حاسماً في انطلاق الثورة الإسلامية (عام 1979)، والآن أصبحت أحد المحرّكات الرئيسية للاحتجاجات التي امتدت، في غضون ستة أيام، لتشمل مختلف شرائح المجتمع".

ما يميّز الاحتجاجات الحالية عن سابقاتها، انتشارها في أكثر من 26 محافظةً و220 مدينةً وقريةً، وقد بدأت اقتصاديةً ثم تحوّلت "بسرعة" إلى المناداة بشعارات سياسية صريحة ضد "الوليّ الفقيه" والنظام الإيراني

ووفقا لآل حمزة في القدس العربي، السمة الأبرز للاحتجاجات الأخيرة هي انخراط كبار التجار (البازاريين) منذ البداية فيها، وتوجيههم هجوماً مباشراً ضد خامنئي، ما يعكس اهتزازاً داخل إحدى ركائز النظام الاقتصادية والاجتماعية التقليدية. فالبازاريون كانوا تاريخياً أحد أعمدة النظام منذ 1979، واستفادوا من الحماية الاقتصادية التي وفرتها لهم السلطة وشبكة العلاقات معها، وخروجهم من هذا التحالف التاريخي يمثّل شرخاً عميقاً ينقل الأزمة من الهامش إلى المركز، ما يشكّل تحوّلاً نوعياً يهدد البنية التقليدية لتحالف النظام، ويحوّل الأزمة من مجرد اضطرابات اجتماعية إلى تهديد إستراتيجي محتمل. إلا أنّ مستقبل الحراك يتوقف على قدرته على الانتشار بين طبقات أوسع من المجتمع، ما قد يرفع مستوى التحدّي إلى أزمة وجودية للنظام، حسب آل حمزة.

يقول آل حمزة في حديثه إلى رصيف22، إنّ ما يميّز الاحتجاجات الحالية عن سابقاتها، هو انتشارها في أكثر من 26 محافظةً و220 مدينةً وقريةً، وقد بدأت اقتصاديةً ثم تحوّلت "بسرعة" إلى المناداة بشعارات سياسية صريحة ضد "الوليّ الفقيه" والنظام الإيراني برمّته، بجانب مشاركة كبيرة من التجار والعمال والطلاب والنساء، مع عنف أكبر من الطرفَين (20 قتيلاً حتى الآن و990 معتقلاً)، وعدم قمعها بشكل فوري وعنيف مثل احتجاجات عام 2019، وبقاء الإنترنت شغّالاً نسبياً، مشيراً إلى إمكانية استمرارها وزيادة المشاركين فيها لو استمرّ الانهيار الاقتصادي والضغط الخارجي (عقوبات ترامب وتهديدات إسرائيل). لكن احتمال القمع الشديد مرتفع جداً بناءً على تجارب سابقة، حسب آل حمزة، الذي ينبّه إلى أنه في حال وجود تدخّل عسكري خارجي (أمريكي-إسرائيلي)، قد يتحول الوضع إلى فوضى كبيرة أو حتى حرب.

في السياق، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منصة "تروث سوشيال"، بأنّ الولايات المتحدة "على أهبّة الاستعداد للتدخل" إذا أقدمت إيران على إطلاق النار وقتل متظاهرين سلميين، في ظلّ احتجاجات مرتبطة بتدهور الأوضاع الاقتصادية، فيما أكّد مسؤول إيراني أنّ الأمن القومي الإيراني "خط أحمر".

من جانبه، دعا الموساد الإسرائيلي المتظاهرين الإيرانيين إلى تكثيف حراكهم الاجتماعي، مؤكداً أنه "معهم على الأرض"، ونشر بياناً بالفارسية عبر حسابه الرسمي على منصة إكس، يحثّهم فيه على النزول إلى الشوارع، قائلاً: "اخرجوا إلى الشوارع معاً. لقد حان الوقت. نحن معكم".

ما سبق يوضح أنّ الاحتجاجات في إيران لم تعد مجرد أزمة داخلية، بل تحولت إلى ساحة تفاعل دولي مباشر؛ واشنطن تهدد بالتدخل العسكري إذا وقع قمع دموي، وتل أبيب تدعم الحراك علناً وتحثّ على تصعيده، فيما تعيد طهران التأكيد على أنّ أمنها القومي خط أحمر. هذا التداخل بين الاحتجاجات الداخلية والضغوط الخارجية يرفع مستوى الأزمة إلى تهديد إستراتيجي للنظام الإيراني، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع مخاطر التصعيد الأمني والسياسي.

بحسب مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، يسعى بيزيشكيان وحلفاؤه الإصلاحيون إلى تهدئة الأوضاع عبر عروض الحوار والتعامل اللطيف مع المتظاهرين، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، في مسار يختلف عن الأساليب السابقة للنظام التي اتّسمت بالصرامة والقمع المباشر. لكن الاحتجاجات الحالية هي الأولى منذ خسارة إيران حرب الـ12 يوماً، ما يجعلها اختباراً حاسماً لنهج بيزيشكيان.

ويبقى من غير الواضح ما إذا كانت هذه الإستراتيجية ستنجح في تهدئة الوضع، أو أنها ستفاقم التوتر القائم أصلاً.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard
Popup Image