أعاد ما حدث بين الأمس واليوم الأسئلةً اليمنية المؤجَّلة إلى الواجهة، حول طبيعة التحالفات التي حكمت الحرب منذ بدايتها، وحدود التفاهم بين أطرافها الإقليميّين، لعل اليمن هو مرآةً لتصدّع أكبر يتجاوز حدوده، ولعل إعادة رسم خرائط النفوذ في الإقليم كله يبدأ منه.
عشر سنوات وأكثر مرت مذ بدأ التدخل العسكري الخليجي المباشر في اليمن بتحالف ثلاثي مكون من السعودية والإمارات وقطر، معلناً نيته "دحر الانقلاب واستعادة الدولة" عبر عملية "عاصفة الحزم" التي حدثت في آذار/ مارس 2015 التي استهدفت التحالف بين قوات الحوثيين المدعومة إيرانياً وقوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
تفكك التحالف منذ البداية
بالطبع، تعثرت "عاصفة الحزم" وفشلت في تحقيق أي من أهدافها المعلنة، وأدى طول العملية التي امتدت من 2015 إلى 2018 إلى تخلخل صفوف التحالف وتفككه تدريجياً.
كانت قطر أول المغادرين عام 2017، بعد خلاف حاد حول الاستراتيجيات الإقليمية مع السعودية. هذا الخروج "الدراماتيكي" لقطر أدى إلى تغيير تحالفها 180 درجة، لتصبح داعمة لجماعة الحوثي إعلامياً ودبلوماسياً، وكذلك مالياً، وتنخرط لاحقاً في المحور الإيراني في اليمن، مع مفارقة استمرار وقوفها ضد المحور الإيراني نفسه في الساحة السورية!
تعتبر السعودية كلاً من حضرموت والمهرة "خطاً أحمر"، ويمثل تخوفها من التقدم الإماراتي فيهما عبر المجلس الانتقالي ضرورة أمنية وجيوسياسية قصوى... وأي نفوذ لقوة تتبع أجندة إقليمية مغايرة (الإمارات) يعني فقدان السعودية لسيطرتها التاريخية على بوابتها الجنوبية ومجالها الحيوي
كان هذا الانشقاق الأول لا الأخير في المحور، فما في ما نراه اليوم، من خلافات في الرؤية الاستراتيجية بين الإمارات والسعودية ليس جديداً، لكنه تعمق منذ مطلع عام 2024 نتيجة تطورات إقليمية كبرى، أهمها انهيار المحور الإيراني، وسقوط نظام بشار الأسد في دمشق، ما جعل السعودية تعيد موضعة استراتيجيتها وتدعم حكومة أحمد الشرع دعماً سخياً ومباشراً، في حين لا تزال الإمارات تتحفظ على دعم أي تشكيلات "إسلاموية" مسيسة (باستثناء السلفيين المداخلة والصوفية التقليدية).
أما الاختلاف الثاني الذي يظهر بوضوح بين الدولتين الخليجيتين فهو في الملف السوداني، فبينما تظهر رؤية سعودية ترى في دعم حكومة رسمية بقيادة البرهان أمراً يخدم أمنها القومي، ترى الإمارات في دعم قوات الدعم السريع بقيادة "حميدتي" مصلحة استراتيجية تجعل السودان بعيداً من نفوذ الإخوان المسلمين.
حضرموت والمهرة… الخطوط السعودية الحمراء
تعتبر السعودية كلاً من حضرموت والمهرة "خطاً أحمر"، ويمثل تخوفها من التقدم الإماراتي فيهما عبر المجلس الانتقالي ضرورة أمنية وجيوسياسية قصوى لعدة أسباب جوهرية؛ أولها الأمن الحدودي.
تشكل هذه المناطق العمق الاستراتيجي والحدودي المباشر للمملكة، وأي نفوذ لقوة تتبع أجندة إقليمية مغايرة (الإمارات) يعني فقدان السعودية لسيطرتها التاريخية على بوابتها الجنوبية ومجالها الحيوي.
ثانيها منع الانفصال الكامل: فالسعودية تدرك أن سيطرة الانتقالي على حضرموت (التي تمثل وحدها ثلثي مساحة الجنوب) تعني إعلان دولة الجنوب المستقلة كأمر واقع، وهو ما سيؤدي حتماً إلى فقدان المملكة لأهم أوراق الضغط في الملف اليمني مستقبلاً.
المعضلة الكبرى تكمن في أن الحكومة باتت "شرعية بلا مخالب"؛ إذ لا تمتلك أي سلطة فعلية على الأرض، في حين تتقاسم القوى الميدانية السيطرة بعيداً من نفوذها.
ورغم هذه الأهمية الاستراتيجية، عجزت السعودية عن بناء تحالفات ميدانية صلبة ومؤثرة داخل العمق اليمني، حيث اعتمدت الرياض بشكل شبه كلي على ورقة "الحكومة الشرعية" كسلاح وحيد، مستغلة استضافتها لمقر إقامتها وتحكمها الكامل في دعمها المالي والعسكري المحدود.
لكن المعضلة الكبرى تكمن في أن هذه الحكومة باتت "شرعية بلا مخالب"؛ إذ لا تمتلك أي سلطة فعلية على الأرض، في حين تتقاسم القوى الميدانية السيطرة بعيداً من نفوذها. فأغلب التشكيلات العسكرية الفاعلة اليوم تتبع إما حزب الإصلاح (الإخوان)، أو المجلس الانتقالي الجنوبي، أو ألوية العمالقة الجنوبية ذات التوجه السلفي المدخلي، وصولاً إلى قوات طارق صالح في الساحل الغربي.
استنساخ الأدوات العسكرية
هنا تظهر الفجوة الكبيرة بين الحليفين؛ ففي الوقت الذي نجحت فيه الإمارات في نسج تحالفات وثيقة ومستدامة مع كل هذه القوى –باستثناء الإخوان–، وجدت السعودية نفسها في عزلة ميدانية داخل المناطق "المحررة". ورغم أن التيار السلفي المدخلي نشأ وترعرع أساساً في السعودية، إلا أن الإمارات كانت السباقة تاريخياً للاستفادة منه وتجنيده في الحرب اليمنية، ونجحت في تكوين قوة عسكرية ضاربة هي "ألوية العمالقة" برئاسة أبو زرعة المحرمي (خريج معهد دماج وتلميذ الشيخ مقبل الوادعي الأب الروحي للتيارات السلفية في اليمن).
لكن، يبدو أن السعودية قررت في عام 2023 مواجهة الإمارات بنفس أسلحتها الميدانية الفعالة، فبدأت بتكوين نسختها الخاصة من السلفية المدخلية المقاتلة التي تؤمن بمبدأ "طاعة ولي الأمر"، وأسندت قيادتها للقائد السلفي بشير المضربي الصبيحي، وهو أيضاً خريج "معهد دماج" وتلميذ الشيخ مقبل الوادعي ويمتلك شعبية قوية داخل الأوساط السلفية، كما أنه ظل محتفظاً بخلفيته التقليدية التي تبتعد عن الحزبية السياسية.
في بداية التأسيس، حاولت السعودية استغلال السمعة العسكرية لـ "ألوية العمالقة" فأطلقت على قوات المضربي اسم "ألوية العمالقة الجديدة"، في محاولة لسحب البساط من تحت القوات الأصلية. غير أن هذا التوجه واجه احتجاجاً مما اضطر الرياض لتغيير الاسم إلى "قوات درع الوطن".
يبدو أن الزبيدي قام بتحريك قوّاته تحسّباً لمواجهة عسكريّة طويلة، ممّا اعتبرته السعوديّة تخطيطاً للحرب. لكن التطوّر الآخر الذي لا يقلّ أهميّة هو أن رفيقي الزبيدي القويّين والمدعومين إماراتيّاً (طارق صالح، وأبو زرعة المحرّمي) متواجدان الآن في الرياض
بيد أن هذه القوات -رغم الدعم السعودي- فضلت الحياد عندما اجتاح الانتقالي المحافظات الجنوبية المحاذية للسعودية (حضرموت والمهرة) في بداية كانون الأول/ ديسمبر 2025، مما أدى لسقوطها بلا قتال. لكنها الآن تقاتل بأوامر سعودية مباشرة لاستعادتها، فهل تمضي في المواجهة المباشرة مع إخوانهم في "السلفية المدخلية" الموالية للإمارات؟
وإلى جانب "درع الوطن"، تقاربت الرياض مع "حلف قبائل حضرموت" و"مؤتمر حضرموت الجامع" بقيادة عمرو بن حبريش، الذي يدعو لحكم ذاتي في حضرموت، لمواجهة تشكيلات حضرمية قبلية أخرى مدعومة إماراتياً وبخاصة "قوات النخبة الحضرمية". ومع اشتداد هذا الاستقطاب، تجد السعودية نفسها أمام خيارات معقدة وأحلاها مرّ لمواجهة نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، الكيان الأكبر والأهم استراتيجياً للإمساك بمفاتيح الجنوب.
هل حسمت السعودية خيارها العسكري؟
اليوم، تجد السعودية نفسها أمام ثلاثة خيارات للتعامل مع الانتقالي الجنوبي. الخيار الأول هو محاولة نقل ولائه من الإمارات إلى السعودية، لكنها مهمة في غاية الصعوبة؛ فالإمارات استثمرت في هذا المجلس لقرابة عقد من الزمان، كما أن السعودية لا تريده شريكاً قوياً بل مجرد "مكون" صغير ضمن مظلة الشرعية، وهو ما يرفضه الانتقالي الذي يرى نفسه الممثل الحصري والوحيد للجنوب.
والخيار الثاني هو محاولة السعودية "استنساخ" مجلس جنوبي بديل يأتمر بأمرها، لكن التحدي هنا هو أن هذا الكيان سيتحول إلى "مجلس منفى" يقيم في فنادق الرياض من دون حضور ميداني حقيقي.
أما الخيار الثالث وهو الأخطر، فيتمثل في الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة لإزاحة الانتقالي بالقوة، وهو ما يعني الانزلاق نحو حرب أهلية شاملة وصراع صفري تتصادم فيه القبائل والسلفيون الموالون لكل طرف وجهاً لوجه.
بما أن السعوديّة ليست اللاعب الوحيد، فإن تحركات الإمارات القادمة ستحكم التطوّرات المقبلة أيضاً. سواء مضت نحو اقتسام للنفوذ مع السعوديّة، أم استمرت في تحريك الانتقالي الجنوبي من خلف الستار.
بيد أن التطوّرات السريعة التي ضجت بها نشرات الأخبار اليوم 7 كانون الثاني/يناير 2026، خاصّة مع قصف القوّات السعوديّة لمواقع الانتقالي الجنوبي في محافظة الضالع، وقرار رئيس الجمهوريّة اليمني بعزل الزبيدي من هيئة مجلس القيادة الرئاسي واتهامه بالخيانة العظمى، تُعدّ تطوّراً مفاجئاً على أقل تقدير، يدلّ على أن السعوديّة قفزت إلى الخيار الأخير والأخطر، وهو الدخول في مواجهة عسكريّة لإزاحة الزبيدي بالقوّة.
كانت الأخبار قد أعلنت أن الزبيدي توجّه إلى الرياض ليلة أمس 6 كانون الثاني/يناير مع وفد الانتقالي للتحاور في "مؤتمر الرياض" المزمع عقده في السعوديّة لنقاش القضيّة الجنوبيّة، لكن الزبيدي لم يذهب مع الوفد، -على الأرجح تخوّفاً من أن يتمّ عزله أو احتجازه في الرياض-، وحلقت الطائرة بدونه لتنقطع الاتصالات بالوفد، حسب المعلومات الصادرة عن إعلام الانتقالي.
أمّا الزبيدي، فيقول "إعلامه" إنه لم يفرّ إلى "جهة مجهولة"، حسب ادّعاءات التحالف، وإنه موجود في عدن لقيادة العمليّات.
المصير اليمني في يد من؟
رغم غموض الوضع، يبدو أن الزبيدي قام بتحريك قوّاته تحسّباً لمواجهة عسكريّة طويلة، ممّا اعتبرته السعوديّة تخطيطاً للحرب. لكن التطوّر الآخر الذي لا يقلّ أهميّة هو أن رفيقي الزبيدي القويّين والمدعومين إماراتيّاً (طارق صالح، رئيس قوّات المقاومة الوطنيّة في الساحل الغربي، وأبو زرعة المحرّمي، قائد قوّات العمالقة) متواجدان الآن في الرياض، ولا يزالان عضوين ضمن مجلس القيادة الرئاسي الذي تمّت إزاحة الزبيدي منه.
فهل يعني هذا أن السعوديّة استطاعت تفكيك الصفّ العسكري الموالي للإمارات وتحييد طارق صالح والمحرّمي، أو كسبهما لصفّها؟
ما يحدث اليوم يحدّد مصير اليمن كدولة؛ فبدلاً من وجود جيش وطني واحد، انقسمت القوّات على الأرض إلى فصائل تتبع مموليها. وبالطبع فالمستفيد الأكبر من هذا الوضع هو جماعة الحوثي في صنعاء، التي ارتاحت من الضغط العسكري واستغلّت الفوضى لتقدّم نفسها كقوّة منظّمة ومستقرّة.
أما على الصعيد الجغرافي، فقد تحوّل شرق اليمن إلى ساحة صراع دولي؛ السعوديّة تريد تأمين حدودها وطريق نفطها، والإمارات تريد السيطرة على الموانئ الحيويّة، ممّا ينذر بتحوّل الخلاف إلى حرب وكالة طويلة الأمد.
لقد دخل الجنوب تعقيداً سياسيّاً صعباً بعد "الإعلان الدستوري" للانتقالي في كانون الثاني/يناير 2026 ردّاً على الضغوط السعوديّة، ممّا يضعف إمكانيّات عودة الدولة الاتحاديّة. فهل يتمّ طيّ صفحة الزبيدي وإعادة تصدير الانتقالي بقيادة جديدة، أم ينجح الزبيدي في الصمود في مناطقه المحوريّة (الضالع، يافع، عدن) وينتهي الوضع بتقسيم الجنوب بين شرعيّة سعوديّة في حضرموت، وشرعيّة إماراتيّة في عدن؟ هذا التمزّق سيدمّر الاقتصاد المنهار فعليّاً، وسيحوّل الأزمة اليمنيّة إلى مأساة ممتدّة بلا أفق.
في كل السيناريوهات، يبدو أن السعوديّة ماضية في عقد مؤتمر الرياض بخصوص القضيّة الجنوبيّة من دون الزبيدي، بعد أن أوعزت للشرعيّة بإقصائه من المجلس الرئاسي. وقد يكتفي المجلس بالأعضاء السبعة بدلاً من الثمانية، أو قد يتمّ تعيين بديل يمثّل الانتقالي ويكون موالياً للسعوديّة هذه المرّة؟
فهل ينجح المؤتمر في تأسيس شرعيّة جنوبيّة موالية للسعوديّة ومؤتمرة بأمرها، أم أن تعقيدات الواقع الميداني ستؤسّس لانقسام جنوبي حادّ وحرب طويلة كما حدث في شمال اليمن نتيجة استراتيجيّة سعوديّة مشابهة؟
وبما أن السعوديّة ليست اللاعب الوحيد في اليمن، فإن تحركات الإمارات القادمة ستحكم التطوّرات المقبلة أيضاً. سواء مضت نحو توافق واقتسام للنفوذ مع السعوديّة، أم استمرت في تحريك الانتقالي الجنوبي من خلف الستار لإدارة معركة تسعى من خلالها إلى التمسّك بما يمكن التمسّك به من الورقة الجنوبيّة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



