شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"بورتسودان"... نهاية للدولة السودانية الموحدة أم بداية لصفحة جديدة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الأربعاء 6 سبتمبر 202301:06 م

منذ أن أسس محمد بك الدفتردار (زوج ابنة محمد علي باشا)، مدينة الخرطوم، في عام 1821 وحتى يومنا هذا، والخرطوم عاصمة للبلاد، دُمّرت مرات ونُهبت مرات، لكنها ظلت صامدةً على مرّ العقود والأنظمة.

واليوم، وبعد كل تلك السنوات، يبدو أن الخرطوم على مشارف النقلة النوعية الأكبر في تاريخها. فالعاصمة تتراجع لصالح مدينة "بورتسودان" الساحلية، التي يبدو أن الجيش السوداني يفضّلها كعاصمة جديدة ومقر حكم آمن له.

نقل وزارة الخارجية إلى بورتسودان

في الرابع من أيلول/ سبتمبر الحالي، أعلنت وزارة الخارجية السودانية أن حكومة البحر الأحمر منحتها قطعة أرض لبناء "مقر دائم" في مدينة بورتسودان، التي تُبعد قرابة ألف كيلومتر من العاصمة الخرطوم.

وفي اليوم التالي مباشرةً، أي في الخامس من أيلول/ سبتمبر الحالي، أعلنت شركة مصر للطيران عن وصول أولى رحلاتها الجوية المباشرة القادمة من القاهرة إلى مدينة بورتسودان السودانية. بعد أن تمت إضافتها كوجهة جديدة للشركة.

الحديث عن نقل المقر الدائم لوزارة الخارجية السودانية إلى بورتسودان، امتداد للتصريحات الرسمية الصادرة من الوزارة، والتي أشارت إلى أنها تعمل على استقطاب الدعم الخارجي، من أجل إنشاء مركز لاستضافة المؤتمرات وبناء فلل رئاسية وإقامة محطة لتحلية المياه ومحطة للطاقة الشمسية في المدينة، بغرض جعلها واجهةً حضاريةً وسياسيةً؛ وتالياً استضافة المؤتمرات الإقليمية والدولية والقمم الرئاسية.

تلك الخطوات لم تأتِ من فراغ، ولا يمكن فصلها عن محيطها السياسي، الذي يشير إلى أن سلطة الأمر الواقع (التي تأتمر بأمر الجيش)، تتجه إلى تسمية بورتسودان عاصمةً للسودان برغم افتقارها إلى البنية التحتية، حيث سبقت ذلك ضغوط إعلامية كثيفة من الموالين للقوات المسلحة بإعلان المدينة عاصمةً للبلاد بدلاً من الخرطوم الغارقة في بحر من الدم.

ما سرّ إعلان شركة مصر للطيران، مدينة بورتسودان، وجهةً جديدةً لرحلاتها؟

بداية النهاية للدولة السودانية

وفي 27 آب/ أغسطس الماضي، وصل رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، إلى مدينة بورتسودان، التي أصبحت مقراً دائماً له يُدير منه شؤون البلاد، وذلك بعد أيام من انفكاكه من الحصار الذي كانت تفرضه قوات الدعم السريع على مقر قيادة الجيش في العاصمة الخرطوم.

وسبق البرهان إلى هناك نائبة في مجلس السيادة ومسؤولون آخرون بينهم وزير المالية جبريل إبراهيم، لتصبح المدينة مركزاً للحكم.

لكن السؤال هنا، هل يمكن ببساطة أن تصبح بورتسودان عاصمةً جديدةً للسودان، وينتهي زمن الخرطوم؟

المحلل السياسي فاروق كباشي، يجيب رصيف22، عن هذا السؤال بقوله: "يتطلب جعل بورتسودان عاصمةً للبلاد الكثير من العمل الشاق؛ نظراً إلى افتقارها إلى البنية التحتية بما في ذلك الكهرباء. لكن بعيداً عن العوامل اللوجستية، سعي البرهان، وفق المتداول إعلامياً، إلى تشكيل حكومة مؤقتة تتخذ من بورتسودان مقراً لإدارة البلاد، سيكون مدخلاً يدفع الدعم السريع لتشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرته، ولن يعترف أي طرف بحكومة الآخر أو يتعامل معها؛ ما يعني أنها بداية النهاية للسودان بجغرافيته الحالية".

يتقاطع حديث كباشي، مع ما قاله القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي إبراهيم الميرغني، من أن أي حديث عن عاصمة بديلة في هذا التوقيت، هو مجرد تبرير لفشل دعاوى الحسم العسكري، ويمهد لمخطط تقسيم السودان. الخرطوم هي مركز الدولة السودانية السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يشدّ أطرافها ويحفظ توازنها".

مخاوف مشروعة

قطعاً المخاوف المطروحة من كثير من المعارضين وجيهة، لكن المؤشرات تشي بأن السلطات سوف تستمر في مساعيها لاتخاذ بورتسودان مقراً لإدارة شؤون البلاد من دون إعلانها عاصمةً بصورة رسمية مبدئياً.

لكن إذا طال أمد النزاع، وفي ظل حاجتها إلى التعاون مع الدول الأخرى سيكون عليها حينها إعلان تحولها إلى عاصمة للبلاد، بصرف النظر عن مخاطر ذلك القرار السياسي على المستوى المحلي.

نظرة على واقع تطورات الاشتباكات، تخبرنا بأن الجيش وقوات الدعم السريع سيفشلان في إنهاء الحرب سريعاً مما قد يدفع السلطات إلى تسمية بورتسودان عاصمةً ولو مؤقتاً.

المال هو السلاح الأهم

بدأت السلطات مؤخراً بتكثيف نشاطها السياسي في بورتسودان، بعد وصول البرهان إليها، والذي بعد أن حطّ رحاله فيها توافد إليها مسؤولون آخرون مثل حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، ورئيس حزب الأمة المقرب من الجيش مبارك الفاضل. إلا أن المال والثقل الاقتصادي يظلان أقوى الأسلحة، وهو ما عظّم دور قرار بنك السودان المركزي بنقل موظفيه إلى المدينة الساحلية بعد اندلاع الحرب بفترة قصيرة، وقد نجح هؤلاء الموظفون بالفعل في استعادة شبكة الربط المصرفي الإلكترونية إلى حد بعيد.

وفي هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي مدثر فضل، لرصيف22: "توافر الأمن في شرق السودان، وبمزيد من التحركات السياسية، يمكن أن يدفع الشركات الاقتصادية إلى فتح مقار دائمة فيها، لكن هذا يتطلب حكومةً فعالةً تستطيع أن تخاطب مخاوف هذه الشركات، لا سيما في ما يتعلق بثبات سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأخرى.

وربما لهذا بدأ قائد الجيش يُفكر في تشكيل حكومة تنفيذية، ولا يستبعد أن يكون قد ناقش خلال زيارته إلى مصر وجنوب السودان الأمر وطلب دعمهما، وهذا أمر يرجح أن يطلبه في زياراته القادمة إلى قطر والسعودية والإمارات".

لماذا تدعم القاهرة البرهان في نقل العاصمة من الخرطوم إلى بورتسودان؟

إلى من تميل بورتسودان؟

شهدت مدينة ود مدني في ولاية الجزيرة المجاورة للعاصمة الخرطوم ومدينة بورتسودان، تغييرات بعد اندلاع الحرب من حيث زيادة النشاط الاقتصادي والازدحام وارتفاع أسعار العقارات نتيجةً لتوافد عشرات الآلاف من الفارين من العنف إليهما.

وبينما ود مدني قريبة من الخرطوم، ويمكن أن يجتاحها الدعم السريع في أي لحظة، يستحيل أن يفعل ذلك في بورتسودان؛ نظراً إلى بعد المسافة وعدم امتلاكه قاعدةً اجتماعيةً في شرق السودان تُسانده على غرار الخرطوم ودارفور وكردفان؛ وهذا الابتعاد يجعل المدينة الساحلية أكثر جذباً للنشاط الاقتصادي وإدارة الدولة.

كلنا في الهم سواء

العاصمة المرتقبة تعاني مثلما تعاني سائر المدن من اختفاء السلع الغذائية، حيث بات سكانها يعتمدون على البضائع الواردة من مصر، التي تهبط في ميناء بورتسودان قبل أن تُوزَّع على مدن البلاد الأخرى.

ونتيجةً لهذا النشاط الاقتصادي وتزايد الوافدين إليها بصورة شبه يومية الذين من ضمنهم المسؤولون الحكوميون، ارتفعت أسعار العقارات في المدينة، ووصل سعر إيجار شقة مفروشة إلى 1.2 مليون جنيه بما يُعادل 1،600 دولار تقريباً، برغم ضعف خدمات الكهرباء والمياه.

من جانبها، تفرض السلطات حالياً حظر تجوال في المدينة يبدأ من الساعة الحادية عشرة ليلاً، لكن ذلك لم يوقف الأنشطة الترفيهية على ساحل البحر الأحمر، بفعل الوافدين إليها، خاصةً عند انقطاع التيار الكهربائي الذي تُوفره للمدينة بارجة تركية تُمدّها بـ60 ميغاواط في الساعة.

ختاماً وفي ظل الوضع المأزوم غير المسبوق الذي تمر به السودان، يمكن القول إنه في العادة، لا يفكر القادة العسكريون في مخاطر أفعالهم السياسية على المدى الطويل، لهذا يرجح أن يُشكل البرهان حكومةً تنفيذيةً تتخذ من بورتسودان مركزاً لإدارة البلاد، سواء أعلن المدينة عاصمةً للبلاد أم لم يعلنها.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard