شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
هل أنا ليبية أم تونسية؟

هل أنا ليبية أم تونسية؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع

الثلاثاء 22 أغسطس 202311:25 ص

"ليبيّة تقريباً"… هكذا كان، وما زال، ينعتنا من نتقاسم معهم ذات الوطن والأرض. نحن الذين نأتي من الولايات الحدودية مع الجارة ليبيا.

كنت أسمع هذه العبارة في الكثير من المناسبات التي كانت تقام في العاصمة، والتي كنت أشارك فيها بصفة ناشطة في المجتمع المدني أو طالبة، أو بأي صفة مهنية أخرى. كنت في سن الثالثة عشر عندما تقدم نحوي مراهق في اجتماع وطني لإحدى منظمات المجتمع المدني. قام بالنظر إلى الشارة المثبّتة على صدري وقد كتب عليها "محافظة مدنين"، وقال لي: "ياخي تركبو على الجمال في الجنوب؟ عندكم تلفزة؟ تابعين ليبيا أنتم؟"، وكمراهقة خرقاء لم أتردد في الرد عليه قائلة: "ايه ونصبو لهم في الأسينوس من ليبيا".

ما زلت أذكر تلك المحادثة بكثير من الغضب والمرارة حتى الآن، ووصل بي الأمر إلى البحث عن اسم الفتى على فيسبوك منذ سنة تقريباً، لأعبّر له عن ذلك الغضب المكتوم في داخلي، ولأقول له إن الجنوب وليبيا ليسوا كما يراهم هو، أو كما أٌريد له أن يراهم. أنا لا ألوم ذلك الطفل العاصميّ على ما يحمله من أفكار مغلوطة عن أماكن لم يرها كما هي حقيقة، فذلك كله نتيجة للتربية التي تلقاها في بلد متضخّم الرأس، تهيمن فيه ثقافة السلطة المركزية على بقية الهويات الجهوية. هذه الهويات التي لا تُمثّل تمثيلاً جيداً في الإنتاجات التلفزيونية وفي وسائل الإعلام.

"ليبيّة تقريباً"… هكذا كان، وما زال، ينعتنا من نتقاسم معهم ذات الوطن والأرض. نحن الذين نأتي من الولايات الحدودية مع الجارة ليبيا

أذكر مثلاً مسلسي "ماطوس" و"الدُوّار"، اللذين تدور أحداثهما في الجنوب التونسي، وهما عملان مليئان بالكليشيهات، كما يزيدان من تعميق الصورة النمطية للجنوبي الذي يعيش في الصحراء ويتكلم بطريقة مختلفة. ويجب التنويه أيضاً إلى أن اللهجة المستعملة في هذه الأعمال هجينة، لا تمثل أي مدينة أو قرية في الجنوب التونسي. ربما نحن أقرب إلى ليبيا منا إلى تونس، وذلك ليس أمرا خاطئاً تماماً، وقد تؤيده عدة معطيات تاريخية وجغرافية، وكذلك أسباب موضوعية، على رأسها عدم تسليط الضوء على ثقافتنا في وسائل الإعلام الرسمية، إلا بشكل عرضي خلال حملة انتخابية أو لبضع دقائق في شريط الأنباء.

ارتدتُ المدرسة العمومية، كغيري من أبناء وطني، لم أتخلّف يوماً عن تحية العلم صباحاً، فأبي كان حريصاً على ذلك شديد الحرص. كنت عضواً في كورال المدرسة، وكنا نؤدي الأغاني المتداولة في الثقافة الرسمية: المالوف والهادي الجويني وعليّة وغيرهم من الفنانين الذين تبث أغانيهم في وسائل الإعلام الرسمية، ولكن عندما كنت أعود إلى البيت كنت أسمع نوعين آخرين من الموسيقى: أبي المنبهر بسحر الشرق يستمع إلى أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب ووردة عند احتسائه للشاي العصر، وأمي، سيدة البيت، كانت من عشاق الفن الشعبي، كانت تشتغل في البيت على إيقاع الإذاعة المحلية، وهي إذاعة تطاوين التي كانت تبث برنامجاً للفن والتراث الشعبي بعنوان "طبول الفرح"، من إعداد وتقديم أستاذ الموسيقى الراحل محمد مرابط، وكان يبثّ كل يوم أربعاء صباحاً منذ سنة 1996.

وكان الاستماع إلى الموسيقى الليبية في بيوت الجنوبيين وفي أعراسهم أمراً شائعاً. لا يمكنني أن أنسى انسجام أمي مع موسيقى الفنان الليبي الشيخ الصديق بو عبعاب، ولا سيما أغنية "عيون الحلوه"، وقدوم كاسيتات الفنانين الليبيين إلى الجنوب مرتبط بظاهرة العمالة التونسية في ليبيا.

كان أبناء عمي من العاملين في ليبيا، يعودون في العطل محملين بالسلع التي يعد ثمن نظيرتها من السلع التونسية باهظاً وغير متاح لعموم الشعب، كجهاز "راديو كاسيت" وهو جهاز يعمل كراديو ويشغل شرائط الكاسيت، غالباً من ماركات مثل: توشيبا، هيتاشي وسوني. حتى إقامة حفلات الزفاف كانت مرتبطة بعودة العمال من ليبيا، لأنهم يأتون بالأموال لشراء المواشي وإقامة الولائم، وكانت العائلات تفضّل تزويج بناتها من الذين يعملون في ليبيا بدلاً من المقيمين في البلاد، لأنهم قادرون على تحمل تكاليف الزواج. لكن في المقابل، كانت الزوجة تبقى مع عائلة الزوج طول المدة التي يكون فيها الزوج غائباً، ولأن أغلب العمال يجتازون الحدود الصحراوية خلسة، فإن اصطحاب النساء والأطفال لم يكن أمراً ممكناً.

في جنوبنا المتصل بطرابلس أكثر من اتصاله بتونس العاصمة، كان والدي من القلائل الناجين من بين أبناء قبيلتنا من العمل في غير النظامي في ليبيا بفضل شغفه بالتعليم. في أواخر السبعينيات لم تكن هناك فرص عمل كثيرة في الجنوب، فكان أبناء المناطق الداخلية في تونس، من الشمال الغربي حتى الجنوب الشرقي، يقطعون الحدود البرية مع ليبيا بشكل سري، للعمل هناك وإرسال الأموال لعائلاتهم. كانوا يعملون دون عقود عمل ولا تغطية اجتماعية لا أية حقوق، ويمكن لرب العمل الليبي أن يطردهم متى شاء، دون الحصول على مستحقاتهم المالية، وكان جدي أحد ضحايا هذا الطرد والتعنيف الذي كاد أن يقضي على حياته، حين تخلّص منهم رب العمل في الصحراء بعد ضربهم وتهديدهم بالسلاح. كان جدي الناجي الوحيد من بين أحد عشر شخصاً.

كنت في الثالثة عشر، عندما تقدم نحوي مراهق، قام بالنظر إلى الشارة المثبّتة على صدري وقد كتب عليها "محافظة مدنين"، وقال لي: "ياخي تركبو على الجمال في الجنوب؟ عندكم تلفزة؟ تابعين ليبيا أنتم؟"، وكمراهقة خرقاء لم أتردّد في الرد عليه قائلة: "ايه ونصبوا لهم في الأسينوس من ليبيا"

في بداية الثمانينيات، قطع الرئيس بورقيبة العلاقات مع ليبيا بسبب أحداث قفصة، فقام الجانب الليبي بطرد العمالة التونسية هناك. ومن المضحكات المبكيات حوار أجراه التلفزيون الرسمي التونسي مع أحد العمال المطرودين من ليبيا، قال فيه إنهم كانوا يبولون في عجينة الخبز قبل طهيه في الفرن عندما كانوا يعملون في المخابز. أثّرت تلك الأزمة على مستوى عيش الجنوبيين، فبعد أن كانوا يأتون إلى أسرهم محملين بالسلع والهدايا أصبحوا يشتغلون في حضائر البناء بمقابل رخيص لا يضاهي ما كانوا يحصلون عليه عند عملهم في ليبيا، فقد تمكنوا من بناء البيوت وشراء السيارات وتعليم أبنائهم بفضل ذلك، مع ما كان يحل بهم من عنصرية وسوء معاملة أحياناً.

أنا من مواليد محافظة مدنين الحدودية التي شهدت، آخر التسعينيات وبداية الألفية، نهضة عمرانية وتجارية، ولكن ذلك لا علاقة له بالدولة المركزية، أو لنقل كانت تعلم بكل ذلك وسمحت به. صارت المحافظة وضواحيها، ولا سيما مدينة بن قردان المتاخمة لليبيا، سوقاً ضخماً للسلع المهربة من ليبيا. أذكر جيداً أن زملائي من الذكور في الثانوية كانوا ينقطعون عن الدراسة بشكل جزئي أو نهائي ليعملوا في التهريب في "سوق ليبيا"، كما نسميه. كلنا تقريباً لا نستهلك إلا السّلع المهربة: مكسرات، أدوات مطبخ، سجاد، أقمشة، ملابس، إلكترونيات... كان ذلك عادياً جداً ولا يثير عندنا أي تساؤل.

أما الليبيون فكانوا يأتون للعلاج في المصحات عندنا، وللسياحة في جربة وجرجيس، وللحمامات الاستشفائية في الحامة، مسقط رأس والدي. من المشاهد التي ظلت عالقة في ذهني، مشهد فتيات ليبيات في جربة، يدخلن البحر عند الغروب وهن ينزعن أغطية رؤوسهن ويقهقهن بصوت عال كأنهن يحتفلن بحدث عظيم، حتى حلاقات الحي كنّ سعيدات باستقبال الزبونات الليبيات عندهن، لأنهن لا يتذمرن من غلاء الأسعار ويتركن بقشيشاً جيداً.

عندما اندلعت الحرب في ليبيا بعد ثورة 2011، كانت بيوتنا مفتوحة لاستقبالهم، فهناك الكثير من العائلات الليبية والتونسية المتصاهرة، ولكن هذا ليس كافياً في نظري لنكون بمعزل عن وطننا. والد جدي كان متزوجاً بليبية، وعندما توفي عادت إلى طرابلس وتزوجت هناك، ولكنها تركت ابناً لها لدى أهله في الحامة. كانت تأتي في حفلات الزفاف مع عائلتها الليبية، ولكن هي وبقية النساء كنّ محرومات من حضور السهرة، حيث كنا نرقص معاً، نساء ورجالاً، وذلك غير مقبول في الأعراف الليبية.

لذلك ما زلت أتساءل: هل نحن في الجنوب ليبيون كفاية أم تونسيون كفاية؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهة. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard