شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
لا أتخلّى عنكم من أجل حجاب، أنتم تبتزونني عاطفياً من أجله

لا أتخلّى عنكم من أجل حجاب، أنتم تبتزونني عاطفياً من أجله

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الجمعة 25 أغسطس 202301:03 م

قبل أن تختاري رجلاً ما، راقبي سلوكه مع دائرته القريبة، مع شقيقته، مع والدته. إن كان رجلاً حنوناً يقدّس والدته وأخوته الفتيات ويعاملهن باحترامٍ فائق ويقدّر أنوثتهن وأفكارهن واختلافهن، سيكون رجلاً رائعاً معك، فمن يكون صديقاً لشقيقته وسنداً لها في ضيقها، ومن يقف بجانبها حين تتعرّض لأقسى الصدمات، يحتويها ولا يُرعبها، أخاً شجاعاً يقبل على نفسه ما يقبل على أخوته، ويعرف تماماً أنها حرّة في قراراتها واختياراتها ويحقُّ له تقديم نصيحة لا أكثر، أخاً يفرح لسعادة أخوته، ولا يفضّل أن يستغبي نفسه بأكاذيبٍ غير صحيحة، لا يفضّل أن يتم اختراع سيناريو مليء بالكذب، لأنه سيتحول إلى وحش شرس يعطي أذنه لأيّ عابرٍ في الشارع، من يفعل هذا سيكون رجلاً جيداً لحبيبته.

اختاري دائماً رجلاً لا يفكّر يوماً بأن يفرض قوته على والدته وأخوته الفتيات، لا يرغمهنّ بأن يضغطن على أنفسهنّ ويقبلن بأشياء مدمرة بالنسبة لهم، فقط تحاشياً لكلام المجتمع ونظرة الأقارب، رجلاً يحترم حياتك الشخصية كما تحترمين حياته، يقف مع والدته دائماً لأنها العنصر الأضعف، يقف مع اختيارات المرأة ويواجه المجتمع لئلا تفعل شيئاً مرغمة.

احذري دائماً ممن يُحبّ استغباءه، من يرفض الحقيقة، من يحب الصورة الوهمية، من ينفجر البركان في رأسه إن سمع كلمة واحدة تذمّك، أو تتحدث بسيرتك، فهو لا يحتمل أن يضربه أحد بقيمه الحمراء ومفاهيم الشرف والعار والسمعة.

لم يكن أحد يفهم وجهة نظرها: أنا لا أتخلى عنكم من أجل حجاب، أنتم من تتخلّون عني وتبتزونني عاطفياً من أجل حجاب، هل يحتمل الأمر كل هذا الكم من الدراما؟

صفات الرجولة لا تتجزّأ أبداً، من كان رجلاً حقيقياً سيكون كذلك في جميع تفاصيل حياته، وهناك قاعدة سمعتها كثيراً وتيقنتُ منها لاحقاً: "من يكون في منزله فاجراً سليط اللسان، ويفرغ قوته وعقده النفسية بالنساء، ويقبل على نفسه ورجولته بأن يهين النساء ويشتمهن ويضربهن ويأخذ منهن أبسط حقوقهن، فهو خارج المنزل ليس سوى أرنباً، ربما يموت رعباً من صوت واحد، ومن يكون رجلاً حقيقياً والجميع يحسب حساباً له، يكون في منزله في قمة الرقي والحضارة والحنية والاحترام والتقدير للنساء".

لا تقعي ضحيةً للصورة التي يرسمها أمام المجتمع، لأن هناك شخصية لا تظهر إلا أمام الدائرة الضيقة من النساء، وبالتحديد الزوجة والأم والأخت، عندما يرتفع وعيك الاجتماعي ستلاحظين هذه التفاصيل ولن تهمليها أبداً، لأن تعامل الرجل مع النساء يكشف لكِ جوانب كثيرة من شخصيته، وهنا دورُ ذكائك في تحليل الموقف ومعرفة عقلية الشاب الذي أمامك، فهل هو رجل أم ذكر فحسب؟

أذكر صديقتي كانت عائلتها تدّعي التحرّر أمام الجميع، ولكن حين يمسّ الأمر سمعتهم يتحولون تماماً إلى أكثر كائنات شرقية يمكن أن تراهم، حينها كانت ترغب بخلع الحجاب إلا أن الجميع قام بابتزازها عاطفياً: "سنتبرّأ منك، سنجعل حياتك جحيماً أسود، سيقطعك جميع أقاربنا ويبتعد عنكِ كل من تحبين، ستكونين وحيدة وتلعني نفسك ألف مرة لأنك اخترت ألا تضعي هذا الحجاب، فقط من أجله تودّين أن تتخلي عن عائلتك؟".

لم يكن أحد يفهم وجهة نظرها: أنا لا أتخلى عنكم من أجل حجاب، أنتم من تتخلّون عني وتبتزونني عاطفياً من أجل حجاب، هل يحتمل الأمر كل هذا الكم من الدراما؟

وبعدما فقدت صديقتي صبر النقاش معهم، وبعدما استنفذت جميع الوسائل السلمية لخلع الحجاب بأقل الخسائر، لم تجد بصيص أمل مع عائلتها سوى أن تصدمهم بمخاوفهم، أن تضعهم تحت الأمر الواقع، وبالفعل بعدما أخذت دوشاً ساخناً بعد رياضتها في الجيم، وقفت أمام المرآة وقالت: "أنا جميلة، بالفعل أنا جميلة جداً، أحب نفسي هكذا، أحب رؤية شعري هكذا، أحب تطايره مع نسمات الهواء، هذه حقيقتي وهذه أنا التي أحب".

احذري دائماً ممن يُحبّ استغباءه، من يرفض الحقيقة، من يحب الصورة الوهمية، من ينفجر البركان في رأسه إن سمع كلمة واحدة تذمّك، أو تتحدث بسيرتك، فهو لا يحتمل أن يضربه أحد بقيمه الحمراء ومفاهيم الشرف والعار والسمعة

جاءها صوتٌ داخليّ يقول لها: "لقد حان الوقت، اذهبي الآن بدونه، دعي الشال في غرفة الملابس واذهبي خارجاً"، وحينها أرسلت لي رسالة على رقمي، وقالت: "مرحباً جنان، أنا خلعت الحجاب، بانتظارك في الزراعة في مقهى صباح ومسا".

حينما وصلت رأيتها متلهفة جداً، وفي ذات الوقت هناك تحد وخوف في عينيها. سألتها: "وعائلتك؟ أخوكِ؟ والدك؟ هل قبلوا وأخيراً؟ مُبارك لكِ". نفت ذلك قائلة: "لا، لا يعلمون بعد، سأضعهم تحت الأمر الواقع وأنشر صورتي على مواقع التواصل وبذلك سيعتادون على الأمر، وفي أكثر الاحتمالات يمكن أن أتعرض للضرب".

أخبرتها بأن النتائج غير مضمونة، ولا ندري ما هي المعتقدات التي ستضرب عائلتها، وماذا يمكن أن يفعلوا تحت تأثير هذه الصدمة التي تستهدف سمعتهم مباشرةً.

عندما وصلهم الخبر، أخذوها إلى المنزل، وتعهّد والدها بألا يضربها، والكارثة كانت هنا: لم تتعرّض لتعنيف جسدي، بل كانت الكارثة أن جميع أفراد عائلتها مُصابون بانهيار عصبي، الجميع يبكي، والدتها فقدت القدرة على الكلام، أصاب شفتها السفلى اعوجاج، والدها جالسٌ على الأرض ويبكي ويخبط على رأسه، وأخيها الأصغر مُصاب بدوار وضيق تنفس، أما أخيها الأكبر فانحنى على قدميها ويديها وأخذ يبكي ويطلب منها أن تلملم هذه الفضيحة لأجل كرامة وشرف والدهما، لأجل أن يمشي في الشارع مرةً أخرى دون أن يضع رأسه في الأرض. لقد ظهرت منه عاطفة خرافية وهو يتوسّل أن تتراجع عن قرارها، وحين رآها مصرة، هدّدها بأن يقوم بحلاقة شعرها على الصفر باستخدام ماكينة الحلاقة الرجالية.

إياكِ أن تصدقي بأنك مرغمة على أن تضحي بحقوقك الشخصية لأجل سعادة أحدهم المبنية على تجنّب كلام الناس، من يحبك سيرغب برؤيتك حُرّة، وتعيشين كما ترغبين، لا تكوني ضحيةً لمفاهيم التملّك والحب المشروط والابتزاز العاطفيّ

أما شقيقتها كانت ضحيةً مثلها ولكنها تلومها: "انظري حولك، أيستحق الحجاب أن تدمري عائلتك من أجله؟ أيستحق أن تصاب والدتك بالشلل ووالدك بجلطة دماغية وأخوتك الشبابِ بانهيار عصبي؟ أيستحق كل ذلك؟".

لم يفهم أحد بأن هذه المعاناة بسببهم، بسبب أفكارهم، هم من كانوا أسرى لدى هذه المعتقدات، لولا تشرّبهم لمفاهيم الشرف والعار والسمعة لما وصلوا إلى هذه المعاناة.

واليوم، صديقتي تعيش حقيقتها كما رغبت دائماً، تفعل جميع الأشياء التي تحبها ولو كانت ضد العادات والتقاليد، إنها جريئة وشجاعة، حاربت من أجل حصولها على حقها في رأسها، وظلت تحارب لتأخذ حقوقها الشخصية، لهذه الخطوات ثمن بالتأكيد، إنها أشبه بحرب.

ولكن هذه الحرب من أجل عائلتها بالدرجة الأولى، لأنهم سيبقون سجناء مخاوفهم لو لم يتمرّد أحد منهم، لو لم يصدموا بما يخشون، لو لم يجربوا هذه المواجهة بين السمعة ومخاوفهم لم يتعرّفوا الآن على القبول والمرونة. إن الناس تخاف ما تجهل، وتبتعد عن أي احتمال يجلب لها كلاماً ترفضه الناس، وربما تبقى أسيرة لخوفها أعوام كثيرة، ولكن الاصطدام بخوفها هو ما يساعدها على التحرّر.

إياكِ أن تصدقي بأنك مرغمة على أن تضحي بحقوقك الشخصية لأجل سعادة أحدهم المبنية على تجنّب كلام الناس، من يحبك سيرغب برؤيتك حُرّة، وتعيشين كما ترغبين، لا تكوني ضحيةً لمفاهيم التملّك والحب المشروط والابتزاز العاطفيّ.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard