شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
أنا أمّ وحيدة، خفّاش في الليل، دجاجة في النهار

أنا أمّ وحيدة، خفّاش في الليل، دجاجة في النهار

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الخميس 24 أغسطس 202311:15 ص

بداية، سأعرفكم عن نفسي: أنا الأم التي أعجز عن تسريح شعري في كل وقت أرغب فيه الخروج من المنزل، أظافري لا تحتاج للتقليم، تتكسّر كلّما حاولت أن تطول بسبب نقص الفيتامينات والمعادن في جسدي الذي أضناه الحمل والإنجاب والرضاعة، كذلك وجهي، أشعر به ينكرني ويسألني دوماً: من أنت، بكلّ هذه الهالات السوداء واصفرار الوجنتين؟

أعجز كلّما حاولت وضع مساحيق التجميل على وجهي، كأنما نسيت من أين أبدأ، أشعر بغرابة وجهي عند وضعها، بعد أن اعتدت على نفسي بهيئة "ربي كما خلقتني". أتحسّس أنوثتي سرّاً أمام المرآة علّني أجدها لأفرح قليلاً ببُشرى أمل قادم من بعيد. أعجز عن استقبال أحد في منزلي كما أرغب أن يروه بكامل الترتيب والنظافة. أعتذر عن حضور كل مناسبة أدعى لها مرفقة بعبارة "جنة الأطفال منازلهم".

أعجز عن زيارة أحد أو إخباره أني أود القدوم لاحتساء فنجان قهوة يعيد لي شعور العزوبية أو ما قبل الإنجاب، خشية التذمّر من وجود طفل "شاقق الأرض وطالع".

كل صباح، أستيقظ لأذهب لعملي فتبدأ الأفكار السوداء: أين أضع طفلي اليوم؟ مع الرفض التام من أبيه لمقترح الحضانة، وأيضاً غيابه لأيام وأشهر خارج البلاد، أستيقظ كل يوم وأردّد شعاري الأول والأخير: سأتوقف عن العمل.

أن أردتم معرفتي أكثر، فأنا من لا تستطيع النوم نهاراً أو ليلاً، يمكنكم أن تطلقوا عليّ لقب "خفاش الليل" و"دجاجة النهار". بين وقت العمل الصباحي ووقت تحضير الطعام، إلى وقت اللعب مع طفلي، ثم تذمّره ومتطلباته، إلى ترتيب ما خلّفه من اكتشافه لمحيطه، أؤجل أعمالي إلى الوقت الذهبي في نظري وهو المساء، متجاهلة نصائح الجدّات: "نامي على نومته".

لطالما كظمتُ غيظي من هذه النصائح التي تقدم لي بحبّ لكن دون فهم. لطالما فكرت بيني وبين نفسي، إن ذهبت للنوم في الوقت الذي ينام به طفلي ماذا يبقى لي؟ كيف سأكمل مسيرتي الأمومية وأنا على مدار اليوم أتعارك مع طفلي واحتياجاته؟

ما إن يحلّ المساء ويسبح طفلي في بحر الأحلام حتى أتجاهل نصائح الجدّات، وأبدأ باستحضار ما أجّلته من أعمال صباحية: من أين أبدأ؟

من ترتيب المنزل أولاً إلى تحضير الطعام ثانياً، ثم تحضير ما يتطلّبه مني عملي في صباح اليوم التّالي، إلى الحمام لأخذ دوش ظناً مني أنه سينعشني. أكاد أجزم أنه في كل مرة أدخل بها الحمام يستيقظ طفلي، ويتوجّب عليّ ارتداء ملابسي ثانية والذهاب لأطبطب على ظهره كي يعود إلى نومه من جديد، وأعود إلى وقتي الذهبي.

أعجز كلّما حاولت وضع مساحيق التجميل على وجهي، كأنما نسيت من أين أبدأ، أشعر بغرابة وجهي عند وضعها، بعد أن اعتدت على نفسي بهيئة "ربي كما خلقتني". أتحسّس أنوثتي سرّاً أمام المرآة، علّني أجدها لأفرح قليلاً ببُشرى أمل قادم من بعيد

لا أنكر أنه في بعض الأحيان أحسد طفلي على ما يناله من اهتمام مني، وأتمنى لو أني حظيت بمقدار بسيط مما أقدمه له بكل محبة وطواعية.

أنظر إلى الساعة وأخاف، لقد تجاوز الوقت منتصف الليل بساعتين، متى سأنام؟ كيف سأستيقظ مع طفلي وأمارس يومي بكلّ ما يتطلبه مني من صبر وطاقة؟ أقاوم قليلاً وأمتّع نفسي بكأس عصير بارد، دون أن يقطع متعتي نداء طفلي لدخوله الحمام.

أنا خفّاش الليل، حالي كحال جميع الأمهات اللواتي يسعين إلى تكوين نفس مستقلة سليمة، خصوصاً أني أعيش في هذه البيئة التي تفرض على الأم أن تكون ينبوعاً لا ينضب من المحبة والحنان والعطاء دون مقابل، لكن هل تساءلتم يوماً من أين لهذا الينبوع ألا ينضب دون أن يرتوي؟

لكل منا حياة تعيشها وأخرى تتمناها، تتمنى أن تعود يوماً عزباء بدون مسؤوليات، تعيش بين البينين، تارة تتمنى أن تجد مخرجاً من دور الأم وصعوباته وتارة أخرى تعيش في تأنيب الضمير على ما تقترفه من أفكار مضطربة أو مشوشة بحقّ أطفالها، وإن أردت أن أعرّف لكم هذه الأفكار المضطربة من وجهة نظر الأم، فهي فقط أخذ قسط راحة من رحلة المسؤولية اللامتناهية تلك.

أستطيع أن أعرّف هذه المشاعر بأنها مشاعر متناقضة ووجودها دليل حسن التربية و تنفيذ دور الأم بواجبها على أكمل وجه، لا أنكر مسؤوليتها أمام أبنائها ولا أطلب التقصير في حق الأطفال بتاتاً، لكن أريد أن أعرف كيف لتلك الصخرة أن تبقى هي نفسها، بعطائها وحنانها وصبرها، بحرمانها وحبها وحزنها، بابتسامتها وبؤسها، بكل المشاعر الفياضة من العطاء اللامتناهي، من أين تشحن طاقتها؟ كيف تستطيع الاستمرار في هذه المتاهة التي لا نهاية لها؟ كيف لذلك الدلو أن يبقى نازلاً صاعداً، مراراً و تكراراً، صيفاً شتاء، حباً وضعفاً، دون أن ينكسر أو يسرّب؟ كيف له ألا يتعب من دور الملبّي دوماً؟ ومن أين للأم أن يكون لها القدرة على إنشاء نفسِ مستقلة خالصة لوجه سليم، لا يحمل معه من ملامح البؤس شيئاً؟ كيف لشخص أن يبقى على وتيرة العطاء ذاتها دون تقصير أو تقليل مدى الحياة ودون مقابل؟

أريد أن أعرف كيف لتلك الصخرة أن تبقى هي نفسها، بعطائها وحنانها وصبرها، بحرمانها وحبها وحزنها، بابتسامتها وبؤسها، بكل المشاعر الفياضة من العطاء اللامتناهي، من أين تشحن طاقتها؟

تلك هي غريزة الأمومة، لكن كل شيء في هذه الحياة يحتاج للتغذية، حتى الأشياء الفطرية، كما الذكاء، كما الجمال، كما الرشاقة.

أما أنا ، فإليكم ما توصلت إليه من رحم ما أعانيه من رحلة الأمومة والقضية، تبدأ من هنا: قرّرت ووالد طفلي الانفصال، بعد الجهود المبذولة لإنعاش العلاقة لأجل سلامة طفلنا النفسية والاجتماعية، لكن رسينا على برّ الانفصال، كأفضل خيار توفر أمامنا وليس أفضل خيار بصورة عامة. لكن من اتخذ خطوة كهذه ولم يُعان من نتائج الانفصال لاحقاً؟

بدأتُ أرى النتائج شيئاً فشيئاً: "مفكّرة الطلاق حل مناسب إلك، فكري بأبنك ما تفكري بحالك"، "بكرا بيكبر ابنك وشو ما صار فيه من إيدك"، "تركتي جوزك لتربي ابنك؟ مفكرة الشغلة متل اختر الإجابة الصحيحة؟"...

هذه أبسط الأمثلة من بعض الكلام الذي وُجّه لي في أصعب الأوقات النفسية التي قضيتها. بدأت آثار اللوم تظهر عليّ عندما لم أعد أستطيع الموازنة بين العمل خارج المنزل وداخله، وبين الالتزام مع طفلي والالتفات لنفسي.

بدأت بالتقصير في كل الأمور مع القليل من بهارات الوهن النفسي، كأن أترك طفلي دون أن أقلم أظافره لعشرة أيام على التوالي، أو أن يستيقظ صباحاً طالباً مني تحضير الطعام له وأستقبله بالتذمّر و التأفف، أو أن أُماطل في مرحلة خلع الحفاض، أن أترك طفلي لساعات متواصلة على الهاتف دون الاكتراث لما يشاهده أو ماذا سأحصدُ من هذا الإهمال بحقّ طفلي ونفسي.

كأن أتعمّد الغياب عن وظيفتي دون الاكتراث بما سيحلّ بالأمور التي يتوجب علي الانتهاء منها، ودون الاكتراث بما سيتخذه مديري من إجراءات بحقي.

من خفاش أرّقه الليل لسنوات في سبيل التضحية والتكوين، من قطّة تحب أطفالها يوماً ويوماً آخراً تُبعدهم عنها، من بومةٍ سهرت الليالي في حضرة الحبّ الأبدي و الفطريّ، أصبحتُ الآن كطير "الرهام"، ليس باستطاعة أحد صيده

ترددت في كتابة هذه الأمثلة بداية الأمر خوفاً من رمي اللوم عليّ أيضاً أو اتهامي بالتقصير، لكن في نهاية المطاف وصلتُ إلى ما وصلت اليه الآن، تأنيب الضمير الذي لازمني لمدة ليست بالقصيرة ولا بالهيّنة جعلني أستيقظ من غفوتي الطويلة عن طفلي ونفسي.

عندما استفقتُ من غفلتي بسؤالي لنفسي عن كل ما يحصل لطفلي ولي: ألم اتخذ خطوة الانفصال لسلامة طفلي؟ أين طفلي من السلامة وأين أجدني من المسؤولية؟

صحوتُ من الأمر عندما مرض طفلي واضطررت لاصطحابه للمشفى. كان أول ما قيل لي بأني مهملة وكله بسبب تقصيري بحق طفلي، رغم أن مرض طفلي كان وراثيّاً، لكن الجهل كان أقوى من إدراكهم. وعندما فقد طفلي القليل من وزنه بعد المرض، كان ثاني ما قيل لي بأني لم أعد أهتمّ لصحّة طفلي الجسدية، رغم أن خسارة الوزن كانت بسبب اتباع حمية قاسية نوعاً ما أُعدّت تحت إشراف الطبيب.

أدركتُ أنه مهما حصل لي أو لطفلي، جيداً كان أم سيئاً، لن أنفذ من رشرشة اللوم في الكثير من الأحيان.

بأذن من طين وأخرى من عجين، بدأت أتعافى شيئاً فشيئاً، وانزاحت عني مشاعر الاضطراب، لأن البيئة التي أعيشُ بها تفرض على الأم أن تكون كالعيس تماماً، صابرة، راضية، ولأني كنتُ سابقاً روبوتاً تمت برمجتهُ بناء على ما تراه بيئتي، وكنتُ انتظر الدعم والمساندة، وراهنتُ على عدم القدرة على التحمّل إلا بمدّ يد العون ثم خسرتُ الرهان لاحقاً، وأدركتُ أني ما كُنتُ أراهن سوى نفسي، فلا تنتظروا الدعم والتصفيق على ما تعانوه من تقلبات حياة التربية و التنشئة.

و بما أني أدوّن نصي هذا في الساعة الرابعة فجراً، متقمّصة دور الخفاش، سأقدم لكنّ بعضاً من النصائح ربما، يمكن أن أسميها "طبطبة"، قبل أن يغرقني نصي في محيط الوقت، ويجعلني أتطفّل على حياة الخفّاش ليلاً وأغدو كدجاجة في الصباح.

من خفاش أرّقه الليل لسنوات في سبيل التضحية والتكوين، من قطّة تحب أطفالها يوماً ويوماً آخراً تُبعدهم عنها، من بومةٍ سهرت الليالي في حضرة الحبّ الأبدي و الفطريّ، من أمّ لم تعد تحمّل نفسها ما لا طاقة لها به، و اختارت أن تمارس حياتها بما تراه مناسباً لها ولطفلها، دون الاكتراث بما سمعته وتسمعه وحتماً ستسمعه لاحقاً، من أم اختارت أن تكون القدوة في عين طفلها ثمّ أحسنت بحق ذاتها وتجاهلت كلّ ما حدث ويحدث وسيحدث ، أصبحتُ الآن كطير "الرهام"، ليس باستطاعة أحد صيده.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard