شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"جوزي بيتهرب من العلاقة"... كيف يؤثر غلاء الأسعار على العلاقات الجنسية؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحريات الشخصية

الخميس 17 أغسطس 202311:00 ص

"أنا مش عارف أتجوز بسبب الوضع الاقتصادي"؛ هكذا عبّر حمدي، لرصيف22، عن شعوره الدائم بالوحدة بعد وفاة والديه والبحث عن الاستقرار، خاصةً أنه أكمل عقده الرابع، لكن مع غلاء المعيشة المتزايد في مصر وبسبب تكاليف الزواج الباهظة، تقلّ أمامه أي فرصة للارتباط.

في ظل رغبته الكبيرة في أن يشبع حاجاته الجنسية، قرر البحث عن علاقة جنسية سرّية، فتعرّف إلى فتاة عبر فيسبوك، تواصل معها هاتفياً ووافقت على أن تكشف له عن ثدييها دون أن يرى وجهها في مقطع فيديو صغير. تحمس للقائها، لكنها اشترطت عليه أن يدفع لها 100 جنيه مصري، أي ما يعادل 3 دولارات أمريكية. أرسل المبلغ المتفق عليه، وحينها أرسلت الفتاة عنوانها وحددت موعد اللقاء.

وبالفعل، ذهب حمدي إلى عنوانها المذكور، وظل لمدة ثلاث ساعات متواصلة يحاول الوصول إليها، لكنها لم تُجِب ومن ثم حظرته من التواصل معها: "دي كانت أول مرة يتنصب عليا وبعدها حرّمت".

والحقيقة أن ظروف عمل حمدي لا توفر له راتباً جيداً يجعله قادراً على الانخراط في مشروع زواج، فمع ارتفاع الأسعار التي تضاعفت مؤخراً، أصبح راتبه لا يكفيه بمفرده، فكيف هو حال مع الأزواج؟ وكيف يمكن أن تؤثر هذه الأزمة الاقتصادية على العلاقات الجنسية؟

"الوضع كان زيّ الفل"

"بالنسبة لي الجنس زي الأكل والشرب، أنا مبتفرقش معايا الظروف النفسية والاجتماعية. أنا راجل أحب انبسط وأدلع نفسي، أرجع من شغلي وأطلب من مراتي نعمل علاقة"؛ كان ذلك مبدأ عبد التواب (45 عاماً)، في الحياة، فهو يريد أن يعيش سعيداً ويمارس الجنس يومياً لو تتاح له الفرصة، لكنه لم يستطع الوقوف صامداً أمام الظروف الاقتصادية بعد أن انخفضت قيمة راتبه الشهري الثابت، وأصبح عاجزاً عن تلبية الاحتياجات الأساسية في منزله بعد "فوران" الأسعار.

"الجنس دا كان الحاجة الحلوة اللي كانت بتهوّن عليّا الأيام المرة، لكن مبقاش ليّا نفس فيها بسبب الظروف الاقتصادية، مبقاش حتى فيه علاقة كل أسبوع ولا كل اسبوعين"

وعن تأثير الوضع الاقتصادي على العلاقة الجنسية، قال لرصيف22: "قبل ارتفاع الأسعار، كان راتبي يكفي احتياجات البيت كلها ومصاريف الولاد، خاصةً إني ساكن في شقة ملك مش إيجار، فكل يوم كنت بعمل علاقة جنسية والوضع كان زيّ الفل".

أما بعد ارتفاع أسعار السلع المفاجئ وانخفاض قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي، وثبوت راتبه الشهري، فبات عبد التواب في توتر دائم، وتالياً، فإن الإرهاق المتزايد في التفكير قلّل رغبته في الجنس: "الجنس دا كان الحاجة الحلوة اللي كانت بتهوّن عليّا الأيام المرة، لكن مبقاش ليّا نفس فيها بسبب الظروف الاقتصادية، مبقاش حتى فيه علاقة كل أسبوع ولا كل اسبوعين".

الجنس والتوتر

في حديثه إلى رصيف22، أوضح الدكتور نبيل القط، وهو طبيب نفسي وعضو البرج الأوروبي للطب الجنسي، أن "هناك علاقةً وثيقة الصلة بين اتّزان الحالة الاقتصادية مع الحاجة الجنسية، بحيث كلما كان هناك استقرار في الحالة الاقتصادية، ازداد الطلب على العلاقة الجنسية".

وأكد القط أن المشكلات الاقتصادية لا تسمح للأفراد بتحقيق الأجواء المناسبة لقيام العلاقات الجنسية، كما أن النشاط الجنسي يتم عندما تكون عضلات الفرد مرتخيةً، وتحدث الاستثارة الجنسية عندما تكون عضلات الأعصاب في الأعضاء التناسلية مسترخيةً فتمتلئ بالدم، والعكس صحيح: "عندما يكون هناك توتر، لا يحدث انتصاب، كما أن الضغوط الاقتصادية والاحتياج إلى تحقيق الاكتفاء فقط وتلبية الالتزامات الأسرية تجعل الأفراد يضاعفون عملهم، مما يعرضهم للضغط النفسي والعصبي وكذلك الشعور بالتعب والخمول وانخفاض الرغبة في ممارسة الجنس".

"كلما كان هناك استقرار في الحالة الاقتصادية، ازداد الطلب على العلاقة الجنسية"

ونبّه القط إلى أن الأزمة الاقتصادية قد ينتج عنها فتور في الرغبة الجنسية لدى الذكور والإناث، مما يتسبب في حدوث الاضطرابات الجنسية، إلى جانب ممارسة العنف في أثناء ممارسة الجنس نفسه: "لأن المرء في هذه الحالة يحاول من خلال الممارسة الجنسية الحصول على تهدئة التوتر وليس الاستمتاع".

"فاكرة آخر مرة نمت فيها معاكي؟"

بالرغم من زواجهما الحديث نسبياً، إلا أن ارتفاع الأسعار تسبب في توتر العلاقة الجنسية بين عبير (24 عاماً)، زوجها، فبعد أن كان هناك لقاء جنسي بينهما كل يومين على الأقل، تراجعت رغبة الزوج الجنسية بشكل كبير، غير أنهما قررا مصارحة بعضهما البعض، وفق ما أخبرت عبير رصيف22: "سألني: فاكرة آخر مرة نمت فيها معاكي كانت إمتى؟ قلت له: منذ ما يزيد عن 20 يوماً، فبرر ذلك بالتعب المستمر".

لم يكن الدخل المادي الشهري للزوج كافياً لتلبية احتياجات المنزل والطفلة، لكن الأمور كانت تمضي بشكل شبه مقبول، إذ تستطيع الزوجة أن تؤمن احتياجات المنزل بـ200 جنيه في الأسبوع الواحد، أي بما يعادل 6.5 دولارات أميركية، لكن بعد ارتفاع الأسعار، أصبح هذا المبلغ لا يكفي: "قبل الغلاء، كنت بملا التلاجة جبن ولانشون، دلوقتي ممكن نقعد بالشهرين مندخلش السوبر ماركت أساساً".

أثرت أزمة الغلاء على متطلبات الطفلة أيضاً، فبعد أن كان سعر عبوة الحفاضات الشعبية أقل من 90 جنيهاً، أي ما يعادل 3 دولارات أمريكية، وصل سعرها إلى ما يزيد عن 200 جنيه مصري، أي أكثر من 6 دولارات أمريكية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار حليب الأطفال الاصطناعي، التي تضاعفت أيضاً، وكل هذه الالتزامات جلعت الزوج يهرب من لقاء زوجته أو التواجد معها في المنزل بعد انتهاء وقت العمل، على حدّ قول عبير: "الغلاء عمل جفا في المشاعر، حتى الكلمة الحلوة مبقتش أسمعها منه مش بس التقصير في العلاقة الجنسية".

الجنس... وسيلة هروب

في الواقع، إن الأداء الجنسي الجيد مرتبط إلى حدّ كبير بالحالة المزاجية المناسبة للممارسة والاستمتاع.

في هذا السياق، علّق الدكتور خالد عبد الفتاح، وهو أستاذ مساعد في علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة حلوان، على مسألة تأثير الأزمة الاقتصادية على الجنس، بالقول إن الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع يتسببان في حدوث ضغط نفسي وعصبي تحديداً على رب الأسرة، وهذا بدوره ينعكس على الرغبة الجنسية التي تنخفض بشكل واضح، بالإضافة إلى حالة التشاؤم السائدة التي أخذت تتصاعد في ظل عدم القدرة على مواجهة الغلاء المعيشي: "الأعباء الزيادة مع زيادة وعي الطبقة الوسطى تحديداً بتطورات الأوضاع الاقتصادية تأثيرها سلبي على الاستمتاع بشكل عام والاستمتاع الجنسي تحديداً".

"الغلاء عمل جفا في المشاعر، حتى الكلمة الحلوة مبقتش أسمعها منه مش بس التقصير في العلاقة الجنسية"

كما كشف عبد الفتاح، لرصيف22، عن استخدام الجنس كوسيلة للهروب من الضغوط الاقتصادية عند الطبقة الفقيرة، بمعنى آخر، يتحول الجنس إلى أداة تساعد في الهروب من الواقع ومن الضغوط، بالإضافة إلى الهروب من عدم التفكير في المستقبل.

هذا تحديداً ما حصل مع توفيق (35 عاماً)، الذي يعمل موظف خدمات: "بقيت ألجأ إلى الجنس بسبب ضيق المعيشة زي اللي بيشرب خمرة عشان ينسى همومه مش عشان يستمتع".

ويضيف في حديثه إلى رصيف22: "العلاقة الجنسية في حالة ضيق المعيشة هي تجربة ضعيفة وغير كاملة وقليلة على حسب المزاج".

خلافات وخصام وهروب من الجنس

كانت رقية، البالغة من العمر 27 عاماً، تجهّز أكلةً شعبيةً مصريةً ذات كلفة عالية قبل كل لقاء الجنسي، تصل إلى 300 جنيه مصري، أي ما يعادل 10 دولارات أمريكية، كوجبة محفزة على الجنس، لكن بعد ارتفاع الأسعار قامت بإلغاء هذه الأطعمة من المائدة لأنها أصبحت مكلفةً بالنسبة إلى راتب زوجها الذي انخفضت قيمته إلى النصف مقابل الأسعار الجديدة للمنتجات الغذائية.

قبل الغلاء المفاجئ، كان راتب الزوج، البالغ من العمر 32 عاماً، ويعمل في محل تجاري لبيع الأدوات الزراعية، كافياً لسد احتياجات أسرته، وفي بعض الأوقات كان هناك فائض عن الحاجة، وحينها كان مزاج الزوجين يسمح لهما بممارسة الجنس مرات عدة خلال الأسبوع، لكن الآن أصبحا في خلاف مستمر ووصل الأمر إلى مقاطعة كل منهما الآخر: "جوزي أصبح عنده مزاج سيئ دايماً ومش فايق لأي مشاعر وبعدين ما أنا عاوزة اللي يخرجني من الحالة السيئة اللي أنا فيها بس هو مكبر دماغه".

تعلق الأخصائية النفسية في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية في العباسية، أمينة أشرف، على هذه القصة خلال حديثها إلى رصيف22، بأن ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة تسببا في الضغط على الأزواج واختفاء الجانب الترفيهي للأسر: "دا غير الخلافات اليومية اللي بقت في كل البيوت بسبب المصروف أنه مش مكفي احتياجات البيت والأطفال".

وتحدثت أشرف عن استمرار المشكلات النفسية والعصبية بين الأزواج، وتزايدها في ظل ارتفاع الأسعار المتواصل مع ثبات الأجور والرواتب، مما يخلق بدوره حالةً من العجز النفسي وعدم القدرة على توفير المتطلبات الأسرية كافة ما يتسبب في حدوث الخلافات ويؤثر على الحالة النفسية.

تراجع مبيعات المنتجات الجنسية

أجّلت رحمة، البالغة من العمر 28 عاماً، فكرة الإنجاب بسبب غلاء المعيشة وعدم استقرار أوضاعها المادية هي وزوجها، خاصةً أنه يعمل موظفاً في قطاع خاص وراتبه ثابت ومنخفض مقارنةً بالأسعار المرتفعة الجديدة التي فرضتها الأزمة الاقتصادية. وبحسب حديثها إلى رصيف22، فإن راتبها وراتب زوجها لا يلبيان متطلبات المعيشة طوال الشهر: "المرتب اللي كان بيكفي 20 يوم في الشهر حالياً مش هيكفي 10 أيام، الزيادة بقت 120% خلال سنة، بمرتبي ومرتبه مش قادرين نقاوم الغلاء المعيشي".

حاولت رحمة وزوجها الاستغناء عن أشكال الرفاهية التي اعتادا عليها قبل الأزمة، كما أنهما حاولا إبعاد تأثير الضغوط الاقتصادية على علاقتهما الجنسية واحتياجهما الجنسي لكنهما لم يفلحا: "مفيش مهرب. غصب عنك لما الحياة الاقتصادية بتزنق علينا في المعيشة بنلاقي نفسنا ملناش مزاج لحاجة وأصبح عندنا تخوف من المجهول ومن المستقبل".

"الجنس وسيلة الترفيه الوحيدة أمام الفقير الذي لا يستطيع الاستغناء عنه، وكلما ارتفعت درجة الوعي والثقافة لديه، قلّ انجذابه نحو الجنس خاصةً في ظل ظروف اقتصادية سيئة"

في سياق تأثير الأزمة المعيشية على الإنجاب والرغبة الجنسية، أوضحت الطبيبة الصيدلانية فاطمة رسلان، خلال تصريحات خاصة لرصيف22، أن ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة في مصر، أثّرا على إقبال النساء على شراء حبوب منع الحمل التي تباع في الصيدليات، واستعضن عنها بالحبوب التي تُصرف مجاناً في الوحدات الصحية، كذلك توقفت بعض النساء عن شراء اللولب المانع للحمل، وأصبحن يذهبن إلى مراكز تنظيم الأسرة لطلب تركيبه مجاناً.

وأكدت رسلان، أن الطلب على المنكهات الجنسية والواقي الذكري والمنتجات الطبية المستخدمة في أثناء العلاقة الجنسية، تراجع: "الأفراد تراجعوا عن صرف الأدوية التي يشعرون مثلاً بأنها غير أساسية، فما بالكم بمنتجات الرفاهية الجنسية، بعد أن تحول الطلب من علب أدوية كاملة إلى شريط واحد الآن؟".

"الضغوط الاقتصادية مثل أي نوع من الضغوط تتسبب في فقدان الشغف لدى الأفراد وتؤدي إلى حدوث فتور في العلاقة الجنسية"؛ هذا ما قاله الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، لرصيف22، مؤكداً أن النساء أكثر تأثراً بضغوط الظروف الاقتصادية القاسية مقارنةً بالرجال، حيث تقلّ رغبة المرأة في ممارسة الجنس تدريجياً بسبب تخوفها من المستقبل وتوتر أعصابها.

ولفت فرويز إلى وجود علاقة طردية بين الوعي بالأزمة الاقتصادية والجنس، إذ كلما زاد وعي وإدراك الفرد بالغلاء وارتفاع الأسعار، أثّر ذلك على رغباته الجنسية: "الجنس وسيلة الترفيه الوحيدة أمام الفقير الذي لا يستطيع الاستغناء عنه، وكلما ارتفعت درجة الوعي والثقافة لديه، قلّ انجذابه نحو الجنس خاصةً في ظل ظروف اقتصادية سيئة".

ونصح جمال فرويز بضرورة أن يفهم المواطن أن الغلاء المعيشي أثّر على جميع الأفراد وليس عليه وحده، وعليه، يجب أن يعيد ترتيب أموره المالية وتنظيم الإنفاق حتى تظل علاقته الجنسية سليمةً دون أن يتعرض للمشكلات: "يجب على الإعلام أن يحاول طمأنة الناس ويقدّم لهم طرائق لترشيد استهلاكهم حتى لا يتعرض الفرد للاستهلاك النفسي وتنفد طاقته، وحتى يخفف من وطأة المشكلة وضغوطها على نفوس الأفراد".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

نؤمن بأن للإنسان الحق في التفكير وفي الاختيار، وهو حق منعدم في أحيانٍ كثيرة في بلادنا، حيث يُمارَس القمع سياسياً واجتماعياً، بما في ذلك الإطار العائلي، حيث أكثر الدوائر أماناً، أو هكذا نفترض. هذا الحق هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمعات ديمقراطية، فيها يُحترم الإنسان والآخر، وفيها يتطوّر وينمو بشكل مستمر. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا!/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard