هذا الجنس الجميل نوع من الثأر... شبق تحت ضوءِ دفاية الزيت

السبت 27 نوفمبر 202108:24 ص

المتوثب


في هذا المجاز نغامر ونتسلل إلى منطقة "الفنتازم" الخطرة، لنصطاد ما فيها من أغراض وصور واستيهامات ووساوس..نترك المخيلة تشكّل موضوعات الرغبة، تلك التي تتجاوز الشكل البشري نحو آخر، لا حقيقي، فيتشي.. فقد لا يثيرنا في الآخر هيأته الكلية بل تفصيل صغير كتعويذة؛ خصلة شعر، كعب عال، حركة وكلمة وشيء ما ماجن... هذا المجاز بتدبير أحلام الطاهر


استيقظت المرأة ذلك اليوم فوجدت نفسها قد تحولت لرجل. ليست أي رجل، بل زوجها.

عندما فتحت عينيها ورأت جسدها يتحرك بنعومة أمامها ظنّت أنها في حلم، لكنها أدركت بعد وقت أن يقظتها ممتدة. حاولت التكلم فخرج صوتها الرجولي، ففزعت. ثم نظر إليها جسدها الحقيقي، الذي كان في المواجهة، تلاقت أعينهما، فتنحى بعيداً تاركاً إياها في حيرتها. يبدو أن هذا التواطؤ  يحمل داخله معنى لم تفهمه بعد. أغمضت عينيها ولم تستطع النوم مرة أخرى، وتذكرت فجأة أنها رأت حلماً آمنت أنه يقلب حياتها رأسا على عقب:

كانت في يونيو، في عز الحر والرطوبة، والقاهرة تحولت إلى صندوق زجاجي مصمت وهي داخله، ورغم أنه مصمت ولا يحتوي أي نوافذ لكنه جارح، مدبب ومسنن، وهي  كلما تحركت جُرِحت. قالت: لو أن جراحي أفواه جائعة، ستكون شرهة وغاضبة، ولن يكفيها مجرد الأكل. وعندما تفوهت بكلمة " الأكل" شعرت أنه النجاة، فتخلت عن فكرة المقهى، ودخنت سيجارة، فشعرت بالجوع، وأرادت  أن تشتري سمكة تضعها على المنضدة، على مفرش حريري، تراها تدلي بزفارتها، بنسيج لحمها المتماسك، وعينها تحدق في مكان آخر، في لحظة الصيد، لحظة تعلقها بالصنارة، ثم ذهابها إلى العالم الآخر.  

قالت سألتقط صورة للسمكة، صورة حلوة للموت، وأعجبها التعبير "صورة حلوة للموت"، هذا التناقض يصنع الفن! الحلاوة والموت والصورة، والصورة التي تعني الماضي مثبتاً، قالت سأتفرج على الماضي أمامي، قالت سأعلقه على حائط الغرفة، بينما السمكة تُهضم في المعدة وتتحول لنسيج من أنسجة جسمها، وهذا يحولها إلى ماضِ تام، لقد أصبحت السمكة هي. وهي تحولت إلى سمكة.

استيقظت المرأة ذلك اليوم فوجدت نفسها قد تحولت لرجل. ليست أي رجل، بل زوجها... مجاز في رصيف22

مشت ومشت، حتى إن الطريق امتدت بلا نهاية، شعرت بدوار من طول المسافة. اندهشت من كل ذلك المشي، وهي التي كانت على بعد خطوتين من السوق، كيف امتد الطريق وأصبح عالماً؟ كانت وحيدة بشكل مروع والقاهرة مزدحمة، لكنها لا تستطيع الرؤية، وفجأة وجدت نفسها في سوق آخر، في مكان غريب، وكانت رائحة الدماء تصلها، بخار متصاعد من اللحم المسلوخ للتو، على الأدق من الحياة التي مازالت تنبض في الرأس المذبوح.

رأت دكان أبيها الصغير، حيث رصت أمامه فساتين مبهرجة، من النوع الذي لا تفضله، وجدت أخاها يتحرك بين الفساتين، قالت سأساعده على اختيار واحد لعروسه، لكن الفساتين أصبحت صغيرة جداً عندما اقتربت منها، تقلصت مقاساتها لتناسب طفلة. نبتت أمها من العدم ووقفت جوارها، واتفقتا على الذهاب لشراء اللحم الجديد، كان هناك موكب قادم، وجَمَل ملطخة فروته باللون الأخضر وفوقه جلس ثلاثة أشخاص، يغنون للجمل حتى يذبحونه.

 وقفت مع أمها مندهشتين، فكرت في التقاط صورة للموكب، وقالت إنها ستكون صورة يغلب عليها اللون الأحمر والأخضر، لكنها فجأة سمعت صوت الجمل مهتاجاً وهو يقول: "سأهد السوق على من فيه"، لأنه أدرك أنه ذاهب إلى الموت، لذلك بدأ في هز جسمه بعنف ليسقط الراكبين فوقه، لكنهم تشبثوا جيداً، فتحرك ناحيتها وأمها، وأسقط رأسه بكل ثقلها فوق رأس الأم. كان يحاول قتلها، فصرخت  بها أن تتحرك بعيداً، لكن الجمل سقط فوق رأسها هي، وأيقنت للحظة أنه قتلها، لكن أخاها احتضن الجمل، وأشهر سكينه وقال إنه مستعد للذبح الحلال. فنظرت لأمها وهي خائفة من نافورة الدم التي ستتدفق من رقبته المقطوعة والتي بالطبع ستغرق وجهها وملابسها. أغمضت  عينيها في لحظة الذبح، لكن عندما فتحتهما لم ترَ الدم، رأت لوناً أحمر هلامياً، بالتحديد بحر أحمر متجمد على الأرض،  ففهمت أن الذبح قد تم وأن الجمل قد مات.

بدأت معالم السوق تتضح أكثر، كان متسعاً وكانت هناك أقمشة من الخيش مربوطة تفصل بين بضائع ومساحات البائعين، من تحت إحداها لمحت ذيل حيوان كبير يتحرك. كان ذيل أسد. فهمت أن الأسد هنا لأن اللحم متوفر والدم يجلب المفترسين. وفكرت بسرعة في الجري لكن عندما تحرك الأسد وجدته ضبعاً، كان الضبع بهيكله المثني والملتوي يمشي بحرية وأمان بين البائعين، بل إنها لمحت أكثر من ضبع يسرح في السوق. وقتها فكرت أن الضباع قد تكون حيوانات أليفة لكنها لم تعرف ذلك من قبل، وفي أول السوق، فوق مكان أعلى، كأنه مسرح واطئ،  جلس جزار السوق الكبير على المسرح، حوله عُلقت هياكل الأبقار والجمال على خطافات، وقفت تتفرج على كتل  اللحم المتأرجحة وتشم رائحة نتنة، وكان الجزار يجلس بين كل هذا ويحتضن أسداً، يطعمه من اللحم النيئ وينظر للعالم باحتقار.

في الرؤى يعتبر الأسد موتاً، قالت ذلك لنفسها وشعرت بفراغ يجردها من روحها، حاولت البكاء لكنها وجدت نفسها تستيقظ وتذهب إلى الحمام لتحلق ذقنها، شعرت بخشونة هذا الجلد الجديد، ثم مررت يديها على الخصر النحيف المستوي، كان كل شيء جديداً وغريباً. وفجأة رأت جسدها الأنثوي يفتح باب الحمام، وعندما تلاقت أعينهما أغلقت المرأة الباب بسرعة وانسحبت، وفجأة شعرت بالدوار عندما استجاب جسدها الرجولي الجديد لإثارة ورغبة غريزية في جسدها الحقيقي. لقد أصبح الوضع لا يُحتمل.

رأت جسدها الأنثوي يفتح باب الحمام، وعندما تلاقت أعينهما أغلقت المرأة الباب بسرعة وانسحبت، وفجأة شعرت بالدوار عندما استجاب جسدها الرجولي الجديد لإثارة ورغبة غريزية في جسدها الحقيقي... مجاز في رصيف22

دخلت إلى حجرة النوم ولمحت صورتها القديمة تجلس مع الصغير أمام التلفزيون، ففتحت دولابها لترتدي فستاناً يناسب حر الصيف، وعندما نظرت في المرآة كان شكلها مضحكاً، كان الجسد الذي تحمله الآن مكتمل الذكورة ولا سبيل لإخفائه. فذهبت لدولاب زوجها، ارتدت تيشيرتا وبنطلوناً وتركت البيت بسرعة بلا وجهة محددة.

في الشارع كانت تقف أمام زجاج الفترينات لتتأكد أنها موجودة، لكنها كانت ترى زوجها، وللحظة قالت إنها قد تكون هو، لكنه من وطأة عذابه استبدل عقله بعقلها، وضع يده على صدره كأنه يفتش عن نفسه أو عن نفسها، كانت ذاكرة المرأة، شعورها بالأشياء وجنونها، كلهم بداخله، ولوهلة استوحش بساطته. كيف يفعل الحب ذلك؟ هل أحبها لهذه الدرجة، لقد تمنى أن يفهم ما بداخلها لكن لم يتخيل أن هذا سيحدث.

وأدرك أنه الآن استبدلها من داخله بنفسه، اقتنع بجسده والآن يريد روحه.

 حاول تذكر ما الذي حدث بالأمس، قبل التبديل والأحلام السوداء، تذكر حكايتها: كانت ممددة على السرير أفقياً، يتدلى رأسها للأسفل ويتأرجح شعرها على الأرض. بدت جميلة ومؤلمة، وقالت سأحكي لك حكاية، وهذه هوايتها. جلس على الكرسي جوارها وانتظر هذا الشيطان الذي يأتيها في رأسها فتحكي وتحكي، وتتحول لنساء كثيرات.

ثم اقترب منها، حاول تقبيلها فابتعدت، لكنه عندما امتلكها شعر أنه بلا جسد، أنه رياح قوية تندمج معها، وناما في خدر .

قال لنفسه: "ما الذي كانت تقصده بحكاياتها الملغزة، هل كانت تريد امتلاكي في كل مرة، هل كان حبي لها منبع هذا الاضطراب؟" ، وشعر أن هذا  الجنس الجميل الذي ينعم فيه، نوع من الثأر، من زهق الأرواح، من اقتحام ما لا يمكن الدخول إليه في النهار، ليدخلا إليه في الليل، في عتمة الأجساد المتألمة، المهشمة، العمياء. هي ممددة، بائسة وناكرة للألم والأمل، وهو ناكر للألم، فيستعدا لكامل الإنكار، كامل الإزاحة، بالجنس. الجنس سيأخذهم من البيت لساعة. ساعتين. ثلاث ساعات. أي وقت يرحلان وأي وقت يعودان.

أحس أن الاضطراب الذي داخله اهتاج أكثر من اللازم،  فبحث عن سجائره ولم يجدها، وأدرك أنه ترك كل شيء في البيت، وعند هذا الإدراك وجد نفسه في البيت مرة أخرى فجأة على سريره، نائم مع امرأته. مندمجان في قبلة طويلة. ولوهلة أبعد رأسه عنها وحدق فيها، فسحبته إليها برفق، فذهب معها مرة أخرى.

لكن هذا المشهد الجميل كأنه الحياة معصورة ومختزلة، كأنه ينسف كل ما قبله،  يجدد الدنيا، يبني ويهدم ثم يبني من جديد. هذا الجنس الشبق تحت ضوءِ دفاية الزيت، تحت ملاءات حريرية، بجسدين يتحركان بصخب ولهفة، بشوق المغرمين، كأنه سيبقى إلى ما لا نهاية، سيبقى حتى لن ينتهي أبداً. سيبقى كما الأحلام التي تأتي من عالمها المريع الواسع. هناك من أرض الجمال، من أرض الإبر المغروسة في القلوب، في جوف عتمة الأجساد، في التحوّل الذي يصيبها عندما تدخل أجساداً أخرى، في الأصالة التي تصبح عليها، رقتها الأصيلة، عنفها الأصيل، ووحدتها التي يجب. ستتمدد الظلال إلى الأبد، رغم الرغبة المخلصة للفناء.

 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard