شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!

"كانوا يعلمون"... ثلاثة أعوامٍ على جريمة بيروت و"جميعهم فوق العدالة"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

يُقال إنّ الوقت يمنح المرء مساحةً للنسيان، أو أقلّه للتأقلم مع ألمه، لكنّ أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت ينفون هذه المقولة، ويحملون لافتاتٍ كُتب عليها "لن ننسى"، و"وراءكم حتى تحقيق العدالة"، يطالبون بالعدالة لأرواح ودماء أبنائهم وإخوتهم؛ لـ214 ضحية ليسوا أرقاماً ولن يكونوا.

في الذكرى الثالثة لكارثة الانفجار المشؤومة، الأهالي لم ينسوا ومستمرّون في المطالبة بإحقاق الحقّ، كما غالبية من اللبنانيين رأوا مدينتهم تُدمَّر وأبرياء يموتون للا شيء، لكن أين هي اليوم الجهة المسؤولة عن ردّ الحقّ لأصحابه، أي القضاء اللبناني، من ملفّ التحقيق؟ وماذا حلّ بالمتّهمين والمستدعين والمشتبه بهم بالتورّط في بعض مفاصل القضية؟

"كانوا يعلمون"؛ هي التّهمة الأبرز التي تلاحق عدداً من السياسيين والمسؤولين، لكونهم كانوا على دراية بوجود كميات كبيرة من نيترات الأمونيوم مخزّنة داخل عنبر من عنابر المرفأ الكثيرة التي كُثر لا يعلمون عما فيها شيئاً.

لائحة المطلوبين والمتمنّعين

علي حسن خليل

علي حسن خليل الاسم الأبرز في اللائحة. نائبٌ في البرلمان اللبناني منتخب لولاية جديدة عام 2022، ووزير المالية السابق، يمثّل حركة أمل، أحد طرفي "الثنائي الشيعي"، أعتى المجابهين للمحقق العدلي في انفجار بيروت القاضي طارق البيطار.

في الثاني عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2021، أصدر القاضي البيطار مذكّرة اعتقال بحق خليل، بعد تخلّفه عن الحضور للاستجواب، وبعد أن أطلق مسار الملاحقات القضائية في تموز/ يوليو 2021، إثر الانتهاء من مرحلة الاستماع إلى الشهود، ووجّه كتاباً إلى مجلس النواب بواسطة النيابة العامة التمييزية، طلب فيه رفع الحصانة النيابية عن كلٍ من وزير المالية السابق علي حسن خليل، وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق، ووزير الأشغال السابق غازي زعيتر.

لم تنفّذ الجهات الأمنية بقيادة وزير الداخلية بسّام المولوي يومها قرار الاعتقال، لكنّ ما جرى بعده كان مسلسلاً جديداً لسفك دماء مواطنين لبنانيين، عند مستديرة الطيونة، حيث وقعت اشتباكات، أو كما يصفها حزب الله وحركة أمل "كمين الطيونة" الذي أودى بحياة 7 مواطنين من مؤيديهم، كانوا يتّجهون في تظاهرة نحو قصر العدل تطالب بكفّ يد البيطار عن التحقيق.

في أيلول/ سبتمبر 2021، توجّه مسؤول وحدة التنسيق والارتباط في حزب الله وفيق صفا، إلى قصر العدل للقاء رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبّود، وقدّم له طلباً بـ"قبع" القاضي البيطار وتغييره.

علي حسن خليل وغازي وزعيتر المدعومان من الثنائي الشيعي، لم يحضرا يوماً إلى التحقيقات. لأجلهما حصل "ميني" حرب أهلية في الطيونة. نهاد المشنوق وصف الحكومة بالتافهة لأنها حوّلت ملف التحقيق إلى المجلس العدلي

رُفض الطالب لأن عبّود عدّ أن مسؤول ملف التحقيق في قضية المرفأ قاضٍ مستقل، لا يمكن إخضاعه للضغوط السياسية، فيما رأى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، أنّه "يوظّف دماء الشهداء في خدمة أهداف سياسية، وأنه مستمر في أخطاء القاضي السابق، بل ذهب إلى الأسوأ".

غازي زعيتر

غازي زعيتر، وزير الأشغال العامّة السابق، هو رديف زميله في البرلمان ومجلس الوزراء وفي حركة أمل، علي حسن خليل. مرّت رحلة استدعائه بالمراحل نفسها تقريباً، والنتيجة واحدة: لم يمتثل أي منهما للقضاء، وعوضاً عن ذلك قدّما دعاوى "ارتياب مشروع" بحقّ القاضي البيطار، وسابقاً بحقّ سلفه القاضي فادي صوّان الذي جرى نقل الدعوى من خزائنه.

أدّى تراكم دعاوى سحب الملفّ من يد البيطار ودعاوى مخاصمة الدولة إلى عرقلة وتوقّف التحقيق لشهور طويلة.

زعيتر المتّهم اليوم بـ"الإهمال والتقصير والتسبّب بوفاة مئات الأشخاص"، مدعومٌ من الثنائي الشيعي أيضاً، والمفارقة أنّها ليست الشبهة الأولى حوله، إذ سبق أن ارتبط اسمه بملفّات فساد خلال فترة تولّيه الوزارة، من قبيل توظيف غير قانوني لا يحترم تضارب المصالح بين الدولة اللبنانية والشركات الخاصة، وهدر المال العام (نحو مليون و700 ألف دولار)، من خلال مناقصات تلزيم مواقف السيارات في مطار بيروت الدولي، وتكبيد الدولة خسائر فادحة في صفقات استنسابية مع شركات الطيران الخاصة.

نهاد المشنوق

في أيلول/ سبتمبر 2021، تقدّم وزير الداخلية والنائب السابق نهاد المشنوق، بطلب أمام محكمة الاستئناف لعزل البيطار، فرُفض طلبه، ويأتي اسمه ثالثاً في قائمة الوزراء المطلوبين للاستجواب والتحقيق.

عبّر المشنوق بعد أيام قليلة من وقوع الانفجار فقط، قائلاً إنّ "الحكومة تافهة وأتفه ما فيها تكليف المجلس العدلي"؛ هكذا بلور موقفاً مسبقاً من هذا المجلس الذي سيستدعيه للتحقيق.

بعدها بنحو شهر، صرّح المشنوق في مقابلة مع قناة الجديد اللبنانية بأنّ "القاضي طارق البيطار ليس المرجع الصالح لتحقيق العدالة، ومهمّته هي تطبيق القانون وعدم تجاوز الدستور وليس تغيير الطبقة السياسية"، غامزاً من قناة الدور الفرنسي الذي كان يؤديه الرئيس إيمانويل ماكرون حينها.

لم تصدر تصريحات المشنوق عبر الصحف والقنوات الإعلامية فقط، بل كانت دار الفتوى في بيروت منصّةً لها في العديد من المناسبات. وفي العام 2021 أيضاً، وردّاً على سؤاله حول استدعاء رئيس حكومة تصريف الأعمال الأسبق حسّان دياب إلى التحقيق، أجاب المشنوق: "إذا أمن الدولة مضيعين عنوانه للرئيس دياب فعنوانه دار الافتاء-الزيدانية بيروت"، مضيفاً: "خلّيهم يجوا يشوفوا إذا فيهم يلزقوا لصقاً على الباب تبليغ حدن أو إحضار حدن".

في شباط/ فبراير من العام الجاري، أكّد المشنوق أنّه لن يمثل أمام المحقّق العدلي قبل صدور قرار التمييز، إذ كان البيطار قد حدّد سلسلة جلسات تبدأ في السادس من شباط/ فبراير، وتستمرّ حتى 22 منه وعددها ثماني جلسات، لمجموعة من المدعى عليهم وعددهم 13، من بينهم أمنيون وقضاة، وفي مقدّمتهم الوزيران السابقان نهاد المشنوق وغازي زعيتر، لكنّ أيّاً من الجلسات لم تتمّ بعد المناكفات القضائية وعدم التوصّل إلى حلّ.

حسان دياب

بالحديث عن رئيس الحكومة السابق حسّان دياب، فهو أيضاً متّهم بـ"القتل على القصد الاحتمالي"، ولم يحضر جلسة استجوابه منذ بداية مسار التحقيق، بسبب "موانع دستورية تحول دون مثول رئيس الحكومة أمام القضاء العدلي"، وفق ما ورد في كتاب الأمانة العامة لمجلس الوزراء، لكنّ قاضي التحقيق عدّ أنّ لا قيمة قانونيةً للكتاب وأصدر مذكّرة إحضار بحق دياب.

حينها، قالت مستشارة دياب، ليلى حاطوم، إن الأخير "ليس لديه شيء جديد يقوله، وهو يرى أنه لا علاقة له بكل ذلك حتى يقرر البرلمان مسار العمل".

اللواء المتقاعد عباس إبراهيم، الذي يقول إنه يرى نفسه وزيراً للخارجية في المستقبل، يقول بكل صراحة إنه لم يحضر إلى التحقيق لأن "كان هناك خطر" أن يوقفه القاضي البيطار

رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، شارك في حملة اتّهام البيطار بـ"التسييس"، خصوصاً بعد ادّعائه على دياب.

يوسف فنيانوس

وزير الأشغال الأسبق يوسف فنيانوس يُعدّ من حصّة تيار المردة الذي يتزعمه سلميان فرنجية المرشح لرئاسة الجمهورية مدعوماً من حزب الله وحركة أمل و"حلفائهما"، رفض المثول أمام القضاء للاستجواب بعد استدعاء قاضي التحقيق له في تمّوز/ يوليو 2021.

تقدم وكيلاه في أيلول/ سبتمبر 2021 بدفوع شكلية، ومن ثم امتنع مجدداً عن المثول أمام البيطار، ما دفع بالأخير لإصدار مذكّرة توقيف غيابية بحقّه لم تنفَّذ لاحقاً بفعل الضغوط السياسية.

وفي 22 أيلول/ 2022 تقدم فنيانوس عبر موكليه بدعوى الارتياب المشروع بحق البيطار، ما أدى إلى تعليق عمله في الأشهر الأخيرة من 2021، بعد أن استجاب للدعوى رئيس محكمة الاستئناف بالإنابة القاضي حبيب مزهر.

تصعيدٌ قضائيّ يطيح بالتحقيق؟

في الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2023، وبعد أن أعلن المحقق العدلي استئناف التحقيقات إثر توقّفها لأكثر من 13 شهراً، قرّر النائب العام التمييزي في لبنان غسان عويدات، إطلاق سراح الموقوفين كافة في قضية انفجار مرفأ بيروت، دون استثناء، ومن بينهم مدير عام الجمارك بدري ضاهر، مع منعهم من السّفر ووضعهم في تصرّف المجلس العدلي.

كما ادّعى عويدات على البيطار بتهمة "التمرّد على القضاء واغتصاب السلطة"، فيما رفض الأخير التنحّي عن الملف عادّاً قرار عويدات "انقلاباً على القانون".

البيطار كان قد أخلى سبيل خمسة موقوفين، وادّعى على ثمانية جدد، لكنّ النائب العام التمييزي رفض قراراته "جملةً وتفصيلاً كون البيطار مكفوفة يده عن الملف".

في المقابل، يُطرح سؤال قانونيّ: كيف للقاضي عويدات، المدّعى عليه، اتّخاذ قرارات بالإفراج عن موقوفين؟ ثمّ كيف تبخّرت صلة القرابة التي تجمعه بالوزير زعيتر، والتي بسببها جرى إبعاده عن التحقيق، نهاية العام 2020؟

لا تخفي جهات سياسية عدّة حاكمة في البلد، دعمها للقاضي عويدات، بينما يواصل أهالي الضحايا والجهات الدولية الحقوقية مطالبهم بتحقيق العدالة في مسلكٍ قانونيّ لا تعطّله المهاترات السياسية.

أسماء جديدة في القائمة

أضيفت أسماءٌ جديدة إلى خانة الادّعاء هذا العام، غير الوزراء السابقين ورئيس الحكومة السابق والقاضي عويدات الآنف ذكرهم، وإلى اسمي المدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم والمدير العام لجهاز أمن الدولة اللواء طوني صليبا، وهي: رئيس المجلس الأعلى للجمارك العميد أسعد الطفيلي، والنائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، والمحامي العام التمييزي القاضي غسان خوري، وعضو المجلس الأعلى للجمارك غراسيا القزي، والقضاة غسان خوري، كارلا الشواح وجاد معلوف، علماً أنّ القاضي البيطار، وعند اتّخاذه هذه القرارات، استند إلى دراسة قانونية تخوّله استئناف مهامه، برغم كفّ يده مؤقتاً بفعل دعوى فنيانوس في ذلك الوقت.

والأمنيون أيضاً

على صعيد الجهات الأمنية، كان قائد الجيش السابق العماد جان قهوجي من القلائل الذين التزموا الحضور إلى جلسات الاستجواب في بداية مسار التحقيق، وتحديداً في 13 أيلول/ سبتمبر 2021، حين حضر الجنرال ومحاميه وجرت الأمور بسلاسة.

كيف للقاضي عويدات، المدّعى عليه، اتّخاذ قرارات بالإفراج عن موقوفين؟ ثمّ كيف تبخّرت صلة القرابة التي تجمعه بالوزير زعيتر، والتي بسببها جرى إبعاده عن التحقيق، نهاية العام 2020؟

استكمال التحقيق مع قهوجي كان يجب أن يتمّ في جلسة السابع عشر من شباط/ فبراير الفائت، لولا عرقلة التحقيق مرةً جديدة.

"كان في خطر يوقّفني القاضي بيطار"؛ هذا ما جاء على لسان اللواء عباس إبراهيم، في أحدث مقابلاته قبل أسبوعين، وذلك بعد رفضه المثول أمامه في كانون الثاني/ يناير الفائت، مؤكداً أنّ إمكانية توقيفه كانت كبيرةً جداً على غرار توقيف مدير الجمارك وضباط آخرين، علماً أنّ جهاز الأمن العام غير مسؤول عن البضائع التي تدخل إلى البلد، حسب تصريحه.

المدير العام لأمن الدّولة اللواء طوني صليبا، أدلى بإفادته أمام المدّعي العام التمييزي القاضي غسان خوري، ومثل مرّتين إضافيتين أمام القاضي فادي صوان؛ مرّةً بصفة شاهد وأخرى بصفة مدّعى عليه، لكن عند استلام القاضي البيطار الملفّ تغيّرت بعض مجريات الأحداث.

وضع صليبا نفسه في مواجهة أهالي ضحايا المرفأ، من خلال مقطع فيديو انتشر في منصّات التواصل الاجتماعي، يظهره في إحدى الحفلات وهو يرفع كأسه للمغنّي الذي يقول له ردّية: "أكبر قضيّة بتجيبا"، بالتزامن مع غليان قضية المرفأ والاستدعاءات القضائية.

لاحقاً عاد صليبا وتوجّه بحديث منفصل إلى الأهالي في كانون الأول/ ديسمبر 2021، يدعوهم فيه إلى توخّي العدالة والحقيقة بعيداً عن الفداء بـ"كبش محرقة"، عادّاً أنهم "لن يقبلوا بأن يكون أحد مظلوماً وهم ينشدون الحقيقة".

لم يُستكمل التحقيق مع صليبا كما مع أقرانه، بفعل تأجيله بعد الأزمة القضائية الأخيرة بين البيطار وعويدات.

منظّمة "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش"، عدّتا الإفراج عن كافّة المشتبه بهم في القضية خطوةً تظهر مدى التدخل السياسي المتفشّي في التحقيق الجنائي، ودعتا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لإصدار قرار طارئ لإنشاء بعثة محايدة لتقصّي الحقائق.

ورأت مديرة الشرق الأوسط في "هيومن رايتس ووتش"، لما فقيه، أنّ لبنان "قد يكون بلا رئيس، لكن ذلك لا يعني أن الدول الأخرى لا تستطيع أن تتقدم لقيادة حماية الحقوق الإنسانية للناس في لبنان. التقصير الفادح في توفير العدالة لضحايا انفجار مرفأ بيروت لن يؤدي إلا إلى تقويض الاستقرار وسيادة القانون في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ لبنان".

حتى الساعة، لم يُتّخذ أي إجراء قضائي محلّي أو دولي جديد، وجلّ ما يخافه أهالي الضحايا أن تدقّ الساعة السادسة وسبع دقائق غداً، ويحيوا ذكرى من فقدوهم بالدمع والورد ورفع الصوت، ثمّ يعودون أدراجهم دون أيّ نتيجة. الحقيقة الوحيدة الثابتة إلى الآن، أنّهم لن يتخلّوا عن ثمن شهادة ذويهم.


إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard