شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
طبيب للسلطان أم جاسوس لفرنسا؟... الرحالة الإيطالي، الشيخ منصور، في عُمان

طبيب للسلطان أم جاسوس لفرنسا؟... الرحالة الإيطالي، الشيخ منصور، في عُمان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتاريخ

الأربعاء 2 أغسطس 202312:48 م

لم تبُح السفينة التي حملته ورست به على شواطئ عمان بما إذا كانت رياح القدر هي من قادت الأشرعة نحو الموانئ العتيقة، وتلك الوجوه المتعبة والراضية، أو أنه تجرّع واختزل في داخله غدر البحر، لتطأ قدماه أرضاً أكرمته بينما يسنّ لها السكاكين. فهل كان عاشقاً مسحوراً بأساطير الشرق ومتشوقاً إلى لقاء الأرض البعيدة عن موطنه؟ أم كان جاسوساً؟ أم تراها تهمة تلاحق المستشرقين دوماً؟ لا أعلم إذا كنا سنحصل يوماً على أجوبة، فبعض صفحات التاريخ سقطت في بئر النسيان، إلا أن هذه الشخصية بكل ما فيها من جدل تستوقفك فهي تستحق إعادة النظر، وتأمّل تلك الرحلة وتفاصيلها، وأكاد أجزم أن هناك من سيكتب روايات عنها محاولاً تخيّل ما جرى وما كان.

في أوائل القرن التاسع عشر، حط الشيخ منصور في مدينة مسقط العمانية، ليقيم فيها عاماً كاملاً قبل أن يغادرها في العام 1810.

هو الرحالة الإيطالي فينزنزو vinzinzo. أطلق عليه سلطان عمان حينها سعيد بن سلطان، لقب "الشيخ منصور" ليبقى ذلك اللقب ملازماً له بين العرب

هو الرحالة الإيطالي فينزنزو vinzinzo. أطلق عليه سلطان عمان حينها سعيد بن سلطان، لقب الشيخ منصور ليبقى ذلك اللقب ملازماً له بين العرب، وربما أصبحت تلك العادة شائعةً بعد ذلك، فأصبحت لأبرز المستشرقين الأوروبيين ألقاب وأسماء عربية كالرحالة البريطاني ويلفر ثيسجر الذي أصبح "مبارك بن لندن".

يُعدّ كتاب الشيخ منصور واحداً من أقدم الكتب التي تناولت الحياة في عمان والعالم العربي، إلا أن شخصيته ظلت محل تساؤل يلفّها الغموض وتحيط بها الألغاز. يعرّف الرحالة الإيطالي بنفسه على أنه طبيب خاص لسلطان عمان سعيد بن سلطان، ولأنه لم يكتب عن تفاصيل تعارفهما وتدرّج العلاقة بينهما، لا نعلم كيف ولا لماذا سيصبح بعد أشهر قائداً عاماً لجيشه؟

يميل الدكتور محمود فاضل، الذي ترجم كتاب الرحالة والطبيب الإيطالي عام 1988، وصدرت الترجمة عن الدار العربية للدراسات، إلى الاعتقاد بأنه كان جاسوساً لصالح فرنسا. فكما هو معروف، الصراع بين إنكلترا وفرنسا كان قد وصل إلى ذروته، وما يزيد هذا الظنّ أن الشيخ منصور أو فينزنزو، اتُّهم مرتين بالعمالة لصالح فرنسا؛ الأولى في اليمن والثانية حين همس أحد الإنكليز إلى سلطان عمان ونبهه إلى أن "منصوركم" ليس سوى جاسوس لفرنسا.

يقول فاضل، في مقدمة الكتاب: "لا شك عندنا في أن تجواله لم يكن مجرد تسكع عابث لا هدف له، بل كان ملتزماً أو ملزماً برسالة يؤديها أو مكلفاً بمهمة ينجزها"، ويتابع في مكان آخر قائلاً: "القارئ لكتاب الرجل الطبيب يعجب من خلوّه من كل إشارة تتعلق بتطبيق هذه المهنة (مهنة الطب)، أو ممارستها، فالمؤلف لم يحدّثنا أبداً عن حالة واحدة عالج فيها السلطان أو أحد أفراد حاشيته أو أهله، كما لم يتحدث عن الأحوال الصحية في مسقط ولا عن طرائق الطب والعلاج فيها. وهي وأشباهها من الأمور يجب أن تجلب انتباهه، وأن تكون موضع اهتمامه وأن تكون لها الصدارة على غيرها في كتابه، إلا أن هذا الكتاب لم يذكر قضايا الطب والعلاج إلا مرات ثلاث فقط".

وبعيداً عن علامات الاستفهام المحيطة بالشيخ منصور، والشكوك التي لا دليل على صحتها أو عدمها، نتوقف عند مشاهده عن الحياة الاجتماعية في عمان وأحوال البشر فيها، والتي وثّقها قبل 214 عاماً.

سعيد بن سلطان... سلطان عمان

يبدأ فينزنزو كتابه بوصف السيد سعيد بن سلطان الذي رآه شاباً حسن الملامح، مربوع البنية، بشوش المحيا، فيّاض الحيوية، جذاب المعشر، وهذه من المرات النادرة التي يوصف فيها شكل صاحب الفضل في بناء وتطور الأسطول العماني التجاري والحربي بخلاف الرسم المتداول الذي ظهر فيه، وقد تقدّم به العمر. أما عن صفات شخصيته فيثني على إدراكه السليم للأمور ورغبته في الاستزادة من المعرفة، ويعزز أن ذاك هو ما جعله ميالاً إلى الاستفسار من الأوروبيين الذين يفدون إلى مسقط عن الأمور التي لا معرفة لأهل عمان بها.

يبدأ فينزنزو كتابه بوصف السيد سعيد بن سلطان الذي رآه شاباً حلو الملامح، مربوع البنية، بشوش المحيا، فيّاض الحيوية، جذاب المعشر.

ويواصل الرحالة الإيطالي مدحه سلطان عمان، وإنصافه لحبه الدائم للعدالة، كذلك رقّته التي وصفها بالشهيرة، ذاكراً أن أثرها لا يقتصر على المقربين إليه فحسب، بل يمتد إلى الجميع.

والجدير بالذكر أن النفوذ العماني في فترة حكم ابن سلطان امتد من عمان الداخل إلى مدينة بندر عباس في الجنوب الإيراني وجزيرة قشم وميناء مكران في إقليم بلوشستان، وصولاً إلى زنجبار في شرق إفريقيا.

مسقط

"محاطة من جميع جهاتها بجبال صخرية جرداء تعكس أشعة الشمس المحرقة"؛ هكذا كتب الشيخ منصور عن مدينة مسقط واصفاً حرارة الجو فيها بأنها لا تطاق حتى لسكانها الأصليين، ناهيك عن الأجانب الذين لم يعتادوا مثل هذا الحر القاسي في بلادهم.

أما عن الأكل والشرب، فلاحظ الرحالة والطبيب وجود بعض الآبار التي تؤمّن ماء صالحاً للشرب، كما أن الفواكه والخضروات متوافرة فيها، ومنها التمور والبرتقال والليمون. أما لحوم الماشية والدواجن فتباع بأرخص الأسعار والبحر يزوّدها يومياً بأطنان من السمك، وهو مع الرز والتمر قوام غذاء السكان.

يكشف فينزنزو عن أهمية ميناء مسقط وتفوقها التجاري في ذلك الزمن، قائلاً: "ليس على سواحل الخليج الفارسي كله مكان غير مسقط يستطيع تزويد السفن بحاجتها من الماء والغذاء، وهما الأمران الضروريان للحياة وربما يعزى تفوقها التجاري إلى قدرتها هذه".

مسقط والمدن الأوروبية

تعيد ليالي مسقط وسماؤها الخالية من الغيوم الرحالة إلى مدن أوروبا التي لم يرَ مكاناً في عمان يشبهها إلا "الميدان" الذي يقول عنه: "يبدو كالمدن الأوروبية من حيث اكتظاظه بالناس والتجار، وذلك هو الميدان الواقع إلى جوار دائرة الجمارك حيث تراه دوماً مزدحماً بالتجارة والسماسرة والكتبة والبحارة".

لم يلحظ الرجل في أثناء تجواله في مسقط سوى كنيسة واحدة قديمة بناها البرتغال عام 1530 م، كان مظهرها شبيهاً بالأديرة. يقول: "تُستعمل الآن مركزاً للمحاكم واسمها الحالي 'الكريزة'، وهو تحريف لكلمة أكريجا البرتغالية ومعناها الكنيسة. وهناك قلعتان برتغاليتان تحميان الميناء يطلق العرب على الأكبر بينهما اسم المراني، وعلى الأخرى اسم الجلالي".

يرى الرحالة أن هجرة الأجانب إلى مسقط كانت نتيجة ازدهارها التجاري، وأن التجار في مسقط كثر، وقد يزيد رأس مال البعض منهم على المليون دولار. كما يسكنها عدد قليل من اليهود وليس فيها أحد من المسيحيين عدا المسافرين العابرين.

الزيّ العماني

من المشاهدات التي دوّنها في الكتاب كانت مشاهد الأزياء السائدة في عمان قبل 200 عام، إذ يصف ملابس الرجال قائلاً: "اللباس المعتاد هو الجلباب من الكتان الأبيض أو الموسلين الرقيق مع عمامة لتغطية الرأس، ولكن اقتناء مثل هذا اللباس الثمين لا يتيسر إلا للميسورين من الناس فقط، أما فقراء القوم فهم هنا، كحالهم في أنحاء بلاد العرب، أنصاف عراة".

وعن الإزار الشهير في جنوب شبه الجزيرة العربية يضيف: "من عادة الرجال أن يشدّوا على أوساطهم حزاماً جلدياً شدّاً محكماً بحيث يترك أثره الدائم على أجسامهم، ويُستعمل هذا الحزام مخزناً للأوراق والمحبرة وريشة الكتابة والسكين، وكل ما يحتاج إليه العربي في حياته اليومية".

ويحكي عن النساء العمانيات كاشفاً أنهن لا يضعن النقاب على وجوههن، وأنهن يقلّدن في لباسهن لباس النساء الشرقيات، خاصةً منهن الغانيات الفارسيات اللواتي يفدن على مسقط ويُعتبرن من أجمل النساء في عمان.

يعرّف الرحالة الإيطالي بنفسه على أنه طبيب خاص لسلطان عمان سعيد بن سلطان، ولأنه لم يكتب عن تفاصيل تعارفهما وتدرّج العلاقة بينهما، لا نعلم كيف ولا لماذا سيصبح بعد أشهر قائداً عاماً لجيشه؟

ومما لفت نظر الرحالة مسحوق المحلب الأصفر الشائع الاستعمال والمستخلص من ثمار الشجر على قمم الجبل الأخضر في شمال عمان، فالنساء يصبغن أيديهنّ ووجوههنّ بالمادة المائلة إلى الصفرة. وعن علاقتهن بالأجانب يقول: "لا يقدمون على إقامة علاقات مع هؤلاء النسوة، لأن الدمار ولربما الموت هو النتيجة لمثل هذه العلاقات".

السجون

ومن الغرائب التي صادفها الرجل في عمان واستوقفته، السجون التي تكاد تكون خاليةً. وفي خلال عام واحد لم ينفَّذ حكم الإعدام إلا في شخص واحد وكان هندياً. يقول: "وكان من عادتي أن أزور السجون، فلم أكن أجد فيها أكثر من سبعة سجناء وفي مناسبة أخرى وجدت خمسةً فقط، كان اثنان منهم من العبيـد الزنوج، والثلاثة الآخرون عرباً وكانت جريمتهم جميعاً هي سرقة سادتهم أو عصيان أوامرهم. ولذلك فإن مهمة المحاماة في مسقط لا تغني عن صاحبها شيئاً.

السحر

أما حكايات السحر وأعاجيبه المنتشرة في البلاد، فيذكر ما سمعه عن قدرة السحرة على مسخ البشر عنزاً وأنه بسبب ذلك الاعتقاد عندما يشتري أحدهم عنزاً عليه أن يدقق كثيراً في ملامح ذلك الحيوان وأعضائه ليتأكد من خلوه من علامات معيّنة تكشف عما إذا كان حيواناً أصيلاً أم إنساناً ممسوخاً!

ويضيف الرحالة الإيطالي أن إحدى القصص التي سمعها مفادها أن عنزةً كلّمت سيّدها بالعربية الفصحى، ورجته ألا يذبحها، كما أن أحد الرجال الموكلين من السلطان بخدمته ذُعر مرةً حين رآه يضرب أحد هؤلاء السحرة الذي قال له إن ما يمنعه من ممارسة سحره ضده هو خوفه من غضب السلطان عليه.

يبقى سرّ الشيخ منصور أحد ألغاز هذه الأرض إلى الأبد، وربما يأتي من ينصفه بعد أكثر من مئتي عام وأكثر، أو من يعرّي حقيقته، وهنا لا نتّهم ولا ندين بل نستعرض فقط ما وصل إلينا من تلك الأوراق المتناثرة من سير هذه البلاد العتيقة وحكايات من مروا بها.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard