شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
تزايد الانتحار بين أطفال تونس... ما الذي يدفعهم إلى

تزايد الانتحار بين أطفال تونس... ما الذي يدفعهم إلى "اليأس الأكبر"؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والطفولة

الاثنين 26 يونيو 202301:22 م

في الخامس عشر من حزيران/ يونيو الجاري، أقْدَم طفل عمره ثماني سنوات، من أحد أرياف مدينة المزونة في محافظة سيدي بوزيد (وسط غرب)، على الانتحار شنقاً على غصن شجرة قريبة من منزلهم.

حادثة بدت مروعةً لوالديه وعائلته الذين لم يستطيعوا بعد استيعاب ما جرى، وظلوا يطرحون أسئلةً حارقةً ومحيرةً تتردد بلا إجابات؛ كيف يُقدم طفلهم الصغير جداً على هذا الفعل الشنيع؟ ما الذي دفعه لإنهاء حياته مبكراً؟ من سيتحمل مسؤولية موته؛ هم أم الظروف الصعبة أو الدولة التي نسيتهم منذ عقود؟ كيف أدرك وهو في هذا العمر معنى الانتحار إلى حد التفكير فيه وتنفيذه؟

انتحار أطفال متكررّ في تونس

انتحار طفل المزونة، ليس الحادثة الأولى من نوعها في تونس، بل تأتي في ظل تتالي حوادث انتحار الأطفال في السنوات الأخيرة، وتحوّلها إلى مشهد سائد خطير يستوجب الدراسة للوقوف على أسباب إقدام أطفال في عمر صغير على إنهاء حياتهم بطرق مختلفة، وإيجاد الحلول الكفيلة بالحد من استمرارها لا سيما أن الأرقام الرسمية المعلنة في هذا الشأن تدقّ ناقوس الخطر.

يقول إسماعيل، أحد جيران طفل المزونة، معلّقاً على الحادثة لرصيف22: "إن مجرد التفكير في انتحار طفل عمره ثماني سنوات، يبعث على الهلع ويفرض على السلطات ضرورة أخذ ما جرى على محمل الجد واستيعاب أن السياسة المتبعة إزاء مدننا الداخليّة لا تحصد أرواح الشباب فقط، بل تنتقل تدريجياً إلى أطفالنا. فهذا الطفل يعيش في ريف فقير يحتاج إلى المشي مسافات طويلة يومياً في طريق مهترئة ليصل إلى مدرسة رثة بلا سور حتى، وتفتقر إلى أي فضاء ترفيهي كفيل بأن يخفف عبء تعب الطريق إليها، ويكون عامل جذب إليها، كما لا تتوفر أي مكتبة عمومية قريبة ولا حتى متجولة. وتالياً، فهو فاقد كل ما من شأنه أن يجذبه إلى الحياة وكل ما يجعله راغباً فيها في وقت يعيش فيه نظراؤه في الوطن نفسه حياةً أخرى لا شك أنه قد رآها ولو عرضاً على مواقع التواصل الاجتماعي".

انتحار طفل المزونة، ليس الحادثة الأولى من نوعها في تونس، بل تأتي في ظل تتالي حوادث انتحار الأطفال في السنوات الأخيرة، وتحوّلها إلى مشهد سائد خطير

لا أحد يدري حتى الآن، حسب إسماعيل، السبب الذي دفع الطفل إلى الانتحار ولم تسفر التحرّيات المتواصلة حتى الآن عن أي تفسير يُذكر لما حدث.

هل التنمّر المدرسي سبب في الانتحار؟

يأتي انتحار طفل المزونة بعد نحو شهر من انتحار قاصر عمره 17 سنةً، داخل أسوار أحد المعاهد الثانوية في محافظة القيروان.

ففي العاشر من أيار/ مايو الماضي، اتصل أحد أقارب الضحية بحارس المعهد الثانوي في رقادة (القيروان) مساءً طالباً منه البحث داخل المعهد عن ابنهم الذي لم يعد إلى البيت. ولدى بحثه تفطّن إلى وجود جثة التلميذ الذي كان يدرس في السنة الثانية آداب متدلّية في مستودع في المعهد يخصَّص لتجميع التجهيزات والمعدات التي لم تعد صالحةً للاستعمال.

بعد التحرّي، تبيّن أن التلميذ كتب قبل انتحاره بأيام قليلة تدوينةً على صفحته في فيسبوك، قال فيها: "رغبتي في الابتعاد عن البشر تزداد يوماً بعد يوم"، وهو ما عُدّ نيّةً مسبقةً لديه للانتحار. وحتى الآن لم يتم البحث جيداً في أسباب هذا الانتحار، خاصةً أسباب اختيار المعهد كمكان لتنفيذ هذه الخطوة البشعة، وتم التعاطي معها كحادثة انتحار عابرة، باستثناء تقديم بعض الرعاية النفسية لأصدقاء الطفل، خاصةً من شاهدوا جثته.

هناك غياب للمتابعة النفسية لأطفال الذين تراودهم أفكار انتحارية ، وغياب لأي مجهود من أجل معرفة أسباب محاولات الأطفال وضع حد لحياتهم

رغم أن الأسباب الحقيقية لهذا الحادث تظل مجهولة، فإن هذا التعاطي مع الحادثة، دعا رئيس جمعية أولياء التلاميذ، رضا الزهروني، إلى ضرورة الانتباه إلى مثل هذه الحوادث الخطيرة وفتح تحقيقات معمقة حولها لأن الضحية برأيه قد لا يكون اختار مكان انتحاره عبثاً بل ربما لأسباب تخص الوسط المدرسيّ. ويوضح رأيه بالقول: "إن اختيار الوسط المدرسي للقيام بهذه الخطوة، مردّه أن الصدمة متأتية من المؤسسة التربوية، سواء تعلّق الأمر بالنتائج المدرسية، أو بمشكلة مع أحد أو بعض زملائه أو أساتذته. زد على ذلك، أن هناك بعض السلوكيات الخطيرة سواء بين الأطفال، وأحياناً تكون صادرةً عن المدرِّس ويتم التعامل معها باستخفاف وأبرزها التنمر، في حين أنها قد تقود التلاميذ إلى الانتحار، فضلاً عن الخوف من الإخفاق الدراسي. وهنا يجب أن تكون العائلة حاضرةً لتربية أبنائها على تجنّب التنمر على الآخرين، وتوعيتهم بخطر هذا السلوك من جهة، وأن تلتزم الأطر التربوية أيضاً بعدم الانزلاق في هذا السلوك وتوعية الأطفال حول مخاطره، ومن جهة أخرى تخفف الضغوط من أجل النتائج الدراسية".

أرقام الانتحار في تونس

وكانت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن آمال بالحاج موسى، قد أعلنت في الـ18 من أيار/ مايو الماضي، أن الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2023، شهدت 8 حالات انتحار في صفوف الأطفال، بمعدل حالتين شهرياً ونحو 102 محاولة انتحار، 80 في المئة منها في صفوف الإناث، والعدد الآن أصبح 10 بعد انتحار طفل المزونة، وطفل القيروان.

في العام الماضي، كشفت أرقام حديثة لوزارة المرأة والأسرة التونسية، عن تصاعد حالات الإشعار بمحاولات انتحار الأطفال بأكثر من 38 في المئة خلال الأشهر الـ11 من عام 2022، مقارنةً بعام 2021، إذ حاول 269 طفلاً وضع حد لحياتهم، بينما انتحر 21 آخرون فعلاً.

في عام 2017، أحصى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 4،859 عمليةً أو محاولة انتحار خلال ثلاث سنوات في أنحاء البلاد، وكشف أن عدد الأطفال هو الأكبر في هذه القائمة.

أمّا إحصاء عام 2018، فرصد 281 حالة انتحار ومحاولة انتحار نفّذ الذكور غالبيتها، وبينها 45 حالةً لأطفال دون الـ15 من العمر. وخلال الأشهر الستة الأولى من العام التالي (2019)، أعلن المنتدى عن انتحار 24 طفلاً تقلّ أعمارهم عن 15 سنةً.

كما أفادت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، في بيان أصدرته في السابع من حزيران/ يونيو الجاري، بأن المكاتب الجهوية لمندوبي حماية الطفولة تلقت خلال الفترة الممتدة بين 25 نيسان/ أبريل 2023 و25 أيار/ مايو الماضي، 2،540 إشعاراً حول تهديد مصلحة الطفل الفضلى.

يرى المتخصص في علم الاجتماع الدكتور الطيب الطويلي، أن هناك جملةً من العوامل المتضافرة على رأسها الإعلام، وبدرجة أقل الفقر، أدت إلى تزايد حالات الانتحار في تونس

من بين حالات التهديد، تم تسجيل 679 حالة تقصير بيّن ومتواصل في التربية والرعاية، و782 حالةً من اعتياد سوء المعاملة، و162 حالة إهمال وتشرد، و68 حالة فقدان سند عائلي. وبلغت حالات الاستغلال الجنسي، حسب البيان نفسه، 196 حالةً، و18 حالة استغلال في الإجرام المنظم، و33 حالةً من الاستغلال الاقتصادي والتعريض للتسول، و602 حالة عجز عن الإحاطة والتربية.

ويرجح المتحدث الرسمي باسم منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر، أن يكون عدد محاولات الانتحار وحالات الانتحار المنفذة أكبر مما تعلنه السلطات أو المجتمع المدني، لأن العائلات لا تصرح بمحاولات انتحار أبنائها، لا سيما الأطفال، لأنها تخشى المساءلة القانونية والوصم الاجتماعي.

وفي ظل عدم تقديم دراسات دقيقة، سواء من طرف الدولة أو من المجتمع المدني تحدّد أسباب تفاقم هذه الظاهرة، يذهب بعض المختصين في علم النفس وعلم الاجتماع في تونس إلى تحميل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي المسؤولية عن توالي هذه الحوادث، في ظل غياب الدولة.

وهذا ما يؤكده رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل الدكتور معز الشريف، الذي يقول لرصيف22: "هناك إجماع على أن الإعلام مسؤول عن انتحار الأطفال بهذه الوتيرة الخطيرة، ذلك أن المختصين قد حذّروا من تناول قضية الانتحار إعلامياً أو على الأقل توخي الحذر لدى طرحها، لأن الأطفال سريعو التأثر وغير قادرين على فهم مثل هذه المسائل بعقلانية ووعي كما هو الشأن لدى الكبار".

وانتقد الشريف لا مبالاة السلطات إزاء الأطفال الناجين من محاولة الانتحار، إذ أكّد غياب المتابعة النفسية لهؤلاء الأطفال من طرف مندوبية حماية الطفل، وغياب أي مجهود من أجل معرفة أسباب محاولات الأطفال وضع حد لحياتهم، بهدف إيجاد علاجات وحلول. وهو يعتقد أن هذه السياسة الخطأ في التعاطي مع هذه الحوادث الخطيرة هي التي أدت إلى تفاقمها وارتفاع أعداد الأطفال المنتحرين أو من حاولوا الانتحار لتصبح ظاهرةً غاية في الخطورة على حد تعبيره.

من جانبه، يرى المتخصص في علم الاجتماع الدكتور الطيب الطويلي، أن هناك جملةً من العوامل المتضافرة على رأسها الإعلام، وبدرجة أقل الفقر، أدت إلى ظهور هذه الظاهرة المرعبة حسب وصفه.

وقال موضحاً: "بعد الثورة، أصبح هناك توجه متعمد لتسليط الضوء بشكل كبير على الظواهر الإجرامية في وسائل الإعلام، خاصةً التلفزيون، والتي كانت سابقاً مسكوتاً عنها في إطار سعي الدولة لتحجيم سلبيات المجتمع وتضخيم إيجابياته. فالانتحار أصبح فعلاً عادياً في الإعلام التونسي تم تبسيطه وتسطيحه، خاصةً في المسلسلات التونسية التي أصبحت تصوّر المجرم كبطل جميل وضحية، وتتعمد تمرير مشاهد للانتحار في سياق رومانسي حتى يبدو وكأنه حدث يستحق التجربة. والخطير أن هذا التوجه لم يأتِ عرضاً أو في عمل وحيد بل أصبح توجّهاً وخياراً لدى بعض القنوات لجلب أكبر عدد من المشاهدين، وطبعاً في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي يصير الأطفال عرضةً لهذه المشاهد التي لا يفهمون جوهرها في الغالب، ويحاول بعضهم محاكاتها في أحيان كثيرة معتقدين أنهم سيعودون إلى الحياة بعد الانتحار".


من الشائع أن تُراود الإنسان أفكار انتحارية، وليس هناك ما يدعو للشعور بالخزي؛ فأنت لست وحدك. إذا كانت تراودك أفكار انتحارية، فلا تكتمها في نفسك، لأنك لربما تحتاج إلى شخص ثقة تتحدث معه. وقد يكون شخصاً تعرفه أو شخصاً يعمل لدى الخط الهاتفي المخصّص للدعم النفسي في محيطك/ بلدك. تحدث معه/ا، لا تخف من الوصم.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard