شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
سحر الأعشاب والتوابل في الشرق... هل هناك حقاً علاج بالرائحة؟

سحر الأعشاب والتوابل في الشرق... هل هناك حقاً علاج بالرائحة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والتنوّع

الاثنين 26 يونيو 202310:53 ص

تندرج هذه المادة ضمن ملف "أسرار الروائح الشرقية"

لم يكن طريق الحرير مجرد وسيلة اقتصادية للربط بين الشرق والغرب، فنهر القوافل الذي تدفق بينهما شكل مكسباً كبيراً للأفراد والدول من جهة، وبفضله أصبح للتبادل الثقافي معنى من جهة أخرى، كما للجغرافيا الاقتصادية والسياسية، إضافةً إلى تطور الكثير من الصناعات ووسائل النقل، كان هذا كله حاضراً في مراحل زمنية مختلفة طالما ظل الطريق مزدهراً، ولقد جلب معه أيضاً إلى المناطق العربية وأوروبا، العديد من الأساطير والرومانسية والسحر، التي ارتبطت بالأعشاب والتوابل. وهو سحر ما زال قائماً حتى اللحظة، في الطب والتجميل والعطارة.

سر الخلود عشبة

وفق أسطورة جلجامش، وهي من أقدم النصوص المكتوبة حول العالم، فإن أول حضورٍ موثق تقريباً حول أهمية الأعشاب الطبيعية ارتبط بالخلود، من خلال النبتة التي خاض جلجامش الأهوال للحصول عليها، وفي نهاية مغامرته الطويلة والمثيرة سرقتها منه أفعى. وبما أن هذه الأسطورة تتحدث بشكلٍ رئيس عن محاولة الإنسان لفهم وجوده وموته، فإن النباتات احتلت في بدايات الوعي البشري مكانة كسلاحٍ لمواجهة الموت أو المرض، وهذه ليست مسألةً بسيطة، لأن "التغلب على الخوف من الموت محرك البشر للتطور والتقدم عبر التاريخ" بحسب ما تراه الباحثة والكاتبة كارين أرمسترونغ في كتابها "تاريخ الأسطورة". 
وفق أسطورة جلجامش، فإن أول حضور موثق تقريباً حول أهمية الأعشاب الطبيعية ارتبط بالخلود، كان من خلال النبتة التي خاض جلجامش الأهوال للحصول عليها، وفي نهاية مغامرته الطويلة والمثيرة سرقتها منه أفعى

وإذا لم يكن هذا كافياً لتفسير أهمية الأعشاب قديماً، فمن الجدير النظر إلى دورها المقدس في الجمال والبقاء منذ بدايات ابتكار مهنة العِطارة لدى الكهنة الفراعنة الذين كانوا يضعون في بعض توابيت المومياوات "لائحة من القواعد لصناعة مستحضرات التجميل انطلاقاً من الأعشاب والنباتات والزيوت العطرية" وفق ما تذكره المتخصصة بالصيدلة د. عفاف معكرون في كتابها "أعشاب الطبيعة، صحة وجمال".
في الكتاب نفسه، تشير الطبيبة إلى أن التداوي بالأعشاب تطور أكثر بفضل التجارة والتواصل بين الحضارات وظهور الترجمة، مما أسهم في تبادل الحضارات اللاحقة كاليونان والعرب والرومان معارفها في طب الأعشاب وفي العِطارة. كما انتشرت "نظرية التواقيع" التي تعني باختصار أن شكل النبتة يدل على قيمتها العلاجية "فالسورنجان تستخدم مثلاً لعلاج النقرس وآلام المفاصل، وشكلها يشبه شكل أصابع الإنسان". 

حين يمتزج السحر بالكيمياء

على مدى قرون، ازدهرت مهنة العطارة، وظلت الأعشاب حاضرة في الطقوس الدينية وكعلاجات للعديد من الأمراض إضافة إلى دورها في التجميل، وحضورها في طعام الشعوب كتوابل اعتمدت عليها حضارات الهند وإسبانيا والبرتغال في التجارة، وتسببت في العديد من الاكتشافات الجغرافية والعلمية. ولعل أفضل تلخيص لأهمية التوابل الاقتصادية والسياسية والثقافية تكمن في مقولة الأديب الإنجليزي جون دريدن "نجابه العواصف في طريقنا نحو ثروة الشرق، وبعد أن تظهر الأراضي ممتدة أمامنا، لا مكان للخوف، انزعوا الخوف من قلوبكم، لأن رياح التجارة سوف تهب بالأمان، وستوصلنا إلى شاطئ التوابل".
هذه المقولة، التي مجد فيها الكاتب التوابل، من سكر وقرنفل وفلفل أسود وزنجبيل وغيرها الكثير، لم الكاتب والمفكر بيري ساندرز في كتابه "اختفاء الكائن البشري" من القولإن "الاكاديمية الملكية البريطانية تبنت منذ منتصف القرن التاسع عشر تطوير مادة المورفين المستخرجة من نبات الخشخاش، ومعالجتها كيميائياً من أجل تخفيف الآلام وجلب السعادة لمستخدميها". ولقد تسببت فكرة صنع دواء السعادة هذه لاحقاً بابتكار "مواد مخدرة منها الهيروين" وفقاً للكتاب نفسه. 
الصراع بين العلم الغربي والعلم الشرقي حول جدوى العطارة الدوائية وقوة العلاج بالرائحة أو بالأعشاب كان ولا زال محتدماً  منذ قرون 
وبتطور علم الصيدلة والابتكارات التكنولوجية وصولاً إلى ذروة العصر الصناعي في القرن العشرين، فإن الكثير من الأعشاب دخلت في صناعة الأدوية ومواد التجميل ووصفات الطعام حول العالم ومنها مثلاً "الديجيتالين" الذي يستخدم كمنظم لدواء القلب، والذي بدأ استخراجه من نبتته عام 1869. لكن، ورغم هذا التقدم الذي يسبقه إرث تاريخي كبير للأعشاب، فإن الاعتراف بطب الأعشاب الطبيعية بصورة مستقلة عن الكيمياء والتجارب العلمية، واجه حروباً واسعة في العديد من الدول، قادتها شركات أدوية ومختبرات أبحاث طبية وأطباء، حتى أن الأكاديمية الفرنسية مثلاً، لم تعترف بطب الأعشاب قبل عام 1986، وما زالت تضع العديد من المحاذير على العديد من أنواع الأعشاب كعلاجات، وكذلك بريطانيا وأمريكاودول أخرى. وفي مقال "الحرب ضد العلاج الطبيعي" المنشور في موقع "ا بي اس" يتضح نوعاً ما أن صراعاً كبيراً لا يتوقف بين أنصار الحقائق العلمية وشركات الأدوية، ضد من يعملون في العلاج الطبيعي والتداوي بالأعشاب.
وغير بعيدٍ عن هذا السجال، يجلس العطارون في محالهم، ويتعاملون مع الناس يومياً، ووفق ظروف مختلفة، فماذا قال اثنان من أشهرهما لرصيف22 حول هذا الأمر؟ 

الكل يريد، ولا أحد يعرف

بسؤاله حول الأعشاب الطبيعية المستخدمة في الطعام وفي العلاجات الشعبية التقليدية، يقول شادي قويدر، المسؤول عن محل عطارة "حريز" الموجود وسط العاصمة الأردنية عمان منذ 1950، إن "الأعشاب عموماً، ومنذ زمن توارثنا المهنة عن أجدادنا، باقية تقريباً كما هي، فليس منها ما اختفى أو انقرض على حد علمي، لكنها تختفي إذا ما اختفى الطلب عليها، وتنتشر إذا ما كثر الناس الذين يطلبونها، ومعظم التوابل التي توضع في الطعام معروفة بنكهاتها وبعض فوائدها".
ويضيف لرصيف22 في أجابته حول التداوي بالأعشاب: "نحن لا نقدم الأعشاب الطبيعية كأدوية، ونلتزم فقط ببيع الناس ما يطلبون، ولا نصف لهم العلاجات، ننصحهم فقط بالحديث عن الفوائد المعروفة لبعض النباتات، غير أن الأمر كان غريباً مثلاً حين انتشر فيروس كورونا".
أما إسلام الحن فقد ورث العمل في محلات "الحّن" للعطارة، الموجودة منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي في عمان أيضاً، يقول لرصيف22: "انتشار فيروس كورونا عام 2020، جعل الطلب على نبتة نجمة اليانسون كبيراً إلى درجة أن سعرها تضاعف عدة مرات، بوصفها تقي من كورونا".
وبالعودة إلى شادي، فإنه يتذكر أنهم كانوا يبيعونها فقط كما يبيعون الزعتر أو الشاي الأخضر، ولكل من يطلبها، فهي توجد في السوق بشكل دائم، أما العلاقة بينها وبين الوقاية من فيروس كورونا فهو "مجرد ترند" غالباً، قد يكون طبيب أو مختص بالعلاجات الطبيعية أو شخص من المشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي روج له لا أكثر. 
ساهمت جائحة كورونا بعودة الناس للإقبال على طب الأعشاب بكثرة، يقول أحد العطارين في العاصمة عمّان إن الطلب الكبير على أعشاب بعينها مثل "نجمة اليانسون" جعل سعرها يتضاعف أكثر من مرة   
ويضيف قويدر "يحصل هذا بين مدة وأخرى، فقد يروج للشيح أنه يحمي الكلى، أو أن نبات الراوند مفيد لمرضى السكري". وهنا يعلق إسلام "لا يهتم الناس بالحقائق عموماً، بل وينسون الاستخدام الأصلي لبعض أنواع الأعشاب،فما أن ينشر شخص ما شائعة أو معلومة بخصوص نوع منها حتى يزداد الإقبال عليه، رغم أن الكثيرين لا يجيدون استعمالها بشكل صحيح، وعلى فرض أن لها فائدة محددة، فإننا ننصحهم باستعمالها باعتدال وعدم إهمال نصائح وتعليمات الأطباء".
وبشكل عام، ينهي قويدر حديثه بالقول إن الناس يبحثون عن حلول أخرى ربما، فالأدوية قد تشفي بعض الأمراض أو تخفف من آثار بعضها، لكن كثيرين يحلمون بالشفاء التام من بعض الأمراض المزمنة أو حتى للتجميل، لذلك "يلجئون للنباتات والأعشاب على أساس أنها طبيعية وقديمة، وموثق لبعضها منذ عصور، لكنا كعطارين لم نقل يوماً أنها تشكل بديلاً عن الأدوية التي يصفها الأطباء". 
انتشر العلاج بالرائحة في الوصفات القديمة، فشم بخار اللافنذر والبابونج له تأثير مخفف على المشاكل الصدرية، لكنه ليس علاجاً سحرياً كما يقول علم العطارة 

ويذكر إسلام مسألة التداوي بالرائحة، فيقول إن "اللافندر والبابونج وغيرها من أعشاب، تنقع ويقوم الشخص باشتمام بخارها للتخفيف من المشاكل الصدرية والإنفلونزا ولأجل إراحة الأعصاب لا أكثر، وليس لها أثر سحري، وهيما زالت موجودة ومستخدمة، لكن ليس على نطاق واسع، ربما للسبب ذاته، وهو أن مسألة الاهتمام بنبتة معينة، لا تعود لمعرفة الناس بها، بقدر ما تعود إلى انتشار موضة معينة".
وفي النهاية، ربما ورغم التطور في علم الأدوية، وانتشار أنواع كثيرة منها لمعظم الأمراض، غير أن النباتات والأعشاب التي عرفها البشر منذ القديم، لا تزال تلقي بظلالها على العديدين، إذ هي رمز الخلود والجمال والشفاء عند هؤلاء، ولكن دون دليل مطلق على قيمتها الصحية، فهناكمن يخلط القديم بالحديث والسحر بالكيمياء في مزيج من الشك واليقين. وربما يشكك البعض في نجاعة بعض الأدوية المصنعة أو بعض الأعشاب مثلاً، فنحن البشر منذ زمن أرسطو وأفلاطون، لم نتجاوز الصراع بين ما نعتبره طبيعياً، وبين ما نعتبره غير طبيعي.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهة. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard