شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
رافقوني وكشفوا عن حياتهم في إيران… في رحلة بالسيارة من الجنوب إلى الشمال

رافقوني وكشفوا عن حياتهم في إيران… في رحلة بالسيارة من الجنوب إلى الشمال

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي

الجمعة 2 يونيو 202305:11 م

تمتد مساحة إيران جغرافياً إلى مليون و600 ألف كيلومتر. أردت قطع مسافة ألف و600 كلم منها بالسيارة، أي من الأهواز في الجنوب الغربي إلى مشهد في الشمال الشرقي. حينها قررت أن أصطحب معي أفراداً أوصلهم إلى وجهتهم التي تتناسب مع وجهتي وذلك لقضاء بعض الوقت معهم والتعرف عليهم وعلى حياتهم اليومية.

كان الراكب الأول شاباً وسيماً في الـ25 من عمره، هو جندي في وحدات الجيش، يقضي شهره التاسع من الخدمة العسكرية الإلزامية وعليه أن يقضي 15 شهراً آخر.

شرح لي الجندي راتبه: "أستلم نحو ثلاثة ملايين وخمسمئة مليون تومان كراتب شهري (حوالي 69$). وهذا لا يسدد القليل من احتياجاتي". لم يكن ذلك محسوماً بالنسبة لجميع الجنود، فتختلف الرواتب حسب مواقع أداء الخدمة وحالتهم الاجتماعية، ولكن يمكن القول إن أعلى راتب يتقاضاه هؤلاء هو أقل من حدود راتب العامل البسيط.

لم تكن إيران اليوم بحاجة ماسة لهذا الكم من الجنود، وبرغم المخالفات الكثيرة، إلا أن "القوات المسلحة" لا توافق على إلغائها أو تعديلها بما يتناسب مع الوقت الراهن. كثيرون انتحروا أو قُتلوا أو قتلوا زملاءهم جراء تعرضهم للضغوط النفسية

ولكي أخفف عليه، ذکرته بما کانت عليه الأوضاع من قبل، فأخبرته أنني كنت أستلم في سنة 2017، نحو 400 ألف تومان من ثكنة اللواء المدرع ومقره الأهواز، وهو ما يعادل 30 دولاراً وقتذاك.

ما أحرجه ليس هذا فحسب، بل سوء المعاملة من قبل الضباط: "يعاملون الأمي وصاحب الشهادة الجامعية، بطريقة واحدة"، إذلال وتحطيم نفسي يمارسونهما ضد الجنود، لا سيما إذا ما كان الضابط أقل شأناً من حيث التعليم.

أصبحت الخدمة العسكرية إلزامية لفترة سنتين للرجال منذ عام 1925، ويطلق عليها النظام "الخدمة المقدسة" و"الواجب الوطني"، أما شرائح المجتمع المعارضة للفكرة، يسمونها "الأسر" و"العبودية" و"الإجبارية". ومن هنا جاءت تسمية ابنة عمتي "إجبارية"، حيث ولدت قبل 5 عقود حينما ذهب والدها إلى "الإجبارية"، وهي التسمية التي كانت تشتهر لدى الأهوازيين.

لم تكن إيران اليوم بحاجة ماسة لهذا الكم من الجنود، وبرغم المخالفات الكثيرة، إلا أن "القوات المسلحة" لا توافق على إلغائها أو تعديلها بما يتناسب مع الوقت الراهن. كثيرون انتحروا أو قُتلوا أو قَتلوا زملاءهم جراء تعرضهم للضغوط النفسية، والحكاية مستمرة رغم مرور قرن كامل.

كان هذا الجندي عربي من عشيرة بني تميم، يقطن بمنطقة صفي آباد في مدينة دَسبُول (أو دِزفُول) في شمال الأهواز، وقد درس اللغة العربية في جامعة كِرمانشاه الحكومية، كما درست شقيقاته المحاسبة والإدارة التجارية في جامعات حكومية أيضاً. وعندما سألته عن رغبته في استكمال دراسته الجامعية قال لي بالحرف الواحد: "لن أستمر، فهو لا ينفع من أجل العمل".

ترجل بعد 120 كلم، وسألني باللهجة الأهوازية: "كَهُوجِي؟"، ويقصد: هل أنت من هواة القهوة؟ قلت: "لا". فأكد أن أكون من هواتها في الطريق كي لا أنام، وشرح أنه نجا للتو من حادث مروري إثر غفوته لثوان، فتحطمت سيارته وانكسر بنصر يده اليمنى.

العودة من الإضراب العام

اتجهت نحو المدينة الأخرى التي تقع على طريقي، إنها الصالحية (أو أنديمِشْك). حين وصلت إلى عتبة نهاية حدودها، أركبت أحد الواقفين على حافة الطريق.

رامين هو 26 عاماً، عائداً من الإضراب العام العمالي في إحدى شركات البتروكيماويات في مدينة عَسَلوية جنوب البلاد. هناك ما يزيد عن 4 آلاف عامل توقف عن العمل وغادر المصانع والشركات احتجاجاً على النسبة المتواضعة في زيادة رواتبهم (27 بالمئة) خلال السنة الإيرانية الجديدة.

"نظمنا وقفة احتجاجية أمام الشركة، كما هو الحال في باقي الشركات. ثم قررنا أن نغادر نحو مدننا. وربما سيستمر الإضراب لفترة شهر كامل حتى تتحقق مطالبنا"؛ هكذا قال رامين الذي درس الرياضيات في جامعة حكومية ثم أكمل العسكرية وتوظّف قبل شهرين دون أن يستلم راتباً حتى الآن.

تجتاح البلاد حالياً موجة إضرابات عمالية حول فقدانهم الأمن الوظيفي، إذ يطالبون زيادة رواتبهم بنسبة نحو 79٪؜، نظراً للتضخم المتزايد الذي يعصف المجتمع.

تجتاح البلاد حالياً موجة إضرابات عمالية حول فقدانهم الأمن الوظيفي، إذ يطالبون بزيادة رواتبهم بنسبة نحو 79٪؜، نظراً للتضخم المتزايد الذي يعصف المجتمع، فالرواتب التي تدفع كل شهرين أو ثلاثة وأحياناً تصل إلى كل 5 أشهر مرة واحدة، لا تسد جوعاً.

ما يضاف إلى رواتب موظفي القطاع الحكومي والخاص، والمتقاعدين منهم في بداية العام الإيراني لم يتغير حتى نهايته، أما نسبة التضخم فهي في زيادة بشكل أسبوعي وهذا ما يزيد من محنتهم بمرور الوقت.

وتحدث أحد المسؤولين إلى وكالة إيرنا الحكومية: "ثمة مطالب طرحها العمال، بعضها يتم تلبيتها والآخر كزيادة الرواتب لا يسمح لنا القانون، ومع ذلك فاستمرار مغادرة العمل بعد أسبوع، يأتي بتحريض وتهديد بعض المعارضين. إننا نوظف 4 آلاف عامل جديد بدل هؤلاء الذين تركوا وظائفهم".

سألت رامين عن مدى نجاح الإضرابات، فحدثني إن لم يوافقوا على زيادة الرواتب بالنسبة التي نريدها، لن يعود أحد لوظيفته، كون الرواتب لا تغطي تكاليف الحاجيات الأساسية، ناهيك عن أنها لا تحفز العامل على العمل، وبهذا يكون ترك الوظيفة أفضل من استمرارها.

الطبيعة والكباب اللُري

سيترجل رامين في مسقط رأسه، مدينة خُرّم آباد، مركز محافظة لُرستان، ومعظمهم من قوم اللُر (اللّور) أو الألوار. ولهؤلاء القوم مثل محلي يقول: "أينما وجدت مداخن البيوت شغالة، فتلك ضمن حدودنا. إنهم يعشقون المشويات ويتفننون بإعداد مختلف أنواع الكباب، وهو حاضر في موائدهم مرتين أو ثلاث مرات كل أسبوع، خاصة ذلك الذي يعد من لحم الماعز، كما وصف لي رفيق طريقي.

تضم المحافظة سلسلة جبال زاكْرُس (Zagros Mountains)، فهي جميلة بجبالها الشاهقة وشلالاتها وينابيعها وأشجار البلوط فيها وجوّها البارد واحتضانها للحيوانات الفريدة. أخذ رامين يحدثني على الجماليات والطبيعة والتقاليد هناك، مؤسفاً على عدم اهتمام الحكومة بلُرستان وناسها الذين يعانون من البطالة.

ترجل العامل المضرب عن العمل بعد 170 كلم، ونصحني بأن أصطحب معي راكباً آخر. لم أفعل ذلك لكي أتمتع قليلاً بسماع حلقات بودكاست تتحدث عن تلوث البيئة وأزمة المياه الخانقة وعدم اكتراث البلاد بما شاهدته من طبيعة خلابة رائعة.

وصلت إلى مدينة أراك وسط البلاد، وأخذت قسطاً من الراحة في مجمّع استراحة المسافرين، وعلى المدخل كانت تقف فتاتان جميلتان تحملان حقيبة ظهر ثقيلة ومجموعة كتب ملونة. اعترضت إحداهما طريقي بترحيب مناسب، وبدأت تسوق لكتبها. معظم ما كانت تمتلكه من كتب كان في مجال علم النفس والروايات الأجنبية الشهيرة والمهارات والإدارة، ومن هذا القبيل. كتب تطبع بثمن بخس دون رخصة من ناشرها أو كاتبها أو مترجمها، وتعتبر فرصة عمل مناسبة بالنسبة للكثير من السيدات اللواتي لا يردن أن ينخرطن في مهنة أخرى أو لا يجدن وظيفة جيدة.

الجالية الأفغانية ومِحَنها

من مدينة أراك ركب معي شاب في الـ18 من عمره كان متوجهاً نحو قرية "شهوه" في ضواحي المدينة. قد أنهى عامه الدراسي، وحين استفسرت منه إن كان سيدخل الجامعة أم لا؟ رد بحسرة: "أود هذا ولكن يجب أن أعمل".

كان علي من الجالية الأفغانية التي تعيش في إيران، والتي تقدر بنحو 5 ملايين نسمة، ازداد حضورهم بعد سيطرة حركة طالبان على بلادهم. يعمل الشاب مع والده كعامل بسيط في حقل بناء المنازل. وإذا ما أراد أن يدرس فعليه دفع تكاليف باهظة للجامعة، حاله حال الأجانب، بينما هم (المواطنون الأفغانيون) مشردون، ولم يملكوا سوى قوت يومهم.

التاكسي في السينما والثقافة العامة

"أولاً يعتبر التاكسي من أهم الأماكن الهامة لتكوين المعرفة الشعبية وفهم المجتمع والحياة اليومية فيه، وهي ما تسمى المعرفة الشعبية. ثانياً إنه يبرز الذوات الحقيقية للمواطنين، ففيه يعبّرون عن آرائهم بحرية أكبر"؛ نقطتان تلخص غاية الباحث الاجتماعي محمد حسام مظاهري، حول قضاء 10 سنوات من البحث والدراسة عن النقاشات والحوارات التي تدور في التاكسي.

ومن هنا جاءت "قصص التكاسي" للكاتب والمخرج سروش صحّت، التي نشرها في عمود أسبوعي بصحيفة "اعتماد"، حيث نجح في تسجيل اللحظات العابرة ورسمها من جديد.

كان علي من الجالية الأفغانية التي تعيش في إيران، التي تقدر بنحو 5 ملايين نسمة، وازداد حضورهم بعد سيطرة حركة طالبان على بلادهم. يعمل الشاب مع والده كعامل بسيط في بناء المنازل

وعلى هذا الغرار جاء فيلم "عشرة" (2002)، للمخرج الإيراني عباس كِيَارُستَمِي، حيث تدور كل مشاهد الفيلم داخل السيارة. الفيلم مكون من عشر محادثات، وكل فصل منه عبارة عن جولة بالسيارة تقوم بها السائقة التي هي بطلة الفيلم مع أحد الأشخاص. تكشف لنا المحادثات بالتدريج طبيعة حياتها الاجتماعية بالإضافة إلى وضع المرأة في المجتمع الإيراني.

"السيارة هي مكاني المفضل، مقعدان مريحان، وحوار في غاية الحميمة بين شخصين، يجلسان بجوار بعضهما وليس قبالة بعضهما، دون أن يضطر أحدهما إلى النظر في عيني الآخر. إنهما في هذه الحالة يتواصلان على نحو أفضل. للصمت في السيارة منطق مختلف. بوسعنا أن ننظر إلى الخارج، لكن هذا لا يعني أن الحوار انتهى"؛ هكذا شرح المخرج كيارُستَمي.

أما المخرج جعفر بَنَاهِي، فأعد فيلم "تاكسي"، وهو في فترة عقوبة قضائية تمنعه من ممارسة نشاطه السينمائي. أثبت كاميرا قرب مقود السيارة التي يقودها بنفسه ويجوب بها شوارع العاصمة حاملاً معه الرّكاب، وكل مرة يركب شخص جديد يتغير معه الموضوع، وكل المواضيع تشترك في انتقاد الواقع الإيراني.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard