شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
جامعة دمشق... الوأد في زمن المئوية

جامعة دمشق... الوأد في زمن المئوية

رأي نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 31 مايو 202302:29 م

تتسابق الأمم والشعوب على الاحتفاء برموز تراثها العلمي والثقافي، ونحن كعرب عامةً وكسوريين خاصةً، لطالما تغنينا بإنجازات الماضي في ظل ضعف التدفق العلمي لدراساتنا المستقبلية، إلا أن الحرب تقدمت على كل شيء، وأولت الاحتفاء بالانتصارات ولم يكن العلم بعيداً عن العسكرة.

للأمانة التاريخية، كان اختيار دمشق عاصمةً للثقافة العربية لعام 2008، ضمن مبادرة أطلقتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" في إطار برنامج العواصم الثقافية، لتعزيز الثقافة العربية والاحتفاء بها وتشجيع التعاون في المنطقة العربية، أكبر حدث ثقافي وجماهيري عاشته سوريا في الألفية الجديدة. وقد تخلّله الكثير من الفعاليات الثقافية المختلفة التي أقيمت في دمشق وبقية المدن السورية وامتدت لأشهر في ذلك العام، لذلك يتوق السوريون إلى أن تشهد بلادهم تظاهرةً مماثلةً علّها تنسيهم سنوات الحرب الطويلة والدماء والاقتتال.

قادتني صدفة بحتة خلال تصفّح الموقع الإلكتروني لجامعة دمشق، للانتباه إلى أن العام الحالي 2023، يصادف مرور مئة عام على تأسيس الجامعة، فوفقاً لدليل الجامعة، أصدر رئيس الاتحاد السوري صبحي بركات، في 15 حزيران/ يونيو عام 1923، مرسوماً بتأسيس الجامعة السورية في دمشق وتألفت حينها من معهد الحقوق (كانت تُدعى قبل ذلك مدرسة الحقوق)، ومدرسة الطب، والمجمع العلمي العربي، ودار الآثار العربية، وكانت سوريا آنذاك تحت الانتداب الفرنسي ومقسمة إلى دويلات.

لمحة عن التأسيس

ويشير تاريخ الجامعة على موقعها الإلكتروني، إلى أن العام 1901 شهد إقرار إنشاء مكتب مدرسة للطب في دمشق، وقد افتُتحت في عام 1903 وضمت فرع الطب البشري وفرع الصيدلة وكانت لغة التدريس فيها اللغة التركية، بينما افتُتحت في العام ذاته في بيروت مدرسة للحقوق كان معظم أساتذتها من العرب ولغة التدريس فيها كانت اللغة العربية، لتنتقل هذه المدرسة إلى دمشق في العام التالي، بينما نُقلت مدرسة الطب إلى بيروت في 1915، وأعيدت مدرسة الحقوق إلى بيروت في أواخر سنوات الحرب العالمية الأولى.

حجم التأخر العلمي الذي بتنا نعيشه اليوم، وربما يكون قد تعمّق أكثر بفعل تأثيرات الحرب وسنواتها الطويلة، لكنه لا بد أن يكون دافعاً نحو مزيد من الإجراءات والعمل الحثيث بحثاً عن مواقع أفضل

بعد رحيل الاحتلال التركي، افتُتح معهد الطب في دمشق مطلع كانون الثاني/ يناير عام 1919، ليليه في أيلول/ سبتمبر من العام ذاته، افتتاح مدرسة للحقوق، وقد ذُكر اسم الجامعة السورية لأول مرة على شهادات خريجي معهد الطب عام 1920، قبل أن يتم ربط المؤسستين التعليميتين بمؤسسة واحدة تحت اسم الجامعة السورية 1923 (وكانت البلاد حينها تحت الاحتلال الفرنسي). وعُيّن الدكتور رضا سعيد رئيساً لها بعدما سُمّيت مدرسة الحقوق معهد الحقوق، ورُبط مع الطب والمجمع العربي ودار الآثار، ثم فُصل في عام 1926 المجمع العربي ودار الآثار عن الجامعة. وفي عام 1928، أنشئت مدرسة الدروس الأدبية العليا ورُبطت إدارتها بالجامعة ثم أصبح اسمها عام 1929 مدرسة الآداب العليا التي أغلقت عام 1935-1936.

ومع استقلال سوريا في 1946، استُحدثت فيها "كليات ومعاهد عليا في اختصاصات جديدة ليكون بالإمكان اللحاق بركب التقدم العلمي والحضاري"، وفقاً لصياغة الموقع الإلكتروني، ليتم تعديل اسم الجامعة بعد الوحدة مع مصر في عام 1958، مع صدور قانون جديد لتنظيم الجامعات، ويصبح اسمها: "جامعة دمشق".

أين الجامعة اليوم؟

تقول لغة الأرقام التي ساقتها وسائل الإعلام إن جامعة دمشق تصدرت ترتيب الجامعات السورية حسب موقع ويب ماتريكس العالمي في كانون الثاني/ يناير لعام 2023، حيث حلت في المرتبة 3،458 عالمياً بعدما كانت في المرتبة 3،533 في 2022، وهي مرتبات تدل على حجم التأخر العلمي الذي بتنا نعيشه اليوم، وربما يكون قد تعمّق أكثر بفعل تأثيرات الحرب وسنواتها الطويلة، لكنه لا بد أن يكون دافعاً نحو مزيد من الإجراءات والعمل الحثيث بحثاً عن مواقع أفضل.

في المقابل، فإن مؤشر مدخلات جودة التعليم الجامعي يدفع إلى كبح جماح أي تفاؤل، وهو يقوم على عدد الطلاب وعدد الكليات وتوزعها ونسبة الطلاب إلى الأساتذه والسياسات التعليمية وغيرها.

في تقرير منسوب إلى وزارة التعليم العالي في العام 2021، قُدّر عدد الطلاب في جامعة دمشق في العام الدراسي 2019-2020، بنحو 261،274 طالباً، منهم 108،453 من الذكور و152،821 من الإناث. وبموازنة العدد مع البيانات التي تضمنها، مع آخر إحصائية صدرت عن جهة رسمية، يمكن لحظ أن قرار وزير الإدارة المحلية والبيئة حسين مخلوف، رقم 1452 لعام 2022، إبان انتخابات مجالس الإدارة المحلية، يبيّن أن مجموع سكان مدينتَي طرطوس 113،488 نسمةً، ودرعا 109،312 نسمةً، والرقمان أقل من عدد طلاب جامعة دمشق، ومن باب المقارنة البسيطة يتجاوز عدد طلاب الجامعة أيضاً عدد جنود الجيش الفرنسي ممن هم ضمن الخدمة والبالغ 205 آلاف جندي فقط.

لسنا في معرض التصويب على أي جهد، لكننا في معرض البحث عن "الذكرى اللائقة"، فلم لا تتم استضافة حدث يعبّر عن الرعيل الأول لخريجي الجامعة؟

هذه الأعداد الضخمة من الطلاب تتسبب في اكتظاظ سكاني كبير في العاصمة السورية، كما أنها قادرة على امتصاص أي جهود أو برامج مهما كانت جبارةً للعمل على تعليم أفضل، وبتركّز كتلة بشرية هائلة من السوريين ضمن مساحة جغرافية صغيرة في العاصمة، يتركز معها استقطاب الريف والمدينة من جديد، بعدما كان هذا الاستقطاب من أهم عوامل النزاع عام 2011، مما يصعّب أي جهود لإدماج هؤلاء في المجتمع المحيط بالجامعة العريقة.

تتعاظم حدة مؤشر المدخلات مع سياسات الاستيعاب الجامعي الحالية، المتمحورة حول قبول جميع الحاصلين على شهادة التعليم الثانوي في الجامعات، وكذلك مع انخفاض نسبة الأساتذة إلى عدد الطلاب، فبرغم غياب البيانات الواضحة والدقيقة عن عدد الأساتذة في مختلف كليات الجامعة ليس من الصعوبة بمكان استكشاف هذه النسبة، ففي تصريحات لرئيس الجامعة الأسبق الدكتور محمد حسان الكردي، فإن نسبة التسرب في أعضاء الهيئة التدريسية يقدَّر بـ19 في المئة، مشيراً إلى أن عدد من غادروا البلاد خلال الأزمة يُقدَّر بـ379 عضو هيئة تدريسية من أصل 2،037 عضواً. وبرغم فارق السنوات الأربع مع تقرير الجامعة في 2021، ومن دون حساب المتسربين، تقترب نسبة الطلاب إلى الأساتذة من 128 طالباً لكل أستاذ وهي نسبة عالية نسبياً.

يعمّق مؤشر المدخلات من التحديات التي تواجه أي محاولة للنهوض بواقع الجامعة العلمي برغم بعض الإنجازات هنا وهناك، قبل أي انتقال لقياس المخرجات أو العملية التعليمية نفسها.

كرنفال خطابي لمئويةً موؤودةً؟

بعيداً عن الاستطراد في تطور الجامعة بعد الاستقلال، أو واقعها الحالي، وبناءً على ما يستخدمه الإعلام عادةً من مصطلحات في حالات معيّنة من قبيل "العرس الوطني" و"الحدث التاريخي"، ألا يستحق مرور مئة عام على تأسيس جامعة دمشق الاحتفاء به كذكرى تاريخية ولمدة عام كامل، على الأقل أسوةً بجامعة القاهرة مثلاً التي احتفلت في عام 2008 بمرور مئة عام على تأسيسها واستمرت الاحتفالات لعام دراسي كامل، امتد من 21 كانون الأول/ ديسمبر عام 2007 ولغاية 21 كانون الأول/ ديسمبر 2008، ذكرى التأسيس.

المشكلة الأكبر، أن أصحاب رأي قد يغالون في كتاباتهم ومطالبهم من دون الالتفات إلى الموارد والحقائق، لكن -وحتى إعداد هذه المادة- لم يرشح عن الجامعة أي استعدادات أو إجراءات للاحتفال بمئويتها سوى "حوار مفتوح" مع الإعلامي عبد الباري عطوان "حول آخر التطورات على الساحتين العربية والدولية". وهو احتفال أقل من أي حدث رسمي أو حزبي يتم الاحتفال فيه بالجامعة عادةً، من دون التقليل من أهمية الضيف طبعاً، حتى أن أياً من دوريات الجامعة وأنشطتها العلمية لم يتضمن أي جهد أو تفاعل مع الذكرى.

عندما نقرأ عن احتفال جامعة القاهرة أو غيرها من الجامعات بمئويتها، يحزّ في أنفسنا حجم التقصير، لكن يبقى من واجبنا كأبناء لهذه الجامعة ما زلنا على مقاعدها، وكباحثين أو إعلاميين أو ناشطين في الشأن العام حريصين على كل ما يربط السوريين من ذكريات عساها توقظ وحدتهم، أن نرفع الصوت.

الخلل في التعاطي مع الذكرى لا تتحمله فقط إدارة الجامعة، بل من المفترض أن تتحمله وزارة التعليم العالي أيضاً، لكن ثمة تقصيراً آخر في غياب أي دور لطلبة الجامعة أو ممثليهم

لسنا في معرض التصويب على أي جهد، لكننا في معرض البحث عن "الذكرى اللائقة"، فلم لا تتم استضافة حدث يعبّر عن الرعيل الأول لخريجي الجامعة؟ مثلاً يمكن الاحتفاء بأول دفعة من خريجي المعهد الطبي للعام الدراسي 1919-1920 المتمثلة في رفيق السباعي من حمص، ويحيى الجابري من حلب، ومصطفى الرفاعي من بعلبك، إلى جانب محمد خالد توفيق من بيروت والفلسطيني محمد فارس السخل من نابلس والأردني سمعان الخوري من الناصرة، أو بزملائهم في المعهد نفسه بعد نيل اسم الجامعة السورية للعام الدراسي 1923-1924 وعددهم 11 خريجاً.

من يتحمل الخلل؟

لم لا نحتفي برؤوساء الجامعة السابقين، منذ الدكتور محمد رضا سعيد وصولاً إلى الدكتور محمد أسامة الجبان الذي يرأسها حالياً؟ لم لا نحتفي بخريجيها المبدعين على مر العصور كالنحوي سعيد الأفغاني واللغوي يوسف الصيداوي والشاعر نزار قباني أو الفيزيائي محمد البغدادي وكثر غيرهم؟

لم لا تستفيد الجامعة من اليونسكو باعتبارها الوكالة الوحيدة للأمم المتحدة ذات التفويض في مجال التعليم العالي؟ فهي بحلول عام 2030، تقدّم الدعم التقني إلى الدول الأعضاء لمراجعة إستراتيجيات التعليم العالي والسياسات من أجل تحسين الوصول العادل إلى التعليم العالي، عالي الجودة، وتعزيز التنقل والمساءلة. ولتكن هذه الاستفادة في إطار التحضير لمتطلبات مرحلة التعافي، بحثاً عن مداخل علمية وثقافية للتماسك الاجتماعي الذي يمكن أن تخلقه أو تسهم فيه جامعة دمشق.

الخلل في التعاطي مع الذكرى لا تتحمله فقط إدارة الجامعة، بل من المفترض أن تتحمله وزارة التعليم العالي أيضاً، لكن ثمة تقصيراً آخر في غياب أي دور لطلبة الجامعة أو ممثليهم، فالاتحاد الوطني للطلبة يُفترض به تمثيل الطلبة ولا ضير في فعاليات خاصة بالاتحاد تتغنى بطلبة جامعة دمشق خلال 100 عام، تمتد لأيام عدة.

لا نتجاهل في مطلبنا الاحتفالي ضعف الموارد، فمن يعتمد المقرر الإلكتروني المنشور على موقع الجامعة بدلاً من التدريس التقليدي، على أن يكون الامتحان مركزياً وموحداً لجميع الكليات، لا يصعب عليه أن يعتمد فعاليات افتراضيةً لمدة ثلاثة أسابيع لكل كلية -على الأقل- إن لم نكن نتحدث عن عام كامل من الفعاليات.

ولم يكن المطلوب احتفالات تقليدية ترافقها الموسيقى الصاخبة، بل المطلوب فعاليات علمية واجتماعية تعزز علاقة الجامعة بمجتمع العاصمة أولاً، وبسوريا ثانياً، كما يمكنها تجاوز المعاني الوطنية للاحتفالات إلى معاني إنسانية بربط كل الخريجين السابقين من كل الجنسيات بفعاليات معيّنة.

الجانب الأهم في أي تظاهرات والذي كان يمكن القيام بها، هو محاولة الاستفادة من المناسبة لاستعادة التماسك الاجتماعي بين السوريين، فالسوريون المنتشرون اليوم على خريطة العالم يحتاجون إلى سرديات وقصص بسيطة من ماضيهم لاستعادة البسمة والشعور بالترابط والوحدة الوطنية، وقد لا يكون المطلوب أكثر من لحظات حنين إلى مقعد الدراسة، إلا أن ما يحصل بكل أسف يقترب من أن يكون محاولةً لوأد الذكرى ولو بطريقة غير عمدية.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard