شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
التعليم في سوريا... ما لم يقضِ عليه القصف تخرّبه المناهج

التعليم في سوريا... ما لم يقضِ عليه القصف تخرّبه المناهج

حياة

الخميس 15 أبريل 202104:37 م

أصدرت وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة السوريّة المؤقتة، والتي تتبع الائتلاف السوري المُعارض وتسيطر على عدّة مناطق في محافظتي حلب وإدلب، قرارًا بإدراج كتاب "الثورة السوريّة" في مقررات مادة التاريخ للصفين السابع والثامن من مرحلة التعليم الأساسي، ومقررات مادة التاريخ للصفين الأول والثاني من مرحلة التعليم الثانوي، على أن يبدأ تطبيق القرار ابتداءً من العام الدراسي المقبل.

تعليم تحت القصف

خلال عشر سنوات منذ اندلاع الثورة السورية التي استحالت حرباً أهلية، أصبح تسيير العملية التعليميّة في كثير من مناطق سوريا أمرًا بالغ العسر بسبب تدمير عدد كبير من المدارس وخروجها عن الخدمة بسبب القصف والمعارك الدائرة في البلاد. 

ففي محافظة إدلب، حيث تسيطر القوات التابعة للحكومة السوريّة المؤقتة الآن على معظم المناطق، وبحسب بيانات للحكومة السوريّة في دمشق، جمعها فريق التوثيق التابع للمركز السوري للعدالة والمساءلة بين عامي 2013 و2015، فإنّ مئات المدارس قد تعرّضت للتدمير الجزئي أو الكلّي، فضلًا عن اعتماد المجموعات المُسلحة، من المعارضة والنظام، على هذه المدارس كقواعد عسكريّة.


كما وثّقت منظمة اليونيسيف، التابعة للأمم المُتحدة، ما يقارب 700 هجوم على المرافق التعليميّة منذ بدء التحقق من الهجمات، وسجلت 52 هجومًا منها عام 2020. وقالت في بيان مشترك بين المنسق الإقليمي للشؤون الإنسانيّة للأزمة السوريّة، مهند هادي، والمدير الإقليمي لليونيسيف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تيد شيبان، إنّ أكثر من نصف أطفال سوريا محرومون من التعليم، أي أكثر من 2.4 مليون طفل.

كذلك ذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة، اليونيسيف، في بيان آخر، حول وضع التعليم في ظل جائحة كورونا، أن ملايين الأطفال السوريين خارج المدارس أو معرّضون لخطر التسرب، حتى قبل انتشار فيروس كوفيد19. 

40% من البنية التحتيّة للمدارس في سوريا تعرّضت للضرر أو الدمار، علمًا أن أكثر من ثلث الأطفال السوريين متسربين من الدراسة.

ونشرت اليونيسيف في العام 2019 مجموعة من "الحقائق" عن سوريا جاء فيها إنّ 40% من البنية التحتيّة للمدارس تعرّضت للضرر أو الدمار، وإنّ أكثر من ثلث الأطفال السوريين خارج المدرسة، وإنّ حوالي 1.3 مليون طفل يواجهون خطر التسرب من المدرسة، وإنّ واحدًا من كل ثمانية أطفال، في كلّ صف دراسي، بحاجة إلى دعم نفسي أو اجتماعي لتحقيق التعلّم الفعّال. 

كما ذكر التقرير أنّ حوالي 38% من الأطفال السوريين الموجودين في الأردن، ممن تراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة غير ملتحقين بالمدارس.

في هذا الإطار، وثّقت منظمة الخوذ البيض (الدفاع المدني السوريّ) استهداف قوات النظام السوري والقوّات الروسيّة 113 مدرسة في الشمال السوري بين نيسان/ أبريل 2019 وآذار/ مارس 2020، ما أدى لمقتل 41 مدنيًا بينهم 17 طفلًا، وإصابة 112 آخرين بينهم 32 طفلًا.

مناهج مختلفة  في مناطق النفوذ المختلفة

تقسّم سوريا على أرض الواقع إلى ثلاث مناطق رئيسيّة: مناطق سيطرة نظام الأسد، ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطيّة (قسد) ومناطق سيطرة قوات المعارضة والميليشيات الإسلاميّة المدعومة تركيًا، وفي كلّ منطقة من هذه المناطق تُعتمد مناهج دراسيّة مختلفة، فيما تبقى من مدارس سوريا.

تتفق الدراسات التربوية على أهمية وجود نظام تعليم "قومي" داخل الدولة الواحدة، يقدم المعارف والعلوم بشكل متساو وعادل لجميع الأفراد، وعلى أهمية ذلك الدور في دعم الهوية الوطنية والقيم الجامعة بين أفراد الشعب الواحد. ويوماً بعد الآخر، تخطو سوريا بعيداً عن هذا المبدأ.

في مناطق سيطرة النظام السوري، يستمر العمل بالمناهج السوريّة الرسميّة المعترف بها دوليًا، والتي تتضمن المواد العلميّة والأدبيّة المختلفة إضافة إلى مواد التربيّة الدينيّة والتربية القوميّة الاشتراكيّة. وتكون العمليّة التعليميّة في تلك المناطق استمراراً لعمليّة إدماج الأطفال في منظومة حزب البعث الحاكم، إذ أنّ كلّ التلاميذ في مناطق سيطرة النظام، ومنذ سيطرة حافظ الأسد على السلطة في سوريا في سبعينيات القرن الماضي، منضوون تحت مظلّة منظمة "طلائع البعث" ومن ثمّ في المرحلة الإعداديّة والثانويّة تحت مظلّة منظمة "شبيبة الثورة".

وفي مناطق سيطرة قوات المعارضة، تنشط وزارة التربية التابعة للحكومة السوريّة المؤقتة المدعومة تركيًا، وكان آخر إضافاتها "كتاب تاريخ الثورة السوريّة" إلى المنهاج الدراسي. والمناهج الدراسيّة في هذه المنطقة تتغير باستمرار بإضافات وإزالات حسب سياسة الحكومة التركيّة، إذ تعمل تركيا على "تتريك" المنطقة من خلال وكلائها السوريين حينًا، وبشكل مباشر حينًا آخر، ومن ذلك افتتاح ثلاث كليات تتبع جامعة تركيّة في الداخل السوري.

 المناهج الدراسيّة المُعتمدة في هذه المناطق غير معترف بها دوليًا، مع بعض الاستثناءات التركيّة.

أما في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطيّة (قسد) فقد عمدت "قسد" منذ بدء سيطرتها على المناطق ذات الأغلبيّة الكرديّة، إلى تغيير المناهج الدراسيّة، فقامت بإدراج اللغة الكرديّة لغة رسميّة في مدارسها، وهي اللغة التي منعها نظام الأسد في سوريا، وكذلك غيّرت محتوى هذه المناهج، وأنشأت مدارس جديدة وجامعات جديدة، مما غيّر في الواقع التعليمي في مناطق الإدارة الذاتيّة، مناطق سيطرة "قسد". والمناهج الدراسيّة المعتمدة في هذه المناطق غير معترف بها دوليًا.

هذا فضلًا عن المناهج الإسلاميّة العقائديّة التي كان تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام (داعش) يعتمده خلال فترات سيطرته على مناطق واسعة في السنوات الماضية.

تتفق الدراسات التربوية على أهمية وجود نظام تعليم "قومي" داخل الدولة الواحدة يقدم المعارف والعلوم بشكل متساو وعادل لجميع الأفراد، وعلى أهمية ذلك الدور في دعم الهوية الوطنية والقيم الجامعة بين أفراد الشعب الواحد، والتي لا بد أن تتوافق مع منظومة المساواة وحقوق الإنسان والتركيز على المشتركات بين أفراد الشعب مع ترسيخ احترام الاختلاف والمختلفين.

ومع كون الوضع في سوريا يخطو يوماً بعد آخر عكس هذا الاتجاه، تنذر الدراسات نفسها بما ينتظر سوريا في مستقبل لا تبدو فيه الوحدة والاستقرار أمرًا وارد الحدوث.

Website by WhiteBeard