شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
التعليم في سوريا لأبناء

التعليم في سوريا لأبناء "البطة البيضاء" فقط

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الثلاثاء 16 أغسطس 202203:41 م

تذكرت من قصيدة "الخرافة" لنزار قباني، هذا المقطع:

"خوّفونا من عذاب الله إن نحن عشقنا

هدّدونا بالسكاكين إذا نحن حلمنا

يوم كان العلم في أيامنا

فلقةً تمسك رجلينا... وشيخاً وحصيرا

شوّهونا...

شوّهوا الإحساس فينا والشعورا"

ثم رحت أقارنه بما مررت به في أثناء دراستي الأساسية في سوريا، أو ربما ما مررنا به جميعاً، فعلى الرغم من أن نزار قباني كان يصفُ التعليم في زمن "شيخ الكتاب"، بما فيه من إيذاء جسدي ونفسي بغية تلقين الدروس للطلاب من دون إدراك وتحليل منطقي، فإن هذا الوصف لم يختلف عن عصرنا الراهن في شيء، إلا أننا أصبحنا في مدارس حكومية تابعة لوزارة حكومية في بلاد كل شيء فيها حكومي بحت، حتى العنف.

أبناء البطة

حين بلغت الخامسة من عمري، وُضِعت في حضانة خاصة، لكي أشارك زملائي اللعب والدراسة وبدايات الوعي ككل الأطفال في العالم، ولكن الأمر لم يكن بهذه البراءة، فقد أدركت منذ ذلك الوقت ما معنى أن تكون ابن رجل وامرأة بسيطين في بلاد متخمة بالأثرياء والتجار وأصحاب المناصب العليا، إذ كانت الآنسة المشرفة تبعدني عن أولاد مديرة الحضانة، خاصةً أن والدهم أحد التجار الأثرياء، بالإضافة إلى بقية التلاميذ الذين كانوا من عائلات مرموقة في المجتمع، وكانت تضعني مع أولاد "الآذنة" كوني من مستوى اجتماعي مماثل.

غير أن مدرّسة الصف كانت تجلسني وأولاد مسؤولة النظافة في أواخر المقاعد الدراسية وتقدّم أولاد أصحاب الشأن علينا، وتعيرهم الاهتمام بطريقة مبالغ فيها، وكان زملائي المنبوذون جيّدين ومتفوقين إلى درجة أننا تفوقنا نحن أبناء البطة السوداء عليهم، وحصلنا على درجات جيّدة في نهاية العام، بينما وُزّعت الهدايا وشهادات التفوق على أبناء البطة البيضاء دوننا، فليس من المعقول أن نتفوق على أطفال الطبقات العليا حتى وإن كانوا فاشلين.

نظام جزائي وأمني

بعد انتقالي إلى مرحلة التعليم الابتدائي، دخلت إلى مدرسة حكومية بكل ما فيها من تفاصيل وتلاميذ ومعلمين وشعارات، وبدأت أتأقلم مع الوسط المحيط بي، والذي يختلف تماماً عن دفء الأسرة، ولم أكن أعرف شيئاً عن نظام التعليم في المدارس الحكومية، ولا عن العقوبات التي تنزل على الطلاب لمجرد الثرثرة في الفصل الدراسي، وبالفعل فقد تعرّضت لأول عقوبة حين لم أقف باستعداد للمدرّس الذي دخل علينا فجأةً، وكانت العقوبة تقتضي أن أظلّ واقفاً على ساقٍ واحدة بجوار سلة المهملات رافعاً يديّ الاثنتين إلى الأعلى، حتى نهاية الدرس.

تفوقنا نحن أبناء البطة السوداء عليهم، وحصلنا على درجات جيّدة في نهاية العام، بينما وُزّعت الهدايا وشهادات التفوق على أبناء البطة البيضاء دوننا، فليس من المعقول أن نتفوق على أطفال الطبقات العليا

تكررت هذه العقوبة أكثر من مرة، لعدم معرفتي بالسبب الذي جعلني أستحق العقاب أصلاً، حتى أنني ألِفت الأمر إلى درجة جعلتني أتوجه من فوري إلى سلة المهملات لتنفيذ العقوبة كلما رأيت الأستاذ يدخل علينا. وبعد مرات عدة، شرح لي أحد الطلاب سبب الخطأ، كما أن العقوبات التي كان يمارسها كادر التدريس تتدرج لتشمل جميع أنواع التعذيب الجسدي الخفيف من الوقوف لمدة ساعة من دون حراك إلى الضرب باستخدام العصا الخشبية "المسطرة" على باطن الكف أو ظهره، حسب الشدة واللين، حتى تصل إلى توزيع الصفعات على وجوه الطلاب مباشرةً.

أمّا الطلاب، فلم يكونوا أقل قسوةً من المدرّسين عليّ، فمنهم من كان يشتمني بشتائم فجة، ومنهم من كان يسرق الطعام مني مستغلاً عمري الصغير وضآلتي الجسدية، ولم تكن الشكوى للموجهين وللمدير تجدي نفعاً لأنهم لا يبالون بكل هذه الفوضى. وفي بداية السنة الأخيرة، دخل علينا المدرّس، فنهضنا جميعاً باستعداد تام، وقال لنا: "لقد أصبحتم الآن أشبال هذه البلاد، ولذلك يجب عليكم أن تختاروا من بينكم فرقةً انضباطيةً لكي تسيطر على بقية الطلاب الجدد في المشية والاصطفاف الصباحي وترديد الشعارات الحزبية المعتادة".

وأردف أيضاً: "عليكم أن تختاروا من بينكم عريفاً للصف الذي سيسجل أسماء الطلاب المشاغبين والمقصرين في الدراسة". ومن سوء حظي، وقع الاختيار عليّ. حينها أخذني المدرّس إلى غرفة المدير، وقال لي: "عليك إخباري بجميع الأشخاص الذين يراودهم الشك أو يبدون انزعاجاً ما من قرارات المدرسة، أو من أسلوبها في التعليم"، وقد وافقت فوراً من دون تردد.

بعد أيام عدة، حين استدعاني المدرّس لأخبره عمّا توصلت إليه إثر بحثي، فاجأته بالقول: "لم أجد أحداً معترضاً على شيء يا أستاذ، وليس هنالك من يشاغب في أثناء الدروس أو يقصّر في واجباته غيري، فأنا وحدي الذي أتكلم بصوت مرتفع وأقصّر في كتابة الواجبات المدرسية، ولا أحفظ النشيد الوطني أيضاً. إنني أردد حروفه شفهياً من دون فهم محتواه. أفعل كما يفعل الأخرون فقط".

حينئذٍ، صفعني المدرّس على وجهي، ونعتني بكل الصفات البشعة حصراً، وهكذا قضيت ست سنوات في المدرسة الابتدائية بين الإهانة والتعنيف والإجبار على كل ما هو خارج إنسانيتنا.

التفنن في العنف

في سن الثانية عشرة، توجب عليّ الدخول إلى مدرسة جديدةٍ تلائم المرحلة الإعدادية الجديدة أيضاً، ولم أكن خائفاً لأنني حفظت جميع وسائل التعذيب والإهانات والتجريح النفسي، ومع ذلك فإن خبرتي في تصرفات المدرّسين لم تكفِ، فمنذ بداية العام الدراسي دخلت علينا امرأة تكاد أن تأكل عظامنا من فرط الكراهية، وعرّفت بنفسها قائلةً: "أنا موجّهة التربية العسكرية (الفتوّة)، وكل شيء عندي يسير وفق النظام العسكري. المكافأة فردية والعقوبة جماعية، فاحذروا الخطأ"، ثم انصرفت. غير أنني استغربت جداً، خاصةً أن مادة التربية العسكرية قد ألغيت منذ 23 أيار/ مايو عام 2003، ولكن هذه المدرّسة التي لم تعد لديها مادة لتدريسها أصلاً، كانت تسترجع ذكرياتها من خلال تعذيب الطلاب بعقوبات عسكرية كتنفيذهم التمرينين السادس والتاسع في فناء المدرسة.

أغلب المدرّسين كانوا يتقصدون إهانتنا كتلاميذ في بدايات المراهقة، وأذكر مرةً أن مدرّسة الجغرافيا لقّبتني "بالصرار"، لأنني تجرأت وأفصحت عن ثقتي بنفسي كتلميذ مجتهد

لكن المدرّسة هذه لم تكن متفردةً في ذلك، فأغلب المدرّسين كانوا يتقصدون إهانتنا كتلاميذ في بدايات المراهقة، وأذكر مرةً أن مدرّسة الجغرافيا لقّبتني "بالصرار"، لأنني تجرأت وأفصحت عن ثقتي بنفسي كتلميذ مجتهد، في حين أنها نعتت صديقي في الصف بـ"الجردون"، لأنها علمت بحبه الطفولي لإحدى الفتيات.

لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، أو ربما لم يبتدئ أصلاً، فالمأساة التي غيّرتني أو ربما غيّرت حياتي كانت من خلال مدرّس الرياضيات ونظيره في التربية الدينية على مدى ثلاث سنوات. فعلى الرغم من أنهما يختلفان في كل شيء، حتى في نطق الحروف الأبجدية، إلا أنهما قد أجمعا على الإساءة إليّ وضربي بشكل خاص ويومي تقريباً، فمدرّس التربية الإسلامية كان يخيفني من الله، ومن ناره الحارقة. ولكي يثبت لي حقيقة الكلام كان يلسعني بعصاه دائماً، وفي إحدى المرات طلبت منه أن يشرح لي قوله تعالى: "إن الله غفور رحيم"، لعله يكفّ عن إيذائي، وبالفعل فقد صمت قليلاً وفكر في الرد، ثم تابع قائلاً: "لن أضربك اليوم". وفي اليوم التالي، حين دخل إلى الصف، طلبني لأقف أمامه وضربني مرةً أخرى. وبعد أن تألمت أخذ يقول لي: "لن تفهم معنى الرحمة ما لم تذُق طعم العذاب".

لقد تجاوز حيلتي بمكره، ولكنه جعلني أفقد إيماني بالله لمدةٍ طويلة جداً، قبل أن أسترجعها رغماً عن أنفه بعد ذلك. وفي ما يخصُّ مدرّس الرياضيات، فقد كان معتدّاً بنفسه وبماله وبسلطة والده، ولذلك كان يهين جميع الطلاب بكلماته القاسية والبذيئة جداً، ومن أراد أن يتخلص من هذا التحقير عليه أن يتعاقد معه على التدريس الخصوصي في المنزل. ولأنني رفضت الدروس الخصوصية، بدأ بتكسير درجاتي، ومن ثم أعلن أنه سيضربني مقابل كل علامة ناقصة حتى تكمل الضربات العلامة التامة والتي كانت 10، فمثلاً إذا حصلت على درجة 4 من أصل 10، فإنني أستحق 6 ضربات بواسطة العصا لكي أحقق الدرجة النهائية، ولو على حساب وجعي، ومن بعدها لم أحصل على أكثر من 3 درجات أو ربما كان يتقصد تقليص درجاتي لكي يسوّغ تعنيفي.

قال لي المدرّس إن "العلم ليس لأمثالك، أنصحك بأن تترك المدارس وتعمل كبائع خضروات أو ربما كمعلم شاورما"، وبالفعل لقد رسبت في الصف التاسع في مادة الرياضيات التي أخرجتني من المدارس الحكومية كله

ذات مرةٍ، اقترح عليّ النجاح النهائي في آخر السنة، وأن يعطيني عشرةً مقابل عشر ضربات متتالية من دون أن أفصح عن الألم، فوافقت على اقتراحه من أجل أن أنتهي من هذا الأمر، وبالفعل، هوت عصاه على كفّي عشر مرات متتاليات بطريقة عنيفة، وبعد ذلك دسّ الأستاذ يده في جيبه ليقدّم لي عشر ليرات سورية، ويقول: "لقد وعدتك بأن أعطيك عشرةً، وها هي عشر ليرات مقابل عشر عصيٍ"، وضحك بطريقة ما زالت عالقةً في ذاكرتي إلى الآن. غير أنني كرهت مادة الرياضيات بعد ذلك، حتى أنه قال لي في نهاية العام الأخير من المرحلة الإعدادية: "العلم ليس لأمثالك، أنصحك بأن تترك المدارس وتعمل كبائع خضروات أو ربما كمعلم شاورما"، وبالفعل لقد رسبت في الصف التاسع في مادة الرياضيات التي أخرجتني من المدارس الحكومية كلها.

سيناريو ونهاية

بعد أن خرجت من المدرسة، أكملت دراستي بنظام التعليم الحر، والذي أتاح لي اختيار المدرّسين بنفسي من خلال المعاهد الخاصة، غير أن الأمر لم يكن سهلاً إلى هذا الحد، فقد كان من الممكن ألا أكمل دراستي كلها خاصةً أنني انقطعت عن التعليم في صفّي العاشر والحادي عشر، ولكن الإصرار يصلح ما أفسده أستاذ الرياضيات الذي التقيت به في أثناء دراستي الجامعية في أحد المستشفيات. حينها، راح ينظر إليّ ويبتسم بشماتةٍ منتظرةٍ، فبادرته بالسلام، فإذ به يسألني: "ماذا تفعل في حياتك بعد أن خرجت من المدرسة؟". ولكن الخبث الذي كان يقطر من وجهه اختفى فجأةً ليظهر مكانه شيء من الغيظ والحقد حين أجبته: "إنني طالب جامعي في اختصاص أدبي لا يحتاج إلى المعادلات ولا إلى الضرب"، وما كاد أن ينطق حتى قلت له بسخرية: "أعلم... أعلم أنك كنت تضربني من أجل مصلحتي، ولكن تصوّر أن العلم متعدد وفيه اختصاصات واسعة وليس كله رياضيات كما تظن". تركته وحقده يأكله وذهبت لأكمل حياتي وأتخرج من الجامعة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard