شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"المرأة السودانية عظيمة وستنتصر"... مخرجة "أجساد بطولية" لرصيف22

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الأربعاء 24 مايو 202301:37 م

في ظاهر الأمر، كانت التسعينيات هي الفترة التي ظهرت فيها المرأة على الساحة وأظهرت استقلاليتها، فانتشر تأخر الزواج، وارتفعت مشاركة المرأة في العمل، وتم بشكل كبير تضييق الفجوة بين الجنسين في التعليم والتوظيف. وتزايد على مستوى العالم عدد القيادات النسوية في مجالات السياسة، والأعمال، والترفيه وأصبحن نجمات صاعدات. إلا أن هذه الإحصائيات، والتي اعتبرت أن عام 1992 هو "عام المرأة"، غيّرت وببساطة صورة "معاداة المرأة"، وفقا لما كتبته أليسون يارو بصحيفة التايمز التي قالت يارو خلالها إن حركة "أنا أيضاً" التي ظهرت بعد عقدين من الزمن تعد مؤشراً على مدى الخداع الذي شهدته فترة التسعينات فيما يتعلق بالكتابات عن المرأة والتي تشير إلى أن المجتمع أصبح يساوي بين الجنسين.


لذلك باتت الألفية الجديدة مساحة تقدم وشجاعة للحديث عن الأزمات التي تعانيها المرأة بشكل عالمي، وبشكل أكثر تأثيراً لدى النساء العربيات اللاتي وجدن مساحة للحديث عن أزمات مجتماعتهن بصورة حرة أكثر، تماماً مثلما فعلت المخرجة سارة سليمان في فيلمها الأرشيفي البحثي الأحدث "أجساد بطولية" عندما أرشفت تاريخ النضال والمعاناة النسوية للمرأة السودانية على مر التاريخ.

حركة سينمائية سودانية ملفتة

"كوني إمراة سودانية، والنساء السودانيات أغلبنا مقمعين من خلال الجسد في الأساس، حتى السودان الأكثر حداثة ما زال لديها بقايا قديمة من القمع والعنف لكن بصورة أقل من الماضي"، هكذا عبّرت المخرجة السودانية سارة سليمان عن نفسها بعد عرض فيلمها "أجساد بطولية" ضمن فاعلية مهرجان الإسماعيلية التسجيلي في القاهرة.

ثمة حركة نشيطة تبدو ملاحظة الآن أكثر من أي وقت مضى داخل السودان، صحوة فنية ملفتة أنتجت أفلام جيدة تعبر عن مجتمع جديد لفتت الأنظار إليها بشكلٍ كبير كان آخرها فيلم سليمان التي قدمت فيه سيرة طويلة عبرت خلالها عن المرأة السودانية التي آن أوان تغير النظرة النمطية التي ينظر بها الآخرون إليها.

"كوني إمراة سودانية، والنساء السودانيات أغلبنا مقمعين من خلال الجسد في الأساس، حتى السودان الأكثر حداثة ما زال لديها بقايا قديمة من القمع والعنف لكن بصورة أقل من الماضي" 

التحميل والتعنيف والإذلال أنتجوا في النهاية حركة تمرد سجلها الفيلم التسجيلي الطويل في لحظة تاريخية فارقة عموماً كمعبّر عن السنوات الأخيرة التي بات على المرأة السودانية والعربية النظر إليها، جاء ذلك بناءً على البحث الأرشيفي الطويل على تاريخ المرأة السودانية الذي جمعته المخرج على مدار أربعة سنوات دراستها وفكرت في تقديمه تسجيلياً لخلق وعي داخلي قبل أن يكون مساحةللعرض في المهرجانات السودانية كمظاهرة متنقلة للتنبيه بالمعاناة التي بات عليها أن تستمر.

تقريري توعوي

الفيلم كان بمثابة بحث التخرّج للمخرجة، قامت من خلال تغطية الفترة ما بين 1900 حتى أوائل السبعينات، تفاجئت بالنضال النسوي الطويل الرائع للرائدات السودانيات، إلى جانب سياسات الجسد، التي تظهر قمع النساء والسيطرة عليهم من خلال جسدهم تحديداً، رحلة تحويل البحث إلي فيلم تسجيلي.

يقدم الفيلم قصته الطويلة من خلال التسجيل المباشر مع عدد من النساء السودانيات، بالتنقل بين رغبتهن في إظهار غضبهن من التاريخ المخجل للمعاملة النسائية السودانية وبين توضيح المعلومات التاريخية لوضعها في سياق أوسع للمرأة المقهورة في العالم عموماً.

"أصبحتُ على يقين أن المرأة السودانية هي إمرأة قوية وملهمة وقائدة، الموجودة في كل الساحات تناضل لغد أفضل ومستقبل واعد لأبنائها".

يبدو الفيلم البحثي مجرد سرد أرشيفي طويل، مترهل نوعاً ما ربما لكونه ممتليء بالمعلومات، يرّكر على هدفه كمادة توعوعية للنساء، يقدّم من خلال تقرير طويل، بينما كانت النقطة الأذكى والأكثر تبريراً لكل ذلك هو كونه موجه خصوصاً للمرأة السودانية التي أصبح عليها أن تكتشف كيف عانت على مدار السنوات السابقة في كل مرحلة من تاريخ السودان.

ينقل الفيلم الأغنية التراثية الشهير "أهم شي الحمّام" الذي يجعل اهتمام المرأة بجمالها هو شغلها الشاغل والوحيد والأكثر تركيزاً من جانب المجتمع كله، أو أنه على المرأة أن تكون مجهزّة لإسعاد الرجل، وينتهي من رحلته بأغنية ثورية تضعها في مقدمة هذا المجتمع الذي عليها التمرد عليه. رحلة طويلة خاضتها المرأة هناك لتنتقل من هنا إلى هناك.

قدمت بحث طويل عن نضال المرأة ومساحة حركتها في المجتمع التي بدأت من تجريم خروجها من عتبة المنزل وانتهت بنضالها ضد الأعداء، كيف كانت السنوات السابقة تمثل إجحاف كامل تجاهها.

ذكورية في كل مكان

قالت سليمان أنها كانت حريصة أيضاً على تخفيف المادة العلمية للمشاهد وحاولت التنوع في الحوار من خلال الممثلين والفن التشكيلي، لافتة إلى أنها عانت بعض الشئ في عدم مساهمات الجهات المعنية في الحصول على الأرشيف، وأضافات أنها تعتبر المسمى الذكوري مرتبط بالفكرة، بمعنى أنه يوجد لدينا نساء تحمل الفكر الذكوري أكثر من الرجال، كما أنه ما زال يوجد قمع لكن بشكل مختلف، لكن التعليم ساهم في تراجع بعض الأمور، مثل الختان وأشياء أخرى، والقانون ما زال لم يصدر تجريم عملية الختان.

تقول المخرجة أن أهم الأزمات القديمة هي ابعاد النساء من الساحات العامة وحصرهم داخل الساحات الخاصة فقط كالمنازل، واجهن النساء رفض لوجود أجسادهن في الساحات العامة كالمدارس والعمل وحتي المجالات الاخري ودخولهن الفن، لذلك حاربت بضراوة لفرض وجودهن في هذة الساحات كما حاربن لنيل حقوقهم السياسية ودخول البرلمان وساحات الانتخاب الذي كان مكان يتواجد فية الرجال فقط وأيضاً حاربن لنيل حقوقهن الاقتصادية.

"فرضت المراة السودانية وجودها ووضعها، إذا قام الاتحاد النسائي السوداني بعمل عظيم في قضايا ووعي المرأة لتنال المراة حقوقها ولكن بعد 30 سنة من حكومة الانقاذ التي كانت كارهة للنساء" تقول سليمان هذه الفكرة بغضب، وتكمل أنه "تم سلب الكثير من حقوقنا وقمعنا وقمع أجسادنا ويمكن أن نقول أننا ليس فقط كنساء سودانيان ولكن كشعب ودولة قد رجعنا 30 أو 50 سنة للوراء بعد مشوار كان حافل بالانتصارات في فترة الستينات ولكنناما نزال نكافح وصوت المراة السودانية لا يسكت وهنالك الكثير من النسويات والمحاميات والأكاديميات وأفراد وناشطات ومنظمات طوعية بقيادة النساء تعمل علي وعي النساء بحقوقهن وتجتهد لتحسين أوضاع النساء الاجتماعية والسياسية والاقتصادية".

تبرر المخرجة ذلك أنه كان فيه الكثير من العثرات والمطبات، ولأن الفيلم تاريخي كان يجب أن أقوم بتجميع أرشيف كبير من الداخل السوداني والجامعة البريطانية التي أدرس فيها.

ذكورية المرأة والرجل

"أصبحتُ على يقين أن المرأة السودانية هي إمرأة قوية وملهمة وقائدة، الموجودة في كل الساحات تناضل لغد أفضل ومستقبل واعد لأبنائها، الامهات اللاتي يودعن أبنائهن قبل نزولهم للشوارع في أيام المظاهرات مطالبين بحقوقهن وهي علي دراية أنهم ربما لن يعودوا أحياء، ولكن ورغم ذلك تحثهم على أن يكون لهم صوت وأن لا يرضخوا للذل والقهر والقمع"، تقولها سارة وتختم جملتها بتأثر وربما ببعض التمني أيضاً: "المراة السودانية عظيمة وستنتصر".

تعتقد المخرجة من خلال بحثها وفيلمها معاً أن النساء سواء في الغرب او الشرق لديهن مشاكلهن ومشاغلهن لكونهن نساء، ولكن الشي المختلف هو درجة وحدة المشاكل، ما تراه المراة الغربية مشكلة كبيرة قد تراه المراة الشرقية والافريقية رفاهية لان مشاكلها أكبر وأعمق وقد تكون مرتبطة بحياتها اليومية. وتقول: "أكيد أن لدينا جميعاً مشاكلنا وهمومنا لكن هنالك أولويات وأساسيات يجب أن تتمتع بها النساء خصوصا النساء في البلد الفقيرة".

الفيلم في حد ذاته يتحدى الكثير من القيود المفروضة من قبل المجتمع والدولة ولكن هو رسالة وعي ورسالة فخر مهم جداً أن تطرح بشكل واعي وعلمي لإحداث تغيير إيجابي 

كما تقول: "الفيلم يناقش العديد من المسائل والمواضيع التي تعتبر الحساسة للمجتمع السوداني التي قمت بذكرها كموضوع العدل والجنس. الفيلم في حد ذاته يتحدى الكثير من القيود المفروضة من قبل المجتمع والدولة ولكن هو رسالة وعي ورسالة فخر مهم جداً أن تطرح بشكل واعي وعلمي لإحداث تغيير إيجابي".

يبدو أن وجود الرجل مهم في مساندة قضايا المراة وفقاً لتصور المخرجة، تقول "كما حاولت أن تعكس في الفيلم أن الذكورية هي فكر لذلك هنالك نساء ذكوريات يتبنين ذلك الفكر ويدافعن عنه أيضاً هنالك ذكور يرفضن هذا الفكر ويحاربونه، ومساهمات هؤلاء الرجال أسهمت في وجود نساء قويات أصبحن رائدات كالطبيبة خالدة زاهر اول طبيبة سودانية قدم لها والدها زاهر سرور الدعم واصر علي أن تنال تعليمها والتي كان لها دور كبير في توعية المراة، أصبحت من الملهمات لكثير من النساء السودانيات".

تختتم حديثها بأنها ترى "وجود النساء بأصواتهن في السينما يحتاج لدعم ووعي لمشاكلنا من قبل القائمون في هذا المجال، يجب آن يكون هنالك دعم لصانعات الأفلام ليتمكنوا من حكي قصصهم، ومن المهم تخصيص ميزانيات ودعم مادي للافلام الخاصة بالنساء وقضايهن. أما بخصوص الإعلام والمسلسلات فإن الكثير منهن يعكسن صورة غير جيدة عن المرأة، عليها أن تحارب وأن يكون هنالك وعي لعدم عكس هذة الافكار السلبية الذكورية التي تقلل من شان النساء".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard