شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
قراءة في كتيّب

قراءة في كتيّب "الماشية والمناخ وسياسات الموارد"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الأربعاء 24 مايو 202312:35 م

صدرت عن شبكة "سيادة" في شمال أفريقيا والمعهد العابر للقوميات tni خلال أيار/ مايو 2023، ترجمة عربية لكتيب "الماشية والمناخ وسياسات الموارد"، لمؤلفه إيان سكونز وترجمة ثائر ديب ومهيار ديب. والمؤلف هو أستاذ في معهد دراسات التنمية في جامعة سَسِكْس، عمل على موضوع الأرض والماشية والزراعة، لا سيما في أفريقيا لعدة سنوات.

تكمن أهمية الكتاب في سياق إصداره الذي يتسم بالأزمات الغذائية المتوالية الناتجة عن السياسات النيوليبرالية الهادفة إلى تسليع الغذاء، وفرض نماذج زراعية قائمة على تكثيف الإنتاج وتوجيهه نحو التصدير، لمراكمة الأرباح في زمن وجيز، ضاربة بعرض الحائط كل النّظم التقليدية والثقافية التي اكتسبتها الشعوب عبر تاريخها.

كما أن أيان سكونز يعود له الفضل في تسليط الضوء على إحدى الفئات الاجتماعية الأكثر تهميشاً، وأحد النظم ذات الأهمية البالغة على المستوى الاجتماعي والبيئي والثقافي والبيولوجي والغذائي. فالرعي ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل يتجاوزه بكثير، وفوائده تكمن في إنتاج الغذاء الصحي والسماد، والحفاظ على سلاسل ماشية محلية، وعلى البقاع الطبيعية، على خلاف النماذج الزراعية المفروضة من قبل الحكومات، التي ترى قيمتها بعيون قيمة الأرباح النقدية.

ومما لا شكّ فيه أن الكتيب سيساهم في تغيير رؤية القراء في المنطقة الناطقة باللغة العربية حول الرعي وأهميته، والرعاة ودورهم الاجتماعي الذي تحاول الحكومات طمسه، وسيشكل فرصة لتنظيم الرعاة كفئة والدفاع عن مصالحهم، وتوحيد نضالاتهم مع فئات تتشارك معهم نفس المصير.

ما الرعي وما أهميته؟

من خلال هذا السؤال يُعرف المؤلف الرعي على أنه أحد أنواع تربية الماشية، من خلاله ترعى وتتغذى على الأعشاب والنباتات العشبية والكلأ في أراض رعوية. فالرعي مصدر رزق ملايين البشر، ويوجد في جل القارات عدا القطب الجنوبي.

ومن أهم سمات الرعي أنه يفيد التغاير والتنوع، فيساعد البشر والحيوانات على العيش في بيئات مختلفة ومتقلبة من حيث أحوال الطقس والمناخ، فالحيوانات تقيم في بيئات مختلفة من حيت ارتفاعها ورطوبتها ونوع غطائها النباتي، وللرعاة دور كبير في جعل الحيوانات تستفيد من العناصر الغذائية.

والسمة الأخرى تتمحور حول الدور الحاسم للرعي في حماية البيئة وتنحية الكربون وتعزيز التنوع الحيوي. كما أنه يوفر طعاماً ذا قيمة غذائية لهؤلاء الرعاة المهمشين.

هل يختلف الرعاة عن الفلاحين؟

من خلال هذا السؤال يبرز المؤلف أوجه التشابه بين الفلاحين والرعاة، رغم أن البعض يرى بنهم مختلفون، مع كون الفلاحين مستقرين وفي طريق التحضر، في حين ينبذون الرعاة، كونهم "متخلفين".

يبين المؤلف أن هذه النظرة مجرد حكم إيديولوجي، كما أن تعريف البعض للفلاح على أنه مزارع صغير ينتج الغذاء لأسرته أو مجتمعه المحلي ليس كاملاً، فالحركات الفلاحية ترى أن كون الفلاح فلاحاً هو بمثابة هوية سياسية، فالفلاحون اليوم يكافحون لأجل الحكم الذاتي وسيادتهم الغذائية واستقلالهم عن الأسواق العالمية، التي جعلت من الغذاء سلعة لمراكمة الارباح.

تكمن أهمية الكتاب في سياق إصداره الذي يتسم بالأزمات الغذائية المتوالية الناتجة عن السياسات النيوليبرالية الهادفة إلى تسليع الغذاء، وفرض نماذج زراعية قائمة على تكثيف الإنتاج وتوجيهه نحو التصدير، ضاربة بعرض الحائط النّظم التقليدية والثقافية التي اكتسبتها الشعوب عبر تاريخها

والفلاحون كما الرعاة يعتمدون على المعرفة الحميمية والتقليدية بالأماكن والكائنات الحية لإنتاج غذاء مرتفع القيمة، كما أنهم يواجهون نفس التحديات من قبيل الاستيلاء على الأراضي والموارد الطبيعية. أما أهمية الاختلاف فتكمن في إمكانية تنظيم الرعاة وبناء تحالفات بينهم وبين الحركات الفلاحية.

ما أوجه الاختلاف بين الرعي والطرق الأخرى لتربية الحيوانات؟

يعرض الكاتب في هذا القسم الطرائق المختلفة لتربية الماشية. فهناك إنتاج مكثف للماشية، إذ توضع الحيوانات في مصانع وتراقب باستمرار وتتغذى من الأطعمة المستوردة، وهو يساهم بشكل سلبي على الحيوانات والبيئة.

كما أن النظام الرعوي يتميز بمجموعة من الأصناف، منها رعاة القطعان الرحل الذين ينتقلون عبر السهول والصحاري، ورعاة القطعان الذين يسوقون الحيوانات من مراعي الصيف إلى مراعي الشتاء، أو من أراض جافة إلى أراضي الساحل، كما يمكن أن نجد الراعي المزارع، مثل الرعاة في جنوب أفريقيا وشرق آسيا.

ما قيمة الرعي؟

غالبا ما تكون القيمة التي ينتجها الرعي غير مرئية، ويصعب على الشركات الكبرى والدولة جني فوائدها، لهذا يجري التسويق للرعي على أنه لا يقدم سوى قيمة قليلة مقارنة بأشكال الإنتاج الاخرى التي تنتج عائدات ضريبية.

غالباً ما يلقى اللّوم على الرعاة فيما يتعلق بتدمير البيئة وتزايد التصحر، وهذا ناتج عن إيديولوجيات استعمارية وفهم مغلوط.

ولفهم بعض المساهمات غير المرئية التي يقدمها الرعي، استعملت فكرة التقييم الاقتصادي، أي تحليل العلاقة بين الكلفة والفائدة، والقيمة التي يستمدها البشر من مورد طبيعي أو تراثي. وحددت بعض الدراسات أكثر من 40 قيمة مختلفة لنظم الماشية، فبالإضافة لإنتاج اللّحوم والسماد، توفر الماشية قوة النقل من جر وحرث، وتساهم في إطعام المجتمعات وتوفير خدمات بيئية وقيم ثقافية. كما يمكن لنظم الرعي المنظمة أن تساهم في صون البقاع الطبيعية واستدامتها وتجديدها.

بالتالي يجب أن لا يكون معنى القيمة نقدياً لمنتجات الرعاة، بل يجب الأخذ بعين الاعتبار المساهمات الاجتماعية والاقتصادية المتنوعة التي يقدمونها لجماعاتهم ومناطقهم ونظمهم البيئية.

هل يدمر الرعاة البيئة ويسببون التصحّر؟

غالباً ما يلقى اللّوم على الرعاة فيما يتعلق بتدمير البيئة وتزايد التصحر، وهذا ناتج عن إيديولوجيات استعمارية وفهم مغلوط لواقع البيئات.

ومن الأمثلة البارزة لهذه اللائمة، التصحّر في منطقة الساحل غرب أفريقيا، إذ افترض العلم الاستعماري أن الصحراء تتوسع مهددة الأراضي الصالحة للزراعة، غير أن التصوير الضوئي للزمن أوضح أن الأراضي تتوسع وتتراجع دورياً، فالتدمير البيئي ناتج أساساً عن تدخلات التنمية التي جاء بها الاستعمار وليس من ممارسات الرعاة التقليدية.

الرعي ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل يتجاوزه بكثير، وفوائده تكمن في إنتاج الغذاء الصحي والسماد، والحفاظ على سلاسل ماشية محلية، وعلى البقاع الطبيعية، على خلاف النماذج الزراعية المفروضة من قبل الحكومات، التي ترى قيمتها بعيون قيمة الأرباح النقدية

ومن الأفكار الاستعمارية حول الأراضي الجافة فرض زراعة الأشجار بناء على تصورات خاصة بالغابات الأوروبية، فأصبح غرس الاشجار جزءاً من مهمات التنمية في المستعمرات الفرنسية منذ بداية القرن التاسع عشر، في وقت كان يجب التعامل وفق النظم البيئية وخصوصياتها حسب كل منطقة، بدل فرض نماذج تخص فضاءات أخرى وتسجل نتائج سلبية.

إنّ هذا الفهم الخاطئ والضعيف يعد أمراً خطيراً، فيجري الاستيلاء على الأراضي واستغلال الرعاة وتفقيرهم بذريعة "حماية البيئة".

هل تحدث الماشية تغيراً في المناخ؟

باختصار أجاب إيان سكونز "نعم"، للماشية تأثير في المناخ، لكن...

تنتج الماشية كميات كبيرة من غاز الميتان عن طريق الهضم، من هنا شاعت الدعوات إلى وقف إنتاج الماشية دون دراسة نظم الرعي والمواشي الأكثر تأثيراً، فالإنتاج المكثف للمزارع الصناعية يختلف أشدّ الاختلاف عن النظم الرعوية، وعدم التفريق بينهما يسمح للمنتجين الصناعيين بالاختباء وراء نظم حميدة للإنتاج، أو يجبر الرعاة على تحمل تكاليف الانتقال الى مستقبل منخفض الكربون.

ولهذه الحجج تأثير على الرعاة الذين تركتهم التنمية وراءها، فلا تأخذ بعين الاعتبار حقيقة كون المنتجات الحيوانية ضرورية لتغذية جماعات فقيرة حول العالم، كما أن غالبيتها مستمد من نظم مكثفة صناعية في بلدان غنية، والبيانات الصادرة عن النظم الرعوية تبقى ناقصة التمثيل بسبب صعوبة الوصول إلى مكان وجود كثير من الرعاة.

هل تتوافق المحميات الطبيعية مع الرعي؟

غالباً ما ينظر إلى الرعاة على أنهم معارضون للمحميات ويغزونها في فترات الجفاف، في حين أنهم لا يعارضون إلّا أشكال المحميات المعسكرة من قبل الدولة، كونها تعتمد أساليب إقصائية، فالرعاة يعتبرون من أنصار المحميات، وخير دليل على ذلك النجاحات التي حققتها نماذج المحميات التي يديرها السكان المحليون في زمبابوي والهند.

هل المنتجات الحيوانية مهمة لنّظم البشر الغذائية؟

لا يوجد جواب بسيط عن هذا السؤال، خصوصاً أنّ للنّظم الغذائية التي تحتوي على كميات كبيرة من المنتجات الحيوانية، تأثيراً على مستوى صحة الإنسان والطبيعة. فالعديد من الدراسات حاولت تقديم نظم غذائية تقوم على تخفيض استهلاك اللحوم، دون مراعاة تكاليف البدائل النباتية أو احتمال اعتماد المنتجات البديلة على مواد كيميائية ضارة.

لمعرفة أي نظام غذائي، تجب دراسة المحتوى الغذائي والقدرة على تحمّل التكاليف، فالعديد من المنتجات النباتية التي تحتوي مصادر غذائية مفيدة تتطلب كميات كبيرة، في حين توفر المنتجات الحيوانية تغذية قصوى بكميات صغيرة.

الاستثمارات في المناطق الرعوية تغير الاقتصاد الرعوي، وتجعل البشر أقل قدرة على الدفاع عن مناطقهم.

ولتحقيق استدامة الإنتاج الحيواني، تجب مناقشة سياسة نظم الغذاء التي تقوم على سيادة السكان المحليين على ثرواتهم الطبيعية، وتحقيق المساواة الاقتصادية، فتركيز الشركات على خيار نظام غذائي صحي جديد سواء كان مصدره نباتياً أو حيوانياً، ستكون إمكانية الحصول عليه أسهل بالنسبة للأغنياء، دون مراعاة أحوال الفقراء.

كيف يشكل الاستلاء على الموارد خطراً على الرعاة؟

يوضح المؤلف أن سيرورة سياسات الاستيطان الاستعمارية التي تهدد الرعاة تؤدي للاستيلاء على أراضيهم لأغراض أخرى، تتسارع اليوم، ما يعني الاستيلاء على الموارد من مياه ومعادن، وانتزاع الأراضي من قبل قلة من المستثمرين يؤدي إلى صعوبة وصول أصحابها إلى الموارد الأساسية للعيش الكريم.

تستعمل الأزمات كذريعة لذلك مثلما حدث خلال الأزمة الغذائية لسنة 2008، فقد جرى استغلال تغير المناخ والتدهور البيئي للاستيلاء على أراضٍ واستغلالها لأغراض ربحية، إذ وصفت على أنها مساحات شاسعة وفارغة ومتاحة للاستثمار، إلا أن الاستثمارات في المناطق الرعوية تغير الاقتصاد الرعوي، وتجعل البشر أقل قدرة على الدفاع عن مناطقهم، كما تعمق اللامساواة وتهدد مصادر الرزق بتواطؤ بين الحكومات والرأسماليين غير مبالين بمصلحة السكان الاصليين.

كيف ينظم الرعاة أنفسهم للدفاع عن مصادر أرزاقهم وبيئاتهم؟

بسبب وجودهم في مناطق مهمشة، يكون تأثير الرعاة في السياسات التي تتعلق بهم ضئيلاً جداً، ويعرقل عملية تنظيمهم لمواجهة السياسات التي يقودها المركز، الذي يستغل الأزمة البيئية والغذائية لفرض نماذج جديدة قائمة على الربح، في حين يرتكز منظور الهامش على أنّ الرعاة منتجون منخفضو الأثر، ولا ينتمون للأسواق التي تقيدها الدولة.

يواجه الرعاة والفلاحون وصغار المزارعين نفس المشاكل، في ظل التحديات التي تطرحها النيولبرالية، لذا يجب التفكير في أشكال التنظيم المحلي للرعاة وحلفائهم لمواجهة هذه التحديات، لكن تنقل الرعاة وتشتتهم يقفان عائقاً أمام تنظيمهم.

من الأفكار الاستعمارية حول الأراضي الجافة فرض زراعة الأشجار بناء على تصورات خاصة بالغابات الأوروبية، فأصبح غرس الاشجار جزءاً من مهمات التنمية في المستعمرات الفرنسية منذ بداية القرن التاسع عشر، في وقت كان يجب التعامل وفق النظم البيئية وخصوصياتها حسب كل منطقة

وقد استطاع الرعاة في دول أمريكية وأوروبية العمل مع حركات حليفة تدافع عن قضاياهم، ويجب التحالف مع أخرى كحركات العدالة المناخية والبيئية والعمال المهاجرين، لمواجهة الأفكار الخاطئة عن طرق العيش الرعوية، ومحاربة كل تحديات النيولبرالية من استبداد واستيلاء على الأراضي والموارد.

هل يسعى الرعاة أن يُرُونا المستقبل؟

استطاع الرعاة الحفاظ على أسلوب عيشهم الذي دام آلاف السنين، وتعلموا العيش مع انعدام اليقين، مما أسهم في قدرتهم على التكيف مع كل المستجدات المناخية والبيئية والصحية. خلافاً لسياسات المؤسسات والدول التي تحاول السيطرة على عالم سريع التغير بالثقة في تنبؤات قائمة على معرفة نسبية.

يعلمنا الرعاة أن هذا العالم يمشي بإرادته، وعلينا الاستعداد لكل تغير مفاجئ بعدم اليقين.

الصور ضمن المادة هي من كتيّب "الماشية والمناخ وسياسات الموارد"

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard