شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"فحار بصري مما رأيته"… رحلة في مدينة تبريز على خطى الرحالة الذين زاروها

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب

الخميس 25 مايو 202303:38 م

لا يزال التاريخ الدقيق لإنشاء مدينة تبريز غير معروف بشكل صحيح، وهناك العديد من المناقشات حوله، وقد زعم بعض المؤرخين بأن جنّة عدن بُنيت في الموقع الحالي لمدينة تبريز.

تم اختيار هذه المدينة عاصمةً لحكم سلالات مختلفة على مر التاريخ؛ في أولى هذه الحقب المتوالية كانت تبريز عاصمة حكم الإسكندر المقدوني (323-356 ق. م). كما قيل إنها دُمّرت في القرن الرابع الميلادي، فلم تكن أكثر من قرية صغيرة حين استسلامها أمام المسلمين، ثم بدأت تنمو وتتوسع من جديد في القرن الثالث الهجري.

من خلال ذكريات السائحين الذين زاروا هذه المدينة الواقعة شمال غرب إيران وسكانها من الآذريين الأتراك، سنلقي نظرةً على جغرافياها ونتابع تطورها من منظور هؤلاء الرحالة والدبلوماسيين، لنفهم أخيراً مدى أهميتها اليوم.

"وصلنا إلى سوق عظيمة تُعرف بسوق قازان، كلّ صناعة فيها على حدة لا تخالطها أخرى. واجتزت بسوق الجوهريّين فحار بصري ممّا رأيته من أنواع الجواهر... وهم بين أيدي التجار يعرضون الجواهر على نساء الأتراك وهنّ يشترينه كثيراً ويتنافسن فيه"

بعد وصول المسلمين إلى إيران، وعندما سيطروا على إقليم أذربيجان (وهو يشمل اليوم 4 محافظات تقع في شمال غرب البلاد المحاذیة لحدود أرمينيا وتركيا وجمهورية أذربيجان التي انفصلت عن إيران لصالح روسيا القيصرية في القرن الثامن عشر)، استرجعت تبريز، وهي أبرز مدينة في هذا الإقليم، مكانتها وأهميتها القديمة تدريجياً، برغم الزلازل التي كانت تدمّر المدينة في كل مرة.

حينما زار تبريز الرحالة والشاعر الإيراني ناصر خسرو، في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، ذكر أن مساحتها تُقدَّر بكيلومتر مربع واحد تقريباً.

عند مطلع القرن الثالث عشر، تراجع المغول عن حملاتهم على تبريز، بعد حصولهم على تعويضات، ولكن في النهاية احتلوا كل أنحاء إقليم أذربيجان، بما فيها تبريز.

وخلال حكم الدولة الإيلخانية المغولية، التي حكمت مئة عام من منتصف القرن الثالث عشر حتى منتصف القرن الرابع عشر، باتت تبريز عاصمة حكمهم، وفي تلك الحقبة تم بناء العديد من القصور والجوامع والمباني التي ذكرها الرحالة الإيطالي ماركو بولو ((1324-1254): "مدينة كبيرة للغاية محاطة بحدائق جميلة وزاهية، كما أنها تمتاز بموقع جغرافي مهم، بحيث يتم جلب البضائع إليها من جميع المدن كما يمكن أيضاً للتجار شراء وتسويق البضائع التي يجلبونها منها في مدن وأماكن أخرى".

أما الرحالة المغربي ابن بطوطة، الذي زارها في القرن الرابع عشر الميلادي، فقال فيها: "وصلنا إلى سوق عظيمة تُعرف بسوق قازان، كلّ صناعة فيها على حدة لا تخالطها أخرى، واجتزت بسوق الجوهريّين فحار بصري ممّا رأيته من أنواع الجواهر... وهم بين أيدي التجار يعرضون الجواهر على نساء الأتراك وهنّ يشترينه كثيراً ويتنافسن فيه".

عاصمة إيران الحديثة

من جديد أصبحت تبريز عاصمة الحكم في مطلع القرن السادس عشر، حينما استولى عليها الشاه إسماعيل، مؤسس الدولة الصفوية في عام 1500م.

ووصفها أحد التجار الذين كانوا يترددون عليها في تلك الحقبة الزمنية قائلاً: "الطبيعة الخلابة والموقع الجغرافي المميزان اللذان تنفرد بهما تبريز في ذلك الحين قل نظيرهما إلى درجة أنهما يحفزان الناس على البقاء وقضاء أوقات سياحية ممتعة، كما أنها تمتاز بوفرة الحدائق من حولها والمفعمة بالنباتات الطبيعية".

قد احتضنت تبريز الكثيرَ من الأشياء الحديثة لأول مرة في إيران خلال القرن ونصف القرن الأخير؛ فأنشئت في تبريز أول مطبعة إيرانية حديثة، وأول دار سينما عامة، وأول روضة أطفال، وأول مدرسة للصم والبكم، وأول شارع مكهرب.   

لكن قرب مدينة تبريز من الحدود العثمانية جعلها عرضةً لتهديدات هذه الدولة المجاورة، لذلك احتلها العثمانيون مرات عدة حتى اضطر ثاني ملوك الصفويين، الشاه طهماسب الصفوي، إلى نقل العاصمة الإيرانية إلى مدينة قزوين غرب مدينة طهران.

"رأيت مدينةً كبيرةً مكتظةً بالسكان، حينها علمت بأنها ثاني مدينة في إيران من حيث الأسواق والثروة والسكان. في تبريز ثلاثة مستشفيات تتم صيانتها والاهتمام بها بصورة مستدامة وجميعها نظيفة ومرتبة للغاية. كما أنها المدينة الأوسع على الإطلاق من بين المدن والساحات التي زرتها"؛ جاء هذا الكلام في كتاب السائح الفرنسي شاردن، في سنة 1664م.

شبح الزلازل يخطف أرواح السكان

قُتل 80 ألفاً من سكان هذه المدينة في الزلزال المروع الذي ضرب تبريز عام 1721، وفي أثناء احتلال العثمانيين للمدينة مرةً ثانيةً بين 1724-1725، قُتل ما يقرب من مئتي ألف شخص من سكانها، أما في عام 1780، فتسبب زلزال مروع آخر في مقتل نحو مئتي ألف شخص آخرين من قاطني هذه المدينة، حيث تسببت هذه الكوارث العديدة في أن تتحول تبريز إلى مدينة أشباح، حتى وصل عدد سكانها في نهاية القرن الثامن عشر إلى 30 ألف نسمة.

ذكر الطبيب الإنكليزي جون بيل أنتيرموني، خلال زيارته المدينة عام 1716، أي قبل فترة وجيزة من حوادث التدمير: "شوارع تبريز ضيقة وغير منتظمة، منازلها مبنية من الطابوق، كما يمكن مشاهدة مساجدها الجميلة ذات المآذن الرائعة. والمدينة تحتوي على عدد من الخانات الكبيرة، لكن ضعفها يكمن في عدم توفر الحصون والتحصينات الدفاعية فيها، فهي مفتوحة بالكامل".

دار حكومة تبريز

مع بداية عصر القاجاريين (1786-1925)، تم التوجه إلى هذه المدينة والاهتمام بها مرةً أخرى، وفي أثناء هذه الفترة، اختيرت تبريز لتكون المدينة التي يحكمها ويقطنها ولي عهد هذه السلالة. ووفقاً لهذا الاختيار ازداد نموها وتطورها وأصبحت تُعرف باسم دار الحكومة.

جاء في مذكرات جوبير المستشرق الفرنسي وسفير نابليون لدى طهران، عن دار الحكومة التي زارها عام 1805: "جميع البوابات الكبيرة للمدينة كانت مصنوعةً من البلاط القاشاني الملون وتضم المدينة أسواقاً جميلةً. أما الشيء اللافت للنظر الذي شاهدته، فهو اختلاف المآذن الإيرانية عن التركية، إذ تكون مآذن مساجد تبريز أقصر من مآذن مساجد تركيا".

وخلال الحروب الإيرانية الروسية، عُدّت تبريز أحد أهم أهداف القوات الروسية، حتى استولوا عليها عام 1826، ومن خلال توقيع اتفاق السلام بين إيران وروسيا، استعادت القوات الإيرانية هذه المدينة.


ثم بدأت إصلاحات واسعة النطاق لتحديثها، وأُعدّت خريطة جديدة للمدينة، فانتشر الإعمار والبناء في أرجاء تبريز، وتم إنشاء نظام بريدي جديد، ونظام ضريبي أيضاً، كما بدأ التحديث العسكري لثكنات الجيش الإيراني في المدينة وصناعاتها ذات الصلة.

"إدارتها كانت في يد ولي عهد البلاد، وولي العهد هو الحاكم القانوني حينما يجلس على العرش. وبغض النظر عن هذا، فتبريز لها أهمية أخرى، حيث أن موقعها الجغرافي، جعلها محل اهتمام روسيا والعثمانيين"؛ هكذا كتب الطبيب الفرنسي الخاص لدى ناصر الدين شاه القاجاري، الدكتور فوفريیه، عام 1889م.

أدى ازدهار التبادلات التجارية والثقافية في تبريز على مر القرون إلى تطوير وتوسيع المؤسسات المدنية والاجتماعية فيها، خاصةً مع الاستقرار النسبي في عهد القاجار والعلاقة الجيدة نسبياً مع روسيا والعثمانيين، ونظراً إلى موقعها الاستراتيجي، حتى نمت المدينة وتقدمت في تبادلاتها وعلاقاتها مع الشرق والغرب.

كما ساعد هذا الموقع في نمو وتطور الحركات والجمعيات الفكرية والتحررية في المدينة، حتى أدت تبريز دوراً لا يستهان به في انتصار الثورة الدستورية المطالبة بحكم القانون أمام النظام الملكي، والتي بدأت سنة 1906 في إيران وعلى إثرها أصبح للمجتمع الإيراني برلمان يشرف على أداء الحكومة.

"رأيت مدينةً كبيرةً مكتظةً بالسكان، حينها علمت بأنها ثاني مدينة في إيران من حيث الأسواق والثروة والسكان. في تبريز ثلاثة مستشفيات تتم صيانتها والاهتمام بها بصورة مستدامة وجميعها نظيفة ومرتبة للغاية، كما أنها المدينة الأوسع على الإطلاق من بين المدن والساحات التي زرتها"

ذكر الكاتب الجغرافي الألماني هوغو جروث، في عام 1907: "نظم كل حي سكني في تبريز مجموعةً مسلحةً لدعم الدستوريين، إبان انطلاق الثورة الدستورية في إيران، حيث أن تبريز شهدت كمعظم المدن في إيران العديد من الويلات والكوارث".

احتلال روسي متواصل

دفع حينها الأهالي ثمن رغبتهم في الحرية، وبعد انتصار الثورة، احتُلّت تبريز من جديد من قبل القوات الروسية أثناء الحرب العالمية الأولى، وبقي الجيش الروسي فيها حتى نهاية الحرب (1918)، فقمع الروس المناضلين والثوار والأحرار فيها، وسيطر الخوف والذعر على أهلها عبر تنفيذ كوارث دموية.

وفي الحرب العالمية الثانية، احتلت القوات السوفياتية تبريزَ من جديد، فكتب عنها السائح السويسري نيكولا بوفييه، عام 1954: "عندما غادر السوفيات المدينة، تركوا وراءهم بضعة شوارع معبدة، ومصنع غزل حديثاً، ومبنى جامعة، وأكشاكاً مليئةً بكتب أفكار ماركس ولينين المترجمة إلى اللغة الآذرية، وبضعة أزقة ضيقة محاطة بجدران ترابية".

تُعدّ مدينة تبريز اليوم من المدن التجارية والصناعية الكبرى في البلاد، نظراً إلى موقعها الجغرافي والتاريخي، وكانت قد احتضنت الكثير من الأمور الحديثة لأول مرة في إيران خلال القرن ونصف القرن الأخير؛ فأنشئت في تبريز أول مطبعة إيرانية حديثة، وأول دار سينما عامة، وأول روضة أطفال، وأول مدرسة للصم والبكم، وأول شارع مكهرب.  

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard