شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
النساء وقوانين الأحوال الشخصية... ماذا يقول لنا التراث عن مرونة الفقه الإسلامي؟

النساء وقوانين الأحوال الشخصية... ماذا يقول لنا التراث عن مرونة الفقه الإسلامي؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!
Read in English:

Women and personal status laws.. What heritage tells us about Islamic jurisprudence

يشكل التاريخ دوماً مُعِيناً خصباً للوقوف على ما حدث في العصور السابقة، كما يساعدنا على فهم التفاعلات المختلفة بين السياقات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والدينية. ومن هنا، لا تكفينا كتب الفقهاء، بحال أردنا البحث في التراث الإسلامي عن أحكام الزواج والطلاق وغيرها، بل يجب البحث عنها كذلك في الممارسات العملية وواقع الناس المعيش.

هذا مدخل عضوة هيئة التدريس المنتدبة في قسم الحضارة العربية والإسلامية في الجامعة الأمريكية في القاهرة، هدى السعدي، للإضاءة على ثراء التاريخ الإسلامي وعلى واقع أن أحكام الزواج والطلاق لم تكن مستقاة فقط من كتب الفقه، ولكن جاءت نتيجة لتفاعل عدة عوامل، وذلك في الفصل الذي كتبته في كتاب "العدل والإحسان في الزواج: نحو قيم أخلاقية وقوانين مساواتية" الصادر حديثاً عن دار الكتب خان.

تتساءل: "ما الذي تخبرنا به أعراف الزواج التي كان المسلمون/ات يمارسونها عن طبيعة تراث الفقه؟ وما الذي يمكن أن تخبرنا به هذه الأعراف عن التدابير التي اتخذتها النساء والفاعلية التي مارسنها في التعامل مع الزواج والحياة الأسرية؟".

عندما يستجيب الفقه للواقع

تستعرض السعدي أعراف الزواج في مصر أثناء الفترة الممتدة من القرن السابع إلى القرن الـ16 الميلادي، من خلال البحث في الفتاوى المجمعة، ووثائق الأوقاف، وعقود الزواج المبرمة قبل دخول الإسلام إلى مصر، وسجلات المحاكم، وغيرها.

وتُبرز ما في التراث الإسلامي من أحكام ومواقف تُظهر المرونة والقدرة على الاستجابة للواقع والعادات الاجتماعية السائدة. وتدلل على هذه المرونة من خلال تناول موضوع تقسيم الصداق إلى مقدم ومؤخر، والذي وجدته سِمة مشتركة في كل عقود الزواج في مصر الإسلامية في ذلك الوقت، وليس في عقود المسلمين وحدهم.

ومن المعروف أن الإمام مالك بن أنس عارض تقسيم الصداق، من باب أن تأخيره إلى حين الوفاة أو الطلاق يُعَدّ بدعة، لعدم ذكر ذلك في القرآن أو الحديث. ولكن الفقهاء المالكيين في مصر، وعلى رأسهم الليث بن سعد، رفضوا أعراف المدينة المنورة، معارضين الإمام مالك ومؤكدين فكرة تقسيم الصداق إلى مقدم ومؤخر. وكان ذلك بمثابة محاولة منهم للتكيف مع الأعراف المحلية، إذ كان تأخير جزء من الصداق شائعاً في المجتمع المصري على مرّ السنين.

كذلك، تشرح السعدي أنه كان من الشائع وضع شروط في عقد الزواج، مثل الإقامة بالقرب من عائلة الزوجة، أو ألا يشرب الزوج الخمر، أو اشتراط حق تطليق أي زوجة يتخذها زوجها وبيع أي جارية يشتريها...

وتقول: "برغم وجود المعايير الأبوية، فقد استند التراث القانوني الإسلامي إلى آليات وإجراءات تمكّن النساء من المطالبة بحقوقهن والتفاوض في شؤون الزواج والطلاق بطرق تضمن لهنّ ترتيبات أكثر مساواة؛ الأمر الذي يكشف عن أن هذا التراث كان مرناً وتعددياً ومتنوعاً".

هذه المرونة التي كانت قائمة قديماً خفتت في زمننا الراهن. تشرح الباحثة في تاريخ القانون والشريعة فاطمة حافظ لرصيف22 أن الاحتكام إلى مذهب واحد ورأي واحد قضى على مرونة وتعددية الفقه، بحيث صارت جميع النساء على اختلاف ظروفهن مُلزَمات بنص قانوني لا يراعي التعددية والاختلاف.

وتضرب مثالاً برأي المذهب الحنفي الذي يمنع طلاق المرأة من زوجها الغائب الذي لا يُستدلّ عليه، إلا ببلوغ الزوج 90 عاماً من العمر أو بالتحقق من موته من أقرانه، بينما توجد مرونة في المذهب المالكي الذي يقول بجواز التفريق بين الرجل وزوجته بعد سنة من الغياب، بحال تضررت الزوجة.

وتقص واقعة حدثت في مصر، في أواخر العصر العثماني، أمام محكمة رشيد، مفادها أن امرأة ذهبت إلى القاضي تشكو من غياب زوجها، وقالت إنها تحتاج إلى النفقة، كما تشكو من خلو فراشها، فأعطاها القاضي حق الفسخ، ففسخت نكاحها بطلقة واحدة تملك بها مراجعته (أي يكون لها الحق في الرجوع إليه) إنْ عاد موسراً (غنياً).

وعليه، صار ممكناً لهذه المرأة اختيار التطليق، للحصول على فرصة الزواج من آخر، والحصول على حقوقها الشرعية والمادية، وكذلك بقيت لديها فرصة الرجوع إلى الزوج الأول بشروطها (أن يعود موسراً)، بحال لم تكن قد تزوّجت بعد أو تزوجت ثم طُلقت.

للإصلاح مسارات عدّة

لا شك في أن قوانين الأسرة الحالية لا تزال تعكس التفسيرات الأبوية، لذا، نجدها متعارضة مع مبادئ المساواة بين البشر. ويُعَدّ مفهوما القوامة والولاية من أبرز النقاط التي تؤسس لسلطة الرجال في القانون، سواء في الماضي أو الحاضر، مما يجعل التغيير صعباً، ويمكن تحقيقه فقط بالعمل على عدة مستويات وفي مسارات متوازية، لكن كيف؟

تحاول ثلاث كاتبات الإجابة عن هذا السؤال في فصل آخر من نفس الكتاب المذكور. تعرض أستاذة القانون في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن لين ولشمان، وأستاذة الدراسات الإسلامية والدراسات الدينية المقارنة في جامعة منوبة التونسية زهية جويرو، والأكاديمية والناشطة المصرية الحاصلة على الدكتوراه في القانون من جامعة أكسفورد البريطانية مروة شرف الدين، ثلاثة طرق لتحقيق التغيير وهي: تغييرات موضوعية في القوانين ذاتها؛ والإصلاح الإجرائي أو الإداري؛ وتبنّي القوانين الواقعة خارج نطاق قوانين الأسرة لكنها تتعلق بالممارسات الأسرية، مثل العنف ضد النساء.

"برغم وجود المعايير الأبوية، استند التراث القانوني الإسلامي إلى آليات وإجراءات تمكّن النساء من المطالبة بحقوقهن والتفاوض في شؤون الزواج والطلاق بطرق تضمن لهنّ ترتيبات أكثر مساواة، الأمر الذي يكشف عن أن هذا التراث كان مرناً وتعددياً ومتنوعاً"

وكمثال على المدخل الأول، تعرض الكاتبات الإصلاحات التي تمت بالفعل وهي: الإصلاح الشامل الذي تحقق في مدوّنة الأسرة المغربية عام 2004، والذي تضمّن مفاهيم المساواة بين الزوجين، وكذلك تغيير أحكام زواج القصّر برفع سنّ الزواج من 15 عاماً للفتيات و18 للفتيان إلى 18 للجميع، وأحكام ولاية الزواج بمنح النساء البالغات السنّ القانونية حق إبرام عقود زواجهن بأنفسهن دون وليّ، وإصدار قانون الخلع في مصر عام 2000، والإصلاحات التي تنص على المساواة في الميراث بين النساء والرجال في مشروع قانون قدّمه رئيس الجمهورية التونسية وأقرّته الحكومة عام 2018 وأحالته على البرلمان للموافقة عليه.

وتُخبرنا الإصلاحات التي تحققت في المغرب ومصر وتونس بأن التغييرات الجوهرية في قوانين الأسرة بهدف تحقيق المساواة بين النساء والرجال يمكن أن تتحقق من خلال الجمع بين عدة إستراتيجيات تمزج بين الطروحات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، وتشارك في وضعها الأطراف ذات المصلحة.

حلول أم باب خلفي للمشاكل؟

الطريقة الثانية لتغيير قوانين الأسرة، أي الخطوات الإجرائية والمؤسسية، هي من الخطوات الشائعة لإصلاح قوانين الأسرة ومنها، متطلبات تسجيل الزواج، ومتطلبات الإخطار (مثلاً إخطار الخطيبة بأن زوجها المستقبلي متزوج بالفعل من أخرى/ أخريات).

تبدي مديرة برامج المرأة في مؤسسة قضايا المرأة المصرية سهام علي تفضيلها للعمل من خلال مساري القوانين الموضوعية والإجراءات، وتشرح لرصيف22 أنه طبقاً للمسار الأول توجد قوانين حالية فيها ما يوفّر حمايةً للنساء إلا أنها تفتقر إلى إجراءات وآليات، كي تُفعَّل على الوجه الأمثل، كما في حالة النصوص القانونية الخاصة بتجريم ختان الإناث وتلك الخاصة بمعاقبة المتحرش جنسياً، لأن العديد من النساء يجدن صعوبة في مقاضاة الجناة بسبب صعوبة الإجراءات وعبء الإثبات وكذلك العادات والتقاليد التي تمنع كثيرات من الضحايا من الإبلاغ.

"تُخبرنا الإصلاحات التي تحققت في المغرب ومصر وتونس بأن التغييرات الجوهرية في قوانين الأسرة بهدف تحقيق المساواة بين النساء والرجال يمكن أن تتحقق"

وتتفق معها مؤسِّسة ومديرة مركز تفوق الاستشاري للتنمية في البحرين مريم الرويعي. تشرح لرصيف22 أن هذا الجهد على المسارين المذكورين أدى إلى إصدار قانون للحماية من العنف الأسري في البحرين عام 2015، وتعمل الحركة النسائية على إدخال تعديلات عليه لسد النواقص التي لم يتطرق إليها كتحديد عقوبات بحق المُعنف وإدراج التهديد بالإيذاء كأحد أنواع العنف التي يُعاقب عليها القانون وحماية المبلغين عن واقعة العنف. كذلك نجحت الحركة النسائية البحرينية عام 2023 بإلغاء المادة 353 من قانون العقوبات البحريني والتي تُعفي المُغتصب من العقوبة إذا عقد على المغتَصَبة.

وعن الحال في الأردن، تقول المستشارة القانونية للجنة الوطنية لشؤون المرأة في الأردن آمال حدادين لرصيف22 إن القانون الأردني لديه عدة إجراءات للحد من التلاعب في حالات تعدد الزوجات. من هذه الإجراءات أنه يجب على القاضي، قبل إجراء عقد الزواج، التحقق من قدرة الزوج المالية على المهر، وعلى الإنفاق على مَن تجب عليه نفقته، وإفهام المخطوبة بأن خاطبها متزوج بأخرى. وإضافة إلى ذلك، للمحكمة أن تحكم على المحضر (الموظف الذي توفده المحكمة للتبليغ) بغرامة لا تتجاوز عشرين ديناراً إذا لم يكن التبليغ عن اتخاذ الزوج زوجة أخرى موافقاً للأصول أو لم يقع أصلاً بسبب إهماله أو تقصيره، ثم إنه لا يتم تسليم الزوج المكرر للزواج نسخة من عقد الزواج إلا بعد أن يثبت تبليغ الزوجة أو الزوجات بأن لديه أكثر من زوجة.

تنصح الباحثات دعاة الإصلاح بالاستعانة بالمسارات المتاحة واختيار المناسب لهم/ن، إذ تتأثر تلك المسارات بالسياق المحيط، سواء في ما يتعلق بأشكال الإصلاح المطلوبة أو بالتحديات والفرص.

وبينما تساعدنا الأدلة التاريخية على خلخلة الافتراضات التي تزعم جمود تراث الفقه وأُحاديّته، وتتيح لنا النظر ببصيرة إلى السوابق التاريخية، لا تكتمل الصورة إلا من خلال النظر في الواقع المعيش، والبحث في مسارات الإصلاح المتاحة، وهو ما يؤدي إلى اتساع رقعة التغيير.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard