الثروة المشتركة بين الزوجين... ما لم يخبرك به الشيخ ولا الإمام

الجمعة 22 يناير 202111:16 ص
Read in English:

Spouses’ Shared Wealth... What the Sheikhs Don’t Tell You

تقوم أسطورة الحب في أذهان الكثيرين على فكرة مفادها أن الفتاة الجميلة ستتزوج من شاب وسيم، يأتيها بكل ما تحب وتشتهي، وهي ستقدّم له في المقابل طعاماً لذيذاً، وبيتاً مرتباً، وأبناءً صالحين، ويعيش الجميع في تبات ونبات، وينجبون صبيان وبنات!

نعرف جميعاً أن الواقع لا يدعم هذه الأطروحة، بل وتنتهي القصة في الكثير من الأحيان في قاعات محاكم الأسرة.

الغريب أن القانون في العديد من دول المنطقة يدعم هذه النظرة للأمور، ويجعلها أساساً للعلاقة بين الزوجين، فنراه في الكثير من الأحيان، وبجانبه الأعراف، يستند إلى أدوارٍ نمطية للزوجين، بصورة توحي بأن هذه هي الصورة المثالية أو الوحيدة لرفاه الأسرة واستقرارها، فتتوزع الواجبات بحيث يكون على الزوج حصرياً الإنفاق على الأسرة، وعلى المرأة وحدها رعاية البيت والأبناء.

النص والواقع... هل يلتقيان؟

تردد مؤخراً مصطلح "الأموال الزوجية" أو "الثروة المشتركة"، وهو تعبير يُقصد به الأموال والأصول التي تم الحصول عليها عن طريق جهد مشترك للزوجين خلال فترة زواجهما، وظهرت مطالبات بتقسيم الثروة المشتركة بين الزوجين عند وفاة أحدهما أو عند وقوع الطلاق.

فجّرت هذه المطالبات جدلاً ساخناً بين مؤيدين يقولون بأحقية المرأة في تلك الأموال، بالبناء على مجهودها في تنمية الأسرة مادياً ومعنوياً خلال فترة الزواج، وبين معارضين يعتبرون أن هذه الصيغة تظلم الرجل، كما أنها ابتداع في الدين.

تقول د. ملكي الشرماني، أستاذة مساعدة للدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في جامعة هلسينكي، في فنلندا، وعضو في مجموعة عمل بناء المعرفة في حركة مساواة لرصيف22: "تأتي الثروة المشتركة كصيغة تُثمّن مجهود المرأة وترفع الظلم الذي يتنافى مع المقصد الإلهي للزواج، وهو التراحم والتماسك والسكينة والمودة والرحمة، لكن تظل المشكلة في الوصول إلى طريقة موضوعية لحساب مساهمة كل طرف، بدون المبالغة في الاحتفاء بالمساهمة المادية على حساب المساهمة بالمجهود. باختصار، نحتاج إلى طريقة تأخد السياق في الاعتبار وتتميّز بالمرونة الكافية للتعامل مع الحالات المختلفة".

من المعروف أن الأصل في الإسلام هو الإنفاق على المرأة من عائلها، وإلا أنفق عليها بيت المال. مع ذلك، فإن مشاركة الزوجة في نفقات البيت والأسرة من الأشياء المستحبّة لما تحققه من حب ومساندة، ولكنها لا تسقط نفقتها الشرعية، وهو ما أفتى به مجمع الفقه الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، في دورته الـ16 في دبي.

مع ذلك، يبقى الفارق شاسعاً بين النص والواقع، فالانفصال بين أموال الزوجين في النص مختلف تماماً عن الواقع، إذ يشترك الزوجان في العديد من المسؤوليات المالية للأسرة، وكذا تكاليف الزواج. فقد أصبحت مساهمة المرأة في تحسين أوضاع الأسرة المعيشية أمراً لا يمكن إنكاره أو غض الطرف عنه، سواء مجهودها داخل البيت ومع الأطفال، أو من خلال عملها خارج المنزل.

تنطلق فلسفة الثروة المشتركة بين الزوجين من أن المرأة التي تعمل داخل الأسرة هي التي مكّنت الزوج من العمل خارج المنزل وهو مطمئنّ، مما يمكنه من تنمية أمواله باستمرار.

كذلك، تساهم العديد من الزوجات بمداخيلهنّ، بشكل مباشر، في الإنفاق على الأسرة. وفي هذا السياق، أشارت دراسة نُشرت في مجلة الحضارة الإسلامية عام 2011، إلى أن 80% من النساء العاملات في العيّنة البحثية يُجبَرن على المساهمة برواتبهن في نفقات الأسرة، من خلال التهديد بالطلاق أو الحرمان من بعض الحقوق كالخروج من المنزل ونحو ذلك.

كذلك، تشير الإحصاءات إلى أن النساء تعيل 33% من الأسر المصرية، و10.6% من الأسر الفلسطينية، و30% من الأسر اللبنانية، و11% في المغرب، و22.6% في كل من اليمن والسودان.

تقول هديل حازم، مسؤولة البرامج في إحدى المؤسسات الدولية في العراق لرصيف22: "أجد من الصعوبة الإجابة بنعم أو لا على فكرة تقسيم الثروة المشتركة، لأن الثروة هنا تعتمد على مصدرها و تاريخ اكتسابها، لذا في حال كان الطرفان يعملان ويساهمان في المصروف، فمن الممكن تقسيمها بين الطرفين، أما إذا كانت المرأة لا تعمل خارج البيت، فأرى أنه في تلك الحالة يمكن احتساب نسبة من الثروة المشتركة لأن المرأة ستكون كذلك مساهمة في تكوينها".

ما رأي الإسلام؟

تقوم فكرة الزواج في الإسلام بالأساس على المودة والرحمة والثقة والتضامن بين الطرفين، لذا من الصعب تصوّر فكرة استقلال الذمة المالية، وتبقى فكرة نظرية، في ظل الاتحاد الفعلي لذمم الكثيرين من الأزواج.

يقودنا ذلك بطبيعة الحال إلى السؤال التقليدي، ما رأي الشريعة الإسلامية في الموضوع؟

النساء لم يكنّ منذ العصر الأول للإسلام راضيات بالضيم الذي تُلحقه بهن الأنظمة الذكورية وأعرافها الاجتماعية، وهذا ما تؤكّده قصة حبيبة بنت زريق مع عمر بن الخطاب

نخطئ في صياغة السؤال، فمَن منّا يستطيع الادّعاء بأنه فهم تماماً قصد الله من النص؟ الشريعة ليست فهمك أو فهمي، بل هي أفق رحب، منفتح على العديد من الرؤى والاجتهادات، طالما كان هنالك أساس يدعمها، ومن ثم لا توجد إجابة نموذجية.

تقول د. زهية جويرو، أستاذة الدراسات الإسلامية ودراسات الجندر في كلية الآداب والفنون والإنسانيات في منوبة، في تونس لرصيف22: "بناء على واقعة حبيبة بنت زريق، ذهب المالكية إلى إفراد النساء اللواتي يعملن ويكسبن ما يدخل ضمن أملاك العائلة بأحكام مستقلة عن أحكام المواريث. قال ابن العطار: ذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أن المرأة إذا كانت تعمل مثل النسيج والغزل ونحوهما فإنها شريكة الزوج في ما استفاد من خدمتها أنصافاً بينهما".

وقصة حبيبة بنت زريق أنها ذهبت إلى عمر بن الخطاب عندما توفي زوجها عمرو بن الحارث واستولى أهله على ما ترك من مال وعقار اكتسباه معاً، هي بعملها في النسج والتطريز وهو بعمله في التجارة بما كانت تنتجه، فقضى بقسمة المال إلى نصفين، فأخذت حبيبة النصف، ثم الربع من مال الزوج بالميراث، لأنه لم يكن لديه أولاد، وأخذ الورثة الباقي.

وتضيف جويرو أن هذه الواقعة تدل على أنّ النساء لم يكنّ منذ العصر الأول للإسلام راضيات بالضيم الذي تلحقه بهن الأنظمة الذكورية وأعرافها الاجتماعية.

أما من الناحية القانونية، فنجد مثلاً أن المشرّع الماليزي استند إلى الآية الكريمة رقم 32 من سورة النساء، {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن}، حيث أقر الله أن حقوق كل من الرجال والنساء تعتمد على جهدهم وكسبهم، ومن ثم تقضي المحكمة بتقسيم الأموال التي كسبتها الأسرة خلال فترة الزواج، بين الزوجين، في حال الطلاق أو قبل أن يقوم الزوج بالزواج من أخرى.

يجب علينا الاعتراف بأن من أهم عوائق عمل المرأة الواجبات المنزلية والرعائية التي لا تنتهي، والتي تجعلها تتحمل عبئاً مضاعفاً إذا قررت العمل خارج المنزل

استند المشرع كذلك إلى العرف والمصلحة المرسلة التي تُعَدّ وثيقة الصلة بمقاصد الشريعة الإسلامية (الحفاظ على النفس، والدين، والعقل، والعرض، والمال)، وفي هذه الحالة، فالمصلحة هي حفظ مال المرأة.

وأنواع المصالح هي المصلحة المعتبرة، وهي ما اعتبرها الشرع بناء على الدليل الشرعي، والمصلحة الملغاة، وهي ما تتعارض مع الشرع، والمصلحة المرسلة، وهي التي لا يوجد دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها.

وفي نفس السياق، قضى مجلس الإفتاء في ولاية سيلانجور الماليزية، عام 2005، أنه في حال وفاة أحد الزوجين، يجب تقسيم الثروة المشتركة، وإعطاء الطرف الحي نصيبه، قبل توزيع الأنصبة. ويجب تقسيم الثروة وفق حجم مساهمة كلٍ منهما، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ويتم توزيع الأنصبة من خلال المحكمة.

كذلك، جاء في تعديل أحكام قانون الأسرة الجزائري عام 2005، إمكانية التدبير المالي للأموال المكتسبة بعد الزواج، سواء حدث اتفاق أم لا. وقد بدأت المادة 37 بإقرار الذمة المالية المستقلة لكل من الزوجين واستئثار كل منهما بممتلكاته وعائد عمله وأملاكه وأصوله. وبمقتضى نفس المادة، يمكن للزوجين الاتفاق على تنظيم أموالهم وممتلكاتهم وكذلك عائداتها منذ تاريخ الزواج، ويتعين في تلك الحالة توثيق ذلك الاتفاق في وثيقة مستقلة غير عقد الزواج. وهو ما جاءت به المادة 49 من مدونة الأسرة المغربية: "لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستُكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها وتوزيعها".

ماذا يقول السياق؟

لا يمكن مناقشة موضوع تقسيم الأموال الزوجية بمعزل عن المشاكل المالية الأخرى التي تواجهها الزوجة بعد الطلاق، مثل قيمة النفقة والمدة اللازمة للحصول على الطلاق.

يجب علينا كذلك الاعتراف بأن من أهم عوائق عمل المرأة الواجبات المنزلية والرعائية التي لا تنتهي، والتي تجعلها تتحمل عبئاً مضاعفاً إذا قررت العمل خارج المنزل، فوفق الإحصاءات، تُمضي النساء وقتاً أكثر من نظرائهم من الرجال في أعمال المنزل والرعاية، تتراوح من مرتين إلى عشر مرات.

بإمعان النظر، سنجد أن عدم اعتبار جهد المرأة المادي والرعائي هو جزء من منظومة التمييز بحقها وعدم تمكينها اقتصادياً، وهي منطومة خلقها العرف، وتكتمل فصولها بإخراج الفتاة من التعليم، ثم عدم تمليكها لأية أصول بعد الزواج "عشان عيب"، وأخيراً بحرمانها من إرثها الشرعي إذا كان قطعة أرض، ومساومتها على ذلك.

تبدأ رحلة الإنصاف من الاشتباك مع هذه الأعراف الظالمة، بدايةً من تغيير النظرة للأنثى على أنها فرد غير كامل، إلى العمل على سَنّ قوانين تأخذ الواقع بعين الاعتبار، وتنتصر لاحتياجات الناس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard