شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
من

من "البخلاء" إلى "مسخرة"... الأدب الساخر في التراث العربي وسوريا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الخميس 18 مايو 202311:23 ص

في حديثٍ لي مع أحد الأصدقاء عن شخصية "أبو وصفي" في المسلسل الكوميدي السوري "يوميات مدير عام"، والتي أدّاها الفنان الراحل رياض شحرور واشتُهر بها في أكثر من مسلسل، استذكرنا أيضاً عدة شخصيات ساخرة في مسلسل "مرايا" للفنان ياسر العظمة وغيره. كان الحديث ينقلنا إلى مكان أبعد وأكثر شمولاً وعمقاً، ودخلنا في نقاشٍ عن الفن الساخر والكوميديا بأشكالها، وبما مهّد الطريق لولادة فكرة هذا المقال عن موضوع كُتبَ وسيُكتب عنه الكثير.

لا يمكن لأيٍّ كان أن يمتلك السخرية وخفّة الظل، فهي موهبةٌ تتطلب ذكاءً من نوع خاص، وإحساساً عالياً بالتفاصيل الدقيقة للأحداث اليومية والتقاطها، وقدرةً على تقمّص الشخصيات المركّبة والمعقّدة. الكوميديا "فلسفة" نجدها في الكتب والكرّاسات، وفي الجامعات، لكنها مكتسبةُ أيضاً من الخبرات التي تُقدمها وتُراكمها الحياة لصاحبها، وهو ما يجعلها تصل إلى الناس البسطاء وتقدم لهم ما تعجز كتب علم النفس بأكملها عن إيصالها لهم.

الكتابة الساخرة في مواجهة الواقع

دخلت الكتابة الساخرة الثقافة العربية قديماً، ربما منذ كتاب "البخلاء" للجاحظ، ثم من سار على دربه لاحقاً مثل أبو العتاهية والحطيئة، وكان لشخصية جحا مكانةٌ مرموقةٌ في الأدب العربي الساخر، تلك الشخصية التي مزجت الحكمة بالهزل حيناً، والحماقة في أحيانٍ أخرى.

الكوميديا "فلسفة" نجدها في الكتب والكرّاسات، وفي الجامعات، لكنها مكتسبةُ أيضاً من الخبرات التي تُقدمها وتُراكمها الحياة لصاحبها، وهو ما يجعلها تصل إلى الناس البسطاء وتقدم لهم ما تعجز كتب علم النفس بأكملها عن إيصالها لهم

يعتبر كتاب "المقامات" لبديع الزمان الهمذاني (969- 1007) من أشهر المؤلفات في الأدب العربي الساخر القديم، وما زال حتى الآن منارة لمن يريد التأليف في هذا الفن وإمتاع الناس كما القصص الطريفة والفكاهة البديعة التي يسردها بطل هذه المقامات الوهمي "أبو الفتح الإسكندري"، وليكون للهمذاني الفضل في وضع أسس هذا الفن وفتح الباب على مصراعيه أمام أدباء عرب من بعده، لمعوا في هذا المجال وأشهرهم أبو محمد القاسم الحريري وناصيف اليازجي.

لطالما كانت الكتابة الساخرة سلاحاً في مواجهة الواقع، عبر نقد المحظور بطريقةٍ غير مباشرةٍ، وتطورت عبر العصور لتصبح نافذة لكتّابها على مستوى العالم للتعبير عمّا لا يستطيعون التعبير عنه تجاه الحكومات أو الزعامات السياسية والاجتماعية التي تسيطر على مسار الأحداث في كل بلدٍ، وهذا ما جعلها تنتشر وتعود بقوةٍ في عصرنا الحالي، ما دعا إلى القول: "إن روح تشيخوف ترفرف في فضاء العالم من جديد"، باعتباره أحد أهم الكتاب الذين وظّفوا الفكاهة والسخرية بشكل واسع في مواجهة الواقع الاجتماعي والسياسي المتغير.

أدرك السياسيون خطورة هذا الفن عليهم، من حيث انتشاره وبساطته ووصوله إلى عامة الناس وتبصير عقولهم وتنويرها، دون فلسفة وتعقيد، كما في الكتب والروايات الكلاسيكية التي لها روّادها ومتابعوها من النخبة المثقفة فقط وبعيداً عن العامة. دفع العديد من الكتاب ثمن كتاباتهم الساخرة، كالكاتب التركي عزيز نيسين الذي كتب قصة قصيرة أدخلته السجن، وهي تتحدث عن بيتٍ فرّط به أصحابه وسلّموه للغرباء برغم بقاء ملكيّته لهم. عندها قال المدعي العام الذي كان يُحاكمه إنه يقصد الوطن في هذا البيت، فابتسم عزيز نيسين بسخريةٍ، وقال له: "ما دمتم بهذه الفطنة، فلماذا فتحتم أبواب وحجرات الوطن للغرباء حتى احتلونا بالديون، وأصبحنا نحن الغرباء، رغم سندات الملكيّة التي نحملها ونحن سعداء؟!".

الصحافة الساخرة في سوريا

تطورت الكتابة الساخرة في سوريا رغم قلة كتابها، ولكنها أخذت منحىً مختلفاً مع بداية القرن الماضي إبان الاحتلال العثماني، لتَصدرَ صحفٌ تُعنى بها وتركّز على السلبيات الاجتماعية والسياسية في تلك الفترة وتتناولها بطريقةٍ ساخرةٍ وطريفةٍ قريبةٍ لقلوب الناس.

وكان من أبرز الصحف التي صدرت في دمشق تلك الفترة: "حط بالخرج، 1909"، "أعطه جمله، 1909"، "النفّاخة، 1910"، "اسمع وسطّح، 1910"، "السعدان، 1911"، "بردى، 1911"، "جحا، 1911" والعديد من الصحف التي بلغت حوالى أربع وعشرين صحيفة حتى منتصف الستينيات من القرن الماضي. صدرت أيضاً عدة صحف في مدن سورية أخرى مثل "مسخرة، 1909"، "كشكول، 1910"، "المَرْسح، 1911"، "الثعبان، 1923" في حلب، و "جراب الكردي" و"ضاعت الطاسة" في حمص، و "الإخاء، 1910 و"المكنسة، 1911" في حماه، فيما صدرت صحيفة "عكاز أبو النواس، 1912" في اللاذقية.

من الملاحظ أن أغلب تلك الصحف صدرت قبل عام 1920، وأغلبها لم يصمد طويلاً لأن محتواها كان متقلباً بين السخرية والجِدّ، وابتعدت في كثير من الأحيان عن روح التهكم والدعابة الذي يجب أن تكون عليه وتلامس به ضمير الناس. ولذلك، يُعتبر الصحافي الدمشقي حبيب كحالة (1898- 1965) أوّل من أسس لصحافةٍ ساخرة حقيقية في سوريا وربما في العالم العربي، من خلال تأسيسه ورئاسته لتحرير مجلة "المضحك المبكي" التي صدرت عام 1929 في عهد المندوب السامي الفرنسي "بونسو"، وكانت أسبوعية ساخرة تذخر بالرسومات الكاريكاتيرية التي يرسمها ابنه سمير كحالة.

استمرت المجلة حتى عام 1966 تخللتها فترة توقفٍ سنة 1956 بسبب القبضة الأمنية لعبد الحميد السراج في تلك الفترة، وتوقفت أيضاً خلال سنوات الوحدة مع مصر، قبل أن تصدر مجدداً عام 1962. يومها كتب حبيب كحالة في العدد الأول منها بعد عودتها إلى الصدور: "تعود هذه المجلة للصدور بعد غياب طويل لا أتهم به أحداً ولا أُرجعه إلى أحد، وإنما قصدته بملء إرادتي ومحضِ مشيئتي لأنني لم أستطع أن أكتب ما أريد، ولا أقبل أن أُحمل على كتابة ما لا أريد، فكسرتُ القلم واعتزلت".

مما سبق يمكن وبكل بساطة الوصول إلى استنتاج حول سبب انحسار الكتابة الساخرة والاختفاء القسري أو "الاغتيال" الذي أجمعت عليه الحكومات العربية تجاه الصحافة الساخرة، والتي تتعارض في توجهها مع مصالحهم وتكشف خفاياهم وفسادهم، وممارستهم دور السيد والعبد على شعوبهم. يقول أوسكار وايلد كاتب المسرحيات الكوميدية المعروف: "العبد هو الذي لا يستطيع أن يعبر عن رأيه بحرية".

توقفت الصحف الساخرة عن الصدور في سوريا، إلى أن صدرت صحيفة "الدومري" المستقلة التي رأس تحريرها علي فرزات، رسام الكاريكاتير المعروف والحائز على عدة جوائز، ولم تستمر طويلاً.

الكوميديا باختصار

ربما كانت البداية الأولى للكوميديا على المسرح من خلال تجسيد شخصيات معينة في قوالب وصور مرحة وفكاهيّة، واعتماد الغناء الساخر وتبادل المواقف والنكات، ثم تطورت لتتناول المعاناة في قالبها الساخر هذا والمُضحك، وهو ما يُسمى"الكوميديا السوداء".

يُضيف الحس الكوميدي الكثير إلى صاحبه الذي يمتلكه بالفعل، ولا يدّعيه. الفعل الكوميدي خبرةٌ لا يمتلكها إلا القادر على صياغته وتقديمه ليجانب الحقيقة ويلامس القلب بلطفٍ، ويُحاور الروح من دون أن يُؤذيها أو يُعكّر صفوها، فالمشهد الكوميدي قد يغوصُ في الروح بعيداً ليجعلنا، وفي مفارقةٍ غريبةٍ من نوعها، نضحك من شدّة الألم أحياناً.

النكتة الشعبية موروث فكري ساخر تتناقله الشعوب شفوياً، وتتناول بكل جرأة الموضوعات الاجتماعية والشخصيات الدينية والسياسية، بل وحتى المكنونات الجنسية المكبوتة.

انتقلت الكوميديا لاحقاً من المسرح إلى التلفاز، لتظهر العديد من الأعمال الكوميدية التي احتلت مكاناً مهماً في الذاكرة الشعبيّة، ومنها أفلام ومسرحيات عادل إمام، أو مسلسلات دريد لحام ونهاد قلعي التي برزت فيها شخصيتا "غوار الطوشة" و"حسني البرظان"، ولاحقاً المسرحيات التلفزيونية التي كتبها محمد الماغوط وأداها دريد لحام في ما كان يُعرف بـ "مسرح الشوك"، وتركت أثراً واضحاً لدى السوريين بمختلف مشاربهم لما فيها من نقدٍ فلسفيٍّ واضحٍ وبطريقةٍ كوميدية مذهلة وُفّق بها الماغوط كتابةً ودريد لحام أداءً، في عباراتٍ مثل: "بعمرها ما كانت مشكلتنا مع الله... مشكلتنا مع اللي بيعتبر نفسه تحت الله"، أو "مو ناقصنا شي يا بيي غير شوية كرامة"، وهي عباراتٌ يرددها لسان كلّ سوري ويحفظها عن ظهر قلب، لأنها تلامس القلب والجراح.

ومن الأمثلة المهمة عن الكوميديا المسرحية أيضاً مسرحيات زياد الرحباني التي طوّر فيها الأغنية الساخرة كوسيلة لمواجهة الواقع الاجتماعي والسياسي وتعريته في لبنان خاصة، وفي المحيط العربي على وجه العموم، وقدّم فنّاً يستحقُّ الاحترام والوقوف عنده، يُحاكي شخصية زياد الساخر بطبعه والموهوب بالفطرة والذي يمتلك حساً موسيقيّاً ورثهُ عن والده عاصي. وبرغم مصدرها اللبناني، لكنها دخلت كلّ بيتٍ سوري، وباتت أغانيه وعباراته دارجة على لسان الناس وجزءاً من يومياتهم، كما النكات السياسية أو الجنسية التي تُشكل جزءاً من ثقافتهم الشفوية المتداولة في الشارع.

النكتة الشعبية

كان اشتداد وطأة الحياة والضغط الاجتماعي والسياسي أو الإحساس بالقهر أو حتى الكبت الجنسي، من أهم العوامل التي نشّطت النكتة الشعبية عبر العصور، وكان للنكتة دور في عرض ونقد المفاهيم الاجتماعية البالية على اختلاف موضوعاتها المطروحة وتعدد قوالبها وشرائحها، من خلال تناقلها الشفوي عبر الأجيال المتلاحقة، دون معرفة لكيفية صياغتها أو لمن صاغها ونقلَها أصلاً.

النكتة الشعبية موروث فكري ساخر تتناقله الشعوب شفوياً، وتتناول بكل جرأة الموضوعات الاجتماعية والشخصيات الدينية والسياسية بل وحتى المكنونات الجنسية المكبوتة، كما أنها من المظاهر الاجتماعية الأكثر حيوية وخصوبة، وبلغة أدبية ساخرة بالغة التكثيف والتركيز في مضامينها، فقد تُغني نكتة واحدة عن مقال كامل في جريدة، أو عن محاضرة مسهبة ومملة. وللنكتة الشعبية ولفاعليتها واتساع أفقها دور أيضاً في نقل فعل السخرية وروح الدعابة إلى الأدب تاريخياً، وهذه تبقى حالة فريدة من نوعها.

ومع تطور المجتمع وثورة الاتصالات ومواقع التواصل الاجتماعي التي باتت من أوسع مصادر النكتة الشعبية حاليّاً لكونها متوفرة لدى شرائح المجتمع كافة بمختلف مستوياتهم واهتماماتهم، انتقلَت هذه من الشكل الشفوي إلى الشكل المكتوب، مع ظهور صفحات تختص بالنكات على اختلاف أنواعها، تساهم في جعل النكتة عابرة للمسافات وعابرة للشعوب والثقافات بسرعة هائلة، وكاسرةً حاجز الخوف، وتحديداً النكات السياسية التي كانت تُتلى في الغرف المغلقة أو همساً بين الأصدقاء، حيث من الممكن أن تودي نكتة سياسية بالذي يتلوها إلى غياهب السجون.

على الصعيد الشخصي

جعلتني قراءتي لتشيخوف وعزيز نيسين مشدوداً إلى هذا النوع من الأدب، ما شجعني في فترة من فترات حياتي على كتابة مجموعة قصصية ساخرة مؤلفة من اثنتي عشرة قصة كنت احتفظت بها في مكتبتي، قبل أن تمتدّ إليها اليد العابثة وتُحرقها عام 2012 مع بداية الحرب في سوريا. أذكر من تلك المجموعة ثلاثة عناوين: العنوان الأول: "كلب المدير"، وهي قصة قصيرة تعتمد في مضمونها على المثل القائل: "عندما مات كلب المدير سار الكل في جنازته، وعندما مات المدير لم يمشِ كلبٌ في جنازته". أما العنوان الثاني فكان "فشّة خلق" وكانت عن حياة رجل فقير، أُبرّر فيها وبسخرية مؤلمة كثرة الأولاد لديه، وأردُّها إلى كون الموضوع ليس أكثر من "فشّة خِلق" جنسية آخر الليل مع زوجته، باعتبارها لحظة السعادة الوحيدة التي يتمتع بها.

السخرية من الألم وصياغة تلك السخرية بنكتة أو قصة أو مسرحية، أو حتى أغنية، هي من أعمق ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في تحدّيه لواقعه

وأخيراً كان نصي الثالث تحت عنوان "سيمفونيّةُ لا الناهية" وفحواها أن الإنسان العربي، ومنذ ولادته، لا تستقبل أذناه إلا المحظورات: "لا تفعل هذا! لا تقُل ذلك!"، ابتداءً من الأهل ومروراً بالعادات والتقاليد الشعبية، والمحاذير الدينية والسياسية، أما المرة الوحيدة التي يقول فيها لا" فقد تكلفه حياته.

لم تترك الحرب لي حتى هذه المجموعة المدونة على مفكرة حمراء اللون، والتي أُصنفها كواحدة من خساراتي المؤلمة، إلى جانب ديوان شعر مدون في كتيّبٍ آخر، ومسودة رواية. لست حالياً في وارد الحديث عن الحرب وخسارتها، وقد كتبت في هذا المكان ما يكفي، بالنسبة لي على الأقل، عن ذلك. لكنني وبكل بساطة، أعتبر أن الحياة هي الكاتب الأكثر براعةً ونشاطاً، وهي التي تُسطّر مدوناتٍ ومسرحياتٍ وقصصاً ساخرة في لحظةٍ واحدةٍ من لحظات مرورها، قد نضحك لها وقد نبكي، وقد نضحك ونبكي في آن معاً، أما السخرية من الألم وصياغة تلك السخرية بنكتة أو قصة أو مسرحية، أو حتى أغنية، فهي من أعمق ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في تحدّيه لواقعه. إنها العظَمةُ بأبهى صورها.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard