شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
هل اقتربت نهاية الإطار التنسيقي الشيعي العراقي؟

هل اقتربت نهاية الإطار التنسيقي الشيعي العراقي؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

السبت 6 مايو 202312:13 م

لم تعدّ المشكلات الحاصلة بين قادة الإطار التنسيقي خفيّةً، وبدأت أخبارها تملأ وسائل الإعلام والتواصل، مسببةً مرضاً جديداً في الجسد السياسي العراقي، لا تقلّ خطورته عن أزمة الانسداد السياسي التي واجهت البلد في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2021، عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية.

سيطرة قوى الإطار التنسيقي على منصب رئاسة الوزراء، ونفوذها القوي داخل المؤسسة التنفيذية، يعززان خطورة الخلافات الحاصلة بينهم، بالإضافة إلى ما تشكّله خطورة نفوذهم على المؤسسة التشريعية، والتي تشكّل الغطاء السياسي الأبرز لرئيس الوزراء والقيادي في الإطار التنسيقي، محمد شياع السوداني.

والأخير، يدرك أهمية هذا الغطاء لاستمرار حياته السياسية، ويحاول تلافي إثارة الحساسية بشكل مباشر مع بعض قيادات الإطار، ولكنه في الوقت ذاته يتحرك بعكس رغباتهم، وبحسب اعتقادهم، فإن السوداني تمرد كثيراً على سياستهم، وجحد بترشيحهم له، وإيصالهم إياه إلى سدة الحكم، ولا ينبع هذا التمرد من الفراغ، ولكنه يرجع إلى هشاشة وحدة قوى الإطار التنسيقي، والصراعات المستمرة بين قادته.

تعزز سيطرة قوى الإطار التنسيقي على منصب رئاسة الوزراء، ونفوذه القوي داخل المؤسسة التنفيذية، الانقسامات بين أفرقائه

تحالف هشّ

لم تكن مشكلات الإطار التنسيقي الأخيرة، جديدةً على الساحة، إذ سبقت إعلان تأسيسه، ورافقت مسيرة البيت السياسي الشيعي منذ عام 2003، وغالباً ما تمحورت حول آليات توزيع المناصب الحكومية، ومناطق النفوذ الجغرافي، ولكن رحى خلافاتهم استعرت غالباً من خلف الكواليس، وبقيت بعيداً عن وسائل الإعلام.

خفت أجيج صراعاتهم مع اقتراب الانتخابات التشريعية في عام 2021، وتركزت جهودهم على كيفية حشد أكبر عدد ممكن من الأصوات الانتخابية، يؤهلهم لقيادة المرحلة السياسية المقبلة، وبذلك أُسس الإطار التنسيقي، في آذار/ مارس عام 2021، ويعتقد كثيرون أن هذا التأسيس تم بإيعاز من حكومة طهران، التي أدركت تراجع نفوذ الأحزاب المقربة منها. بالإضافة إلى ذلك، فإن العداء الحاصل بين القوى التي تشكل منها الإطار التنسيقي من جهة، والتيار الصدري من جهة أخرى، كان حافزاً مهماً لتشكيله، وبرغم ذلك كله تمكن حليفهم السابق، وغريمهم الحالي، مقتدى الصدر، من الفوز بغالبية مقاعد البرلمان.

إصرار التيار الصدري على تشكيل حكومة أغلبية سياسية، تنافي العرف التوافقي الشيعي المتعارف، زاد من أواصر وحدة قوى الإطار التنسيقي، ضمن محاولاتهم لردعه عن تنفيذ مشروعه.

ولكن اعتزال الصدر الحياة السياسية، واستقالة نوابه في حزيران/ يونيو عام 2022، سبّبا خللاً في التوازن السياسي الشيعي، إذ عادت الفرقة بين قادة الإطار، في كيفية التعامل معه، وحاول بعضهم حثّه على التراجع عن قراره، وإعادته إلى العملية، فيما فضّل آخرون بقاءه بعيداً عنها.

يقول الباحث السياسي، سلام العزاوي، إن "المشكلات الحاصلة داخل الإطار التنسيقي، لا تتعلق باختلافهم على كيفية التعامل مع التيار الصدري، بقدر تعلّقها بغياب الأرضية الموحدة في ما بينهم سياسياً واجتماعياً، ومع زوال عثرة التيار من أمامهم، فإن من الطبيعي عودتهم إلى مشكلاتهم القديمة".

ويرى في حديثه لرصيف22، أن "عدم تفكك الإطار التنسيقي حتى هذه اللحظة، ينبع من إدراكه أن أي ثغرة بينهم، ستعني بلا شك، إبعاد قواه السياسية كافة عن الحكومة، وتراجع دورها البرلماني، بالإضافة إلى إتاحة المجال أمام سيطرة عصائب أهل الحق على كل قرارات الحكومة".

فوفقاً للقراءة السياسية الحالية، تمتلك عصائب أهل الحق، نفوذاً قوياً على رئيس الوزراء، وهو ما ساهم في إبعاد الأخير عن عباءة حزب الدعوة، وزعيمه نوري المالكي.

خلافات المناصب إلى الواجهة

بعد نجاح الإطار التنسيقي في السيطرة على البرلمان والحكومة، عبر مرشحه، محمد شياع السوداني، ظن كثيرون أن المشكلات ستنتهي عند هذا الحد، ولكن أزمةً جديدةً كانت في انتظار السياسة العراقية.

عدم تفكك الإطار التنسيقي حتى هذه اللحظة، ينبع من إدراكه أن أي ثغرة بينهم، ستعني بلا شك، إبعاد قواه السياسية كافة عن الحكومة، فكيف سيحاولون الحفاظ على أنفسهم وتقليل خلافاتهم؟

صراعات عنيفة، دارت بين قادته حول مرشحي الوزارات والمناصب العليا في الدولة العراقية، وانتهت شكلياً مع تصويت البرلمان على الحكومة، ولكنها عادت إلى الواجهة مرةً أخرى خلال الفترة القريبة الماضية.

ويجري الحديث في الأوساط العراقية، وتلك المقربة والمطلعة على الملف الحكومي وواقع أفرقائها، عن صِدام وشيك سيحصل بين رئيس الحكومة وأحزاب متنفذة داخل الإطار التنسيقي، سببه اعتزام السوداني إجراء تعديل وزاري مرتقب، وبحسب التأكيدات الحالية فإن الأخير حصل على الضوء الأخضر لتنفيذ مثل هذه الخطوة، من بعض قادة الإطار التنسيقي، في حين أبدى آخرون اعتراضهم عليها، خاصةً أنها ستقلب ميزان القوة داخل أحزابه.

ويُعدّ المالكي من أبرز الرافضين لأي تعديل وزاري يمسّ الوزارات التي يسيطر عليها، في حين يرغب السوداني في تعيين وزير جديد لوزارة النفط على وجه الخصوص، وإبعاد مرشح دولة القانون، حيان عبد الغني، المقرّب من المالكي.

مصدر مطلع في الإطار التنسيقي، يؤكد أن السوداني أفصح عن اعتزامه مراجعة أداء الوزراء كافة، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة استبدالهم، ويستدرك أن "هناك روايةً وشائعات داخليةً تؤكد أن تركيز السوداني على وزير النفط، يرجع إلى رفض الأخير عقوداً نفطيةً قدّمتها له عصائب أهل الحق، المقربة من السوداني سياسياً".

ويضيف المصدر، الذي فضّل عدم التصريح باسمه، في تصريحه لرصيف22، أن "العصائب بدأت تحفز السوداني على تنفيذ مثل هذه الخطوة، بعد أن أيقنت أن الوزارة تحولت إلى سوق تجارية لصالح دولة القانون والمالكي حصراً، دون باقي شركائه السياسيين، وتالياً فإن الخلاف الحالي يوضع في خانة الدوافع المالية والاقتصادية".

وبذلك أصبح السوداني الآن في مواجهة صريحة مع قادة بارزين في التحالف الشيعي، أبرزهم المالكي، إذ من المستحيل أن يقف الأخير متفرجاً على استبعاد مرشحه عن هذه الوزارة.

ويحاول المالكي حالياً، لفت الأنظار السياسية إلى مساوئ إدارة وزارة الداخلية، على خلفية الحوادث الأمنية الأخيرة، وآخرها هروب رئيس ديوان الوقف السنّي، سعد كمبش، من أحد مراكز الشرطة قبل وفاته، ومن ثم فإن رغبة المالكي تُعدّ نكايةً منه بالسوداني ورغبته في تغيير وزير النفط المقرب منه، أكثر من كونها ذات دوافع سياسية.

وكان الإطار التنسيقي قد عقد اجتماعاً داخلياً نهاية الشهر الماضي، جمع فيه أعضاءه برئيس مجلس الوزراء، لمناقشة التغييرات الوزارية المزمع تنفيذها، وبحسب تصريحات صحافية للقيادي في الإطار التنسيقي، تركي العتبي، فإن السوداني وضع رؤيةً شاملةً لتغيير المناصب الوزارية والمحافظين.

تفيد كواليس الإطار التنسيقي التي تشبه الصفيح الساخن هذه الأيام، بأن أي تعديل وزاري، يعني أن الإطار لن يبقى بصيغته الحالية

ضرب الأجندات الدولية

كواليس الإطار التنسيقي التي تشبه الصفيح الساخن هذه الأيام، تفيد بأن التعديل لو حدث بالفعل، فإن الإطار لن يبقى بصيغته الحالية، ولكن الأمر لا يقتصر على التعديل الوزاري ومحاولات البقاء في مراكز النفوذ، إذ يدرك أفرقاء الإطار أن حلّه، سيتيح المجال أمام سيطرة القوى الدولية على الحكومة الحالية، وإبعاده عنها، نظراً إلى القبول الدولي الذي يحظى به السوداني حالياً، نتيجةً لسياسته الخارجية، وابتعاده التدريجي عن سياسة طهران، وهو استقطاب دولي نادر، كما يروي أحد مرشحي الإطار التنسيقي.

يقول الصحافي المتخصص في العلاقات العراقية الدولية، عامر عبد الكريم عليوي، إن "الحكومة تبدي رغبةً قويةً في التعامل مع أمريكا على الأصعدة كافة، والانفتاح على باقي الدول المجاورة، وهي تعتقد أن هذا التعامل سيزيد من القبول الدولي نحوها، كما تبدي القوى الدولية تأييدها لمثل هذه الخطوات، وتعزز رغبتها في ذلك، عبر إضعاف منافسي السوداني، وكشف ملفات الفساد التي رافقت إدارتهم للدولة".

ويشير في تصريحه لرصيف22، إلى أن "هذا القبول لا يرتبط بشخص السوداني، أو بالتأييد الدولي له، ولكنه مرتبط برغبة الدول في تغيير الوجوه السياسية التقليدية أكثر من ارتباطه بالسوداني، الذي تُعدّ العلاقة معه إجراءً بروتوكولياً، بالإضافة إلى رغبتهم في الحفاظ على استقرار الأوضاع في البلاد لحماية مصالحهم النفطية والاستثمارية، في ظل الأزمات الاقتصادية المتتالية خلال الفترة الماضية".

من جهته، يعتقد أفرقاء الإطار التنسيقي أن هذا القبول الدولي تجاه حكومة السوداني، سيقلّل الحاجة إليهم، لذا يحاولون دوماً الإيحاء بتغيير سياسته، ولكنه في الحقيقة عاجز عن ذلك، بسبب عجزه عن الابتعاد عن المحور الإيراني، فهو يتخوف من خسارة دعمها له، في حال تراجع نفوذه داخل الحكومة، نتيجةً لعدم قدرته على تنفيذ أجنداتها في المنطقة، لذا يحاول تلافي هذا السيناريو، عبر التشديد على سياسته بشكل متناقض، والإيحاء بوحدة أحزابه وتآلفها، بالإضافة إلى حث السوداني على الالتزام بسياستهم، كما يحاول تأكيد تمسكه بالمحور الإيراني بالضد من سياسة واشنطن في العراق والمنطقة، عبر إعلان رفضه لأي لقاءات تجمع الحكومة بسفراء الدول الداعمة للسوداني، والولايات المتحدة على وجه الخصوص.

وكان النائب عن تحالف الفتح المنضوي إلى الإطار التنسيقي، عدنان فيحان، قد صرح مؤخراً، باعتزام قوى الإطار جمع تواقيع نيابية لإصدار قرار يلزم الحكومة بمتابعة تحركات السفراء واتخاذ إجراءات قانونية بحق أي سفير يتجاوز صلاحيته والمهام والأعراف الدبلوماسية، واصفاً لقاءات السفيرة الأمريكية المتتالية بالحكومة وسياسييها، بالمريبة والخطيرة.

هل يشهد نهايته قريباً؟

برغم المعلومات المتوافرة كلها، فإن السؤال الرئيسي لا يزال مطروحاً: هل سيوقّع الإطار التنسيقي شهادة وفاته بنفسه؟ ازدياد هوة الخلافات بين أعضائه تشير إلى قرب تحقيق هذا الاحتمال، وعجز قياداته عن التوافق، يعزز هذا الأمر.

هناك بعض الحلول التي تُطرح للحفاظ على وحدة الإطار التنسيقي الموالي لإيران، منها إقصاء السوداني أو تقييده، فهل يستطيعون؟ وكيف سيواجهون تداعيات هكذا خطوة؟

يعتقد المحلل السياسي، محمد العزي، أن "الدلائل الحالية غير كافية لإثبات قرب التفكك، ولكن استمرار الشقاق الحاصل بين قياداته يزيد من نسب هذا الاحتمال، ليس بسبب خلاف التوجهات السياسية فحسب، ولكن بسبب عدم اتفاقهم على كيفية إدارة الدولة وتفرد بعض الأحزاب بزمام الأمور، بالإضافة إلى عدم وجود آلية لتوزيع محصلات المناصب ومنافعها في ما بينهم، والتي تُعدّ مورداً أساسياً لأحزابهم في الوقت الحالي، في ظل غياب الدعم الإيراني لهم".

ويشير في حديثه لرصيف22، إلى أن "قادة الإطار قد يتوصلون إلى حلول جانبية من شأنها الإبقاء على تماسك الإطار التنسيقي وبقاء سيطرتهم على البرلمان والحكومة، عبر إقصاء السوداني أو تقييده، بلوائح وتعليمات، وتحجيم صلاحياته، ودفعه تالياً للعودة إلى التوافق السياسي مع الإطار التنسيقي".

من جانب آخر، فإن اللقاءات التي جمعت بعض النواب المستقلين مع السوداني، ودعم الآخرين له، قد تعكر مساعي الإطار إلى عزله أو تقييد سلطته، عبر تشكيل قوى ساندة داخل قبة البرلمان العراقي، تعمل لإبقائه مقابل الحصول على ضمانات خاصة، متعلقة بالحريات المدنية أو الأوضاع الاجتماعية.

السوداني يسير عكس مجرى مياه حلفائه في الإطار التنسيقي، وإن بخطى بطيئة، وعليه فإن المواجهة ستكون حتميةً، وستؤدي بلا أدنى شك إلى اختلال ميزان القوى الشيعية السياسية، وتصبح عائقاً أمام نفوذ بعض قوى الإطار التنسيقي، وتتحول إلى باب لقوى أخرى في التحالف ذاته، أما الشعب فبعيد عن الأبواب كلها.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard