شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
بعد إيقاف عرض مسلسله… كيف عاش العراق تحت حُكم معاوية؟

بعد إيقاف عرض مسلسله… كيف عاش العراق تحت حُكم معاوية؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الجمعة 24 مارس 202302:26 م

جدلٌ شديد أثير منذ انتشار أنباء عن عرض مسلسل يتناول قصة حياة معاوية بن أبي سفيان، الصحابي الذي أسّس الدولة الأموية التي حكمت المسلمين خلال من عام 661 إلى 744م.

احتكر العراق هذا الجدل بعدما تصاعدت منه دعوات تُطالب بإيقاف عرض هذا العمل. أبرز المعترضين على تجسيد شخصية معاوية في مسلسل كان مقتضى الصدر، الزعيم الديني والسياسي الأبرز في العراق، بسبب اعتقاده أن هذا العمل الفني سيجرح "مشاعر المسلمين".

في النهاية، أفضى هذا الجدل إلى قرار هيئة الإعلام العراقية بمنع بثِّ المسلسل على أي منصّة إعلامية عراقية بدعوى أنه سيؤدي إلى "الانتقاص أو تشويه أو تسفيه المعتقدات الدينية للطوئف الأخرى".

هذا ما دفعني إلى التساؤل حول أسباب هذا الاعتراض العراقي العنيف على المسلسل قبل عرضه؛ ما الذي فعله معاوية ليستحق هذا الغضب برغم مرور مئات السنوات على رحيله؟ وكيف عاش العراق حينما كان تحت حُكمه؟

العراق يُبايع معاوية أميراً

عقب استشهاد الإمام علي بن أبي طالب، تنازل ابنه الحسن عن الخلافة لمعاوية فأصبح أميراً على المسلمين بلا منازع. وفي عام 41هـ دخل معاوية الكوفةَ وحصل على بيعة أهلها مُكرَهين.

وحسبما ذكر كتاب "نهج البلاغة"، فإن معاوية خطب في أهل الكوفة قائلاً: "قاتلتكم لأتأمّر عليكم وعلى رقابكم. وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألا إن كلّ دم أُصيب في هذه الفتنة مطلول، وكل شرط شرطته تحت قدميّ هاتين".

قد يرى البعض في تلك المقولة المنسوبة إلى معاوية مبالغة من قِبل واضعيها، قد أشكُّ أن منهم بعض أنصار علي وأعداء معاوية، لكني لا أشكَّ في أن خطبة معاوية الأولى في العراق، معقل خصمه الرئيس، كانت مليئة بالتهديد والوعيد ليضمن استقرار دولته، وهو ما نفهمه من إجراءاته "بالغة الحرص" التي حكم بها العراق لاحقاً.

 لم يشأ معاوية أن تكون زيارته الأولى للعراق كلّها قمعية، فأعلن أنه سيدفع عطاءات أهل العراق في وقتها، وهي المنَح والعطايا التي كانت تُصرف من بيت المال للعرب المقاتلين، وبذلك خطّط معاوية لنيل رضا القوة الأكثر تأثيراً في العراق والأكثر خطورة على عرشه 

وبالتأكيد لن تخلو هذه الخطبة من الحضِّ على الاتحاد والابتعاد عن معارضة الحاكم، مثلما ورد على لسان معاوية في أجزاءٍ أخرى من خطبته الكوفية بقوله: "أما بعد، فإنه لم تختلف أمة بعد نبيها إلا غلب باطلها حقَّها، إلا ما كان من أمر هذه الأمة فإن حقها غلب باطلها ثم نزل".

في الزيارة، لم يتوقف العراقيون واحداً تلو الآخر عن الإعراب عن معارضتهم لمعاوية، فقال له الصحابي صعصعة بن صوحان العبدي، أحد زعماء الكوفة ومن أشدِّ أنصار علي: "أما والله مالك في يوم بدر مضرب ولا مرمى، كنت أنتَ وأبوك في العير والنفير ممن أُجلب على رسول الله"، فأمر معاوية بنفيه وظلَّ صعصعة خارج العراق حتى مات خارجه.

كذلك عندما استوقفه أحدهم قائلاً: "والله إني لأبايعك وأنا كارهٌ لذلك"، فأجابه معاوية "بايع، فإن الله جعل في المكروه خيراً كثيراً".

يقول صالح العلي في كتابه "التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة" إن معاوية لم يشأ أن تكون زيارته الأولى كلها قمعية، فأعلن أنه سيدفع عطاءات أهل العراق في وقتها، وهي المنَح والعطايا التي كانت تُصرف للعرب المقاتلين من بيت المال، وبذلك خطّط معاوية لنيل رضا القوة الأكثر تأثيراً في العراق والأكثر خطورة على عرشه.

وعقب عودته وصف معاوية زيارته للعراق بأن أهلها "أظهروا لنا ذلاًّ تحته حقد".

ولاية العراق الأموية

ليؤمِّن لنفسه مدداً كبيراً من الثروة والمال، وضع معاوية يده على مساحات شاسعة من أراضٍ كانت في حيازة الملوك الساسانيين وعائلاتهم، وكانت موقوفة على معابد عبادة النار، اعتبرها معاوية ملكاً لنفسه ولذريته من بعدها، وكانت جبايتها تبلغ 5 ملايين درهم سنوياً.

ومن الناحية الإدارية، حافظَ معاوية على التقسيم الذي وضعه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، أي تقسيم العراق إلى ولايتين كل واحدة مستقلة عن الأخرى وهما الكوفة والبصرة، وهو الوضع الذي استمرَّ حتى توفي المغيرة بن شعبة سنة 50هـ، فضمَّ معاوية أعمال البصرة والكوفة إلى زياد بن أبيه ليكون أول عامل أموي يجمع الولايتين معاً. وهدف مهاوية من الحفاظ على هذا التقسيم كان الحدّ من شدة المعارضة العراقية لحُكمه، وبخاصة من أهل الكوفة التي تمركز فيها أغلب شيعة الإمام علي.

كان معاوية قد عيّن المغيرة بن شعبة والياً على الكوفة، الذي كانت اهتماماته أمنية في المقام الأول، فنصّب رجلاً اشتُهر بشراسته قائداً على الشرطة هو قبيصة بن دمّون، الذي كان يلاحق معارضي معاوية في كل مكان. وحينما زار المغيرة معاوية في الشام، اعترض معاوية على ذلك قائلاً له: "تركتَ العمل وأخللت بالمصر، وأهل العراق أسرع الناس إلى الفتن".

لما ظهرت بوادر تمرد حجر بن عدي، أمر معاوية بقتله؛ الخطوة التي أثارت اعتراضاً كبيراً بين المسلمين.

وفي البصرة عيّن عبدالله بن عامر والياً، ثم عزله عام 54هـ بسبب تدهور الأوضاع الأمنية. صالح معاوية القائد العسكري الحاذق زياد بن أبيه، الذي تولّى ولاية فارس في عهد علي بن أبي طالب. أغراه معاوية بأن يعترف بنسَبه لبني أمية مقابل أن يوافق على إخضاع العراق له.

وافق زياد بن أبيه (بن سفيان) وأصبح الذراع الباطشة لمعاوية في العراق. منذ يومه الأول توعّد زياد أهل العراق بالشدة إن لم ينصاعوا له، فقال: "أقسم بالله لآخذنَّ الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انجُ يا سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم".

يقول الطبري في كتابه "الأمم والملوك": "كان زياد أول من شدَّ أمر السُلطان، وأكّد المُلك لمعاوية، وألزم الناس الطاعةَ، وتقدّم في العقوبة، وجرد السيف وأخذ بالظنة".

ولما ظهرت بوادر تمرد حجر بن عدي الكندي الذي عُرف بولائه الشديد للإمام علي، أمر معاوية بقتله برغم مكانته الكبيرة في العراق، وهي الخطوة التي أثارت اعتراضاً كبيراً بين المسلمين وقتها.

ضرائب باهظة وتجنيد في الحرب

عمد معاوية إلى تقوية نفوذ العثمانيين من شيعة عثمان بن عفان على حساب شيعة علي، وهو ما وصّى به واليه المغيرة بن شعبة قائلاً: "لا تتحمَّ عن شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي والإقصاء لهم وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان والإدناء لهم والاستماع منهم".

كذلك يقول ثابت الراوي في كتابه "العراق في العصر الأموي" إنه وقَع على أهل العراق العبء الأكبر في أعمال الفتوحات الأموية، فلقد رغب الولاة الأمويين في التخلص من شرّهم ومن ثوراتهم عبر إبعادهم عن أمصارهم وأرضهم. لذا أمر معاوية زياداً بأن يرسل العراقيين إلى البعوث البعيدة، فنظّم زياد جيشاً قوامه 25 ألفاً من الكوفة و25 ألفاً من البصرة، وهو الأمر الذي تطوّر لاحقاً في عهود باقي الولاة الأمويين حتى أنهم أجبروا العراقيين على التجنيد الإلزامي في صفوف الجيش على عكس ما كان سائداً في باقي الأمصار الإسلامية.

من الأمثلة على ذلك، ثورة الموالي التي خرجت على المغيرة بن شعبة عام 43هـ، بقيادة أحد أهالي الكوفة ويُدعى "أبو علي". بعدما قمعهم المغيرة وقتل قادتهم أمره معاوية بنقل الثائرين المهزومين إلى سواحل الشام وأنطاكية، كما أورد برهان الدين دلو في كتابه "مساهمة في إعادة كتابة التاريخ العربي-الإسلامي".

"عداء العراقيين الصريح جعل معاوية يرى فيهم أكثر من مجرد أعداء حاربوه وحاربهم، بل مترقبين متحينين الفرص للوثوب عليه وأنه من الواجب ألا يأمن جانبهم أبداً"

حسبما أورد اليعقوبي في كتابه "التاريخ" فلقد أثقل معاوية أهل العراق بالضرائب حتى قيل إن 10 ملايين درهم كانت تُحمل له سنوياً "هدية" من أهل العراق. أما إجمالي الخراج الذي كان يجمّع من أهل العراق فقد بلغ 125 مليون درهم، حسبما أورد البلاذري في "الأنساب".

حتى أن عدداً كبيراً من أهل الذمة أعلنوا إسلامهم فراراً من دفع الضرائب والاكتفاء بأنصبة الزكاة، وهو ما سيدفع الحجاج الثقفي إلى إجبار المسلمين –المتحولين عن المسيحية- على دفع الجزية مثلهم مثل باقي أهل الذمة.

كما سمح معاوية للمزيد من القبائل العربية بالهجرة إلى الكوفة حتى يغيّروا من ديموغرافيتها المتشيّعة لعلي، فزاد أهلها 25 ألف فردٍ خلال سنوات حكمه.

موطن الخوارج

خلال عهد معاوية، ومن غيره من قادة بني أمية، ظلّوا ينظرون بريبة إلى العراق باعتبارها أرضاً للمعارضة (الخوارج)، الذين لم يتوقفوا عن تدبير الثورات لإسقاط مُلك بني أمية من لحظة تولّي معاوية مقاليد الحُكم وحتى انهيار الدولة.

يقول الراوي: "عداء العراقيين الصريح جعل معاوية يرى فيهم أكثر من مجرد أعداء حاربوه وحاربهم، بل مترقبين متحينين الفرص للوثوب عليه وأنه من الواجب ألا يأمن جانبهم أبداً.

وظلَّ العراق حاضراً في ذهن معاوية كمصدرٍ للخطر على دولته حتى أنه تحدّث عنه خلال وصيته الأخيرة لولده يزيد قائلاً: (إن سألوك (يقصد أهل العراق) أن تعزل عنهم في كل يومٍ عاملاً فاعزله)".

وبحسب الراوي، فإن العراقيين ظلوا ينتظرون وفاة معاوية حتى تتغيّر الأوضاع وتعود الخلافة إلى أصحابها الشرعيين، وهم آل البيت بحسب اعتقادهم.

وهكذا بقي العراق موطناً للخطر الأكبر على الدولة الأموية، فبعد ثورة حجر بن عدي الكندي في عهد معاوية، تفجّرت حركات معارضة كثيرة فور رحيله، على رأسها ثورة الحسين بن علي، ثم حركة التوابين، ثم ثورة زيد بن علي وغيرها، التي فشلت جميعاً في تحقيق أهدافها، فكانت سبباً في تغيير أسلوب المعارضة إلى العمل السرّي، وهو الأسلوب الذي قاد العباسيون إلى الحُكم لاحقاً.


إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard