شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
حكايات من

حكايات من "وادي كركر"... رصيف22 بين النازحين من السودان إلى المعابر المصرية الجنوبية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والفئات المهمشة

الثلاثاء 2 مايو 202305:30 م

تصوير: آيات الحبَّال 

فور إقرار هدنة إنسانية بين قوات الدعم السريع وقوات الجيش السوداني المتناحرة في عدد من الولايات والمدن السودانية وعلى رأسها العاصمة الخرطوم، سارع مزيد من أبناء العاصمة والمدن المجاورة لها أم درمان وبحري إلى الخروج من مناطقهم التي كثر فيها القصف وتبادل إطلاق النيران وانتشار عصابات اقتحام ونهب البيوت والمحال، في وقائع نُسب بعضها إلى الجنود المتناحرين.

واستقبلت الحدود المصرية السودانية آلاف النازحين الباحثين عن الأمان والنجاة بعيداً عن ساحة الصراع، لتصبح مدينة أسوان ومناطقها المشرفة على الحدود محطة استقبال أولى للسودانيين القادمين إلى مصر.

ووفقاً لبيانات هيئة الموانئ البرية المصرية، استقبلت المعابر الحدودية الجنوبية الرابطة بين مصر والسودان وعلى رأسها أرقينوقسطل نحو ثلاثة آلاف من النازحين السودانيين والأجانب والعائدين المصريين. إذ استقبل ميناء قسطل منذ بدء الصراع المسلح حتى 27 إبريل/ نيسان المنتهي: 5500 سوداني،  578 مصرياً و409 من الجنسيات أخرى، وبلغ إجمالى النازحين القادمين عبر ميناء قسطل 6525، 120 عربية ملاكي و44 مكروباصاً 93 أتوبيساً، بينما استقبل ميناء أرقين استقبل 1400 مصري و17 ألف سوداني، 1372 جنسيات أخرى، فيما لا يزال آلاف عالقين على الجانب الأخر من الحدود (داخل السودان) بسبب من بطء إجراءات الدخول على الجانب السوداني وضغوط استخراج التأشيرات للرجال المرافقين لأسرهم من أصحاب الفئة العمرية التي تراوح أعمارها بين 15 و 49 عاماً.

رصيف22 كان هناك في موقف كركر الدولي بمحافظة أسوان، القريب من معبر أرقين، حيث يبدأ القادمون رحلتهم نحو مدينة أسوان، ومنها إلى باقي المحافظات المصرية، لرصد حكايات النازحين من جحيم الاشتباكات الدائرة في الخرطوم

رصيف22 كان هناك في موقف كركر الدولي بمحافظة أسوان، القريب من معبر أرقين، حيث يبدأ القادمون رحلتهم نحو مدينة أسوان، ومنها إلى باقي المحافظات المصرية، لرصد حكايات النازحين من جحيم الاشتباكات الدائرة في الخرطوم، يستعرض معهم رحلة وصولهم إلى أسوان، تلك الرحلة التي قد تستغرق أياماً طويلة كثيرها في انتظار التأشيرات أو على الجانب السوداني من معبر أرقين الحدودي.

كما رصد رصيف22 رحلات العودة في الاتجاه العكسي من أسوان إلى الخرطوم، حيث الساعون إلى ملاقاة أهلهم في السودان لمرافقتهم في الوقت الصعب أو مصاحبتهم في الطريق نحو ملاذ آمن، قد يحول بينهم وبينه الارتفاع الهائل في تكلفة الوصول إلى المدن الآمنة في الداخل السوداني أو إلى المعابر الحدودية، خاصة المعابر المصرية.

هنا "كركر"

موقف كركر الدولي هو محطة مهمة من محطات رحلة النزوح، فهو النقطة النهائية للحافلات السودانية القادمة من الخرطوم.

ففي الظروف الطبيعية - قبل الحرب- كانت الحافلات السودانية المصرح لها بعبور الحدود (تملكها شركات مصرية سودانية في الغالب) تنقل الركاب من الخرطوم إلى موقف كركر، فيما تتحرك السيارات المصرية من دنقلة ( في السودان) حتى حلفا (حيث القنصلية المصرية في السودان) ثم أرقين.

رصد رصيف22 رحلات العودة في الاتجاه العكسي من أسوان إلى الخرطوم، حيث الساعون إلى ملاقاة أهلهم في السودان لمرافقتهم في الوقت الصعب أو مصاحبتهم في الطريق نحو ملاذ آمن، قد يحول بينهم وبينه الارتفاع الهائل في التكلفة

ويقع ميناء أرقين البري على الضفة الغربية للنيل بعيداً عن أسوان المصرية بمسافة تبلغ نحو 350 كيلومتراً، ويبعد عن موقف كركر الدولي نحو 300 كيلومتر.

فور الخروج من بوابات المعبر، توجد حافلات لنقل الركاب إلى موقف كركر الدولي، فمنطقة معبر أرقين هي منطقة صحراوية لا تحتوي على أي مناطق للاستراحة، وهي غير مؤهلة لساعات الانتظار الطويلة مع ضغط عدد القادمين الهائل مقابل تواضع عدد الحافلات واليارات المتاحة لنقلهم إلى أسوان.

الجميع اتخذ من المقاعد المتاحة في كل باكيات الموقف مظلة للراحة من عناء رحلة طويلة. فيما تتناثر في ساحة الموقف بضع دورات مياه وباكيات مغطاة بالقماش لحماية المسافرين والعائدين من حرارة الشمس

وعلى وقع أنغام الأغاني السودانية، يستقبل موقف كركر الدولي مئات الحافلات القادمة من الخرطوم أو العائدة باتجاهها. وتحتشد الأجساد والأمتعة في كل جنبات الموقف، بينما تنفَلِت الكثافة العددية للركاب القادمين من الخرطوم.

الجميع اتخذ من المقاعد المتاحة في كل باكيات الموقف مظلة للراحة من عناء رحلة طويلة. فيما تتناثر في ساحة الموقف بضع دورات مياه وباكيات مغطاة بالقماش لحماية المسافرين والعائدين من حرارة الشمس، وتقدم في ظلها بعض الخدمات كالمشروبات المثلجة والساخنة وبعض الأطعمة السريعة، بالإضافة إلى تنسيق رحلة الوصول إلى القاهرة بسعر لا يخلُ من الاستغلال أحياناً.

طبيبة على الحدود

خرجت من الخرطوم مع والدتها وأخيها المصاب بإعاقة ذهنية وشقيق آخر مهندس حاصل عى الجنسية السويدية كان في زيارة للأسرة السودان عندما اندلع الصراع الملح مضطراً الأسرة للارتحال في اتجاه مصر عبر معبر أرقين.

تعمل أميرة* طبيبة في إحدى منظمات الإغاثة الدولية العاملة في السودان. تحكي لرصيف22 أنها قسمت رحلة خروجها من الخرطوم بحري إلى مراحل، أولاها الخروج من المنزل فيما تتوال الاشتباكات في محيطه من كل اتجاه، إضافة إلى المخاوف من منعها عن الخروج "على الطريق دوريات تفتيش مستمرة من قبل قوات الدعم السريع تمنع خروج الأطباء من السودان وتجبرهم على معالجة جرحى ومصابي الميليشيات" حسب شهادتها لرصيف22.

تقول أميرة: "كنت أسكن في حي كافوري – من أغنى وأكبر أحياء الخرطوم- وكانت هناك مخاوف من الخروج من المنزل حتى منطقة قندهار في أم درمان، وهي المنطقة التي تخرج منها الحافلات من الخرطوم حتى أسوان". منزلها في منطقة مجمع النور، حيث يسكن معظم المسؤولين السودانيين منذ عهد الرئيس المطاح عمر البشير، يقع في مركز القصف في العاصمة، ما اضطرها للخروج من المنزل ليلاً، في ثالث أيام عيد الفطر، مساء 24 إبريل/ نيسان المنقضي، "كان أصعب ما مر علي هو التحرك من المنزل حتى أصل إلى قندهار".

وصلت طبيبتنا الشابة إلى قندهار في أم درمان، والتقت مجموعة من أقاربها وتحركوا جميعاً في حافلة باتجاه معبر أرقين البري الفاصل بين الحدود السودانية والمصرية.

11 ساعة قضتها الأسرة في الحافلة من أم درمان إلى معبر أرقين، حتى دخلت إلى الجانب السوداني من المعبر.

تواصل أميرة: "الخروج من المعبر كان صعباً جداً في المعبر السوداني الذي يعاني من بطء الإجراءات، والحافلات كانت متزاحمة"، وأرجعت ذلك إلى أن عدد ساعات العمل داخل المعبر السوداني "قليلة جداً، إضافة إلى عدم وجود مناطق انتظار آمنة ولا يوجد مياه أو أكل أو حمامات أو رعاية طبية".

طبيبة سودانية عن الوضع في المعبر على الجانب السوداني: "اللي مش هيموت من الحرب هيموت من الأمراض والتلوث في المعبر، الجميع يقضي حاجته في العراء، ولا يوجد أي مظلات"

بعدما عاينته تعتقد الطبيبة الشابة أن "اللي مش هيموت من الحرب هيموت من الأمراض والتلوث في المعبر، الجميع يقضي حاجته في العراء، ولا يوجد أي مظلات، إحنا واقفين في الشمس طول اليوم وكنا بنام في الاتوبيس امي تعبت جداً".

ومما عاينته: "كانت هناك حالات إغماءات وحالات مرضية حرجة، وحضرت ووثقت بنفسي وفاة رجلين سودانيين من كبار السن، وكتبت تقرير الوفاة وتم إعادة الجثامين إلى مدينة دنقلة، وتركت ورائي ست حالات في وضع حرج، وعرفت أنهم توفوا بعد ما عبرت إلى الجانب المصري".

الحافلة التي ضمت أفراد أسرتها كانت تحمل 50 فرداً، "والجميع فيها وخارجها يعاني بسبب فقد السوائل من جسمه نظراً لعدم وجود المياه في المعبر على الجانب السوداني"، شهادة الطبيبة السودانية تتفق مع ما تابعه رصيف22 من شهادات متعددة تطالب السودانيين القادمين إلى المعابر الحدودية خاصة في أرقين إلى الاستعداد لساعات الانتظار الطويلة على الجانب السوداني بإحضار كميات كبيرة من المياه.

وتؤكد أميرة أن المعبر السوداني يعاني من نقص شديد في المياه والأغذية والرعاية الطبية، "حتى أنهم كانوا ينادون في كل حافلة «حد معاه طبيب؟ هل لديكم طبيب؟» هذا النداء متكرر داخل المعبر لنجد المرضى النائمين علي الأرض".

قضت أميرة وأسرتها أربعة أيام في المعبر السوداني، حتى خرجت إلى المنطقة الحدودية التي تبلغ مساحتها 300 متر، وعبرت إلى المعبر المصري، "هناك عيادة طبية ولكن المعبر المصري مزدحم جداً بالنازحين والعائدين المصريين، ولا يوجد فيه مقاعد كافية ولكن به عيادات طبية حاولت إسعاف المرضى والتعامل مع الحالات الحرجة، وبه أيضاً حمامات ليست جيدة، ولكنْ فيها مياه، وهناك يمكن شراء أطعمة بسيطة وكلها خدمات غير متاحة عى الجانب السوداني".

طبيبة سودانية نازحة إلى مصر: المعبر السوداني يعاني من نقص شديد في المياه والأغذية والرعاية الطبية، "حتى أنهم كانوا ينادون في كل حافلة «حد معاه طبيب؟ هل لديكم طبيب؟» هذا النداء متكرر داخل المعبر لنجد المرضى النائمين علي الأرض"

داخل مصر

تؤكد الطبيبة الشابة أن العاملين في المعبر المصري "كان لديهم حالة من الصبر والرقي في المعاملة وتحملوا الكثير من الأعباء وكثرة أعداد النازحين، وحاولوا حل المشاكل، وهم يتعاملون مع الجميع بأخلاق ومهنية كبيرة"، مضيفة أن إدارة المعبر حاولت توفير كل الإمكانيات للمترددين إليه ومراعاة الحالات الاستثنائية مثل حالة أخيها.

 كانت طبيبتنا محظوظة هي وأسرتها لعدم اضطرار أي من أفرادها إلى انتظار تأشيرة للدخول إلى مصر، فأحد شقيقيها حامل للجنسية السويدية، ما يجعله ضمن الفئة التي يسمح بمرورها من دون انتظار التأشيرة، أما شقيقها الآخر فقد أفاد من حصول الأسرة على تأشيرة سفر إلى قطر قبل اندلاع الصراع، وهو ما أنقذ الأسرة من موقف صعب "في معبر أرقين المصري تم رفض دخول أخي المعاق معي، ولكن بعد الاطلاع على الأوراق الطبية الخاصة به والتأكد من صحتها، وأن لديه جواز سفر سارياً، إضافة إلى أن لديه تأشيرة وتذاكر سفر جاهزة للسفر إلى قطر، فسمحت السلطات المصرية له بالدخول بعد أن أعدت له تصريح دخول معنا وتفهمت حالته الصحية وأوقعت كشف طبي سريعاً عليه وسمحت له بالدخول إلى الأراضي المصرية مع الأسرة".

شهادات سودانية لرصيف22: العاملون في المعبر المصري "كان لديهم حالة من الصبر والرقي في المعاملة وتحملوا الكثير من الأعباء وكثرة أعداد النازحين، وحاولوا حل المشاكل، وهم يتعاملون مع الجميع بأخلاق ومهنية كبيرة"

وأخيراً تؤكد الطبيبة الشابة: "الوضع النفسي والإنساني للنازحين سيء جداً، إحنا سبنا بيوتنا للمجهول وأصوات الضرب مش بتروح من دماغنا"، وأشارت إلى أن المعابر "بها كارثة بيئية وصحية" خاصة على الجانب السوداني، مؤكدة أنها التقت الكثير من الأطباء زملائها في المعبر، وأن حركة النزوح زادت بكمية كبيرة خاصة مع الهدنة وانهيار الوضع الصحي، "المستشفيات في السودان انهارت حتى أنهم حاولوا إعداد أماكن لعلاج الضحايا والمصابين إلا أنها كانت تتعرض للقصف أيضاً" ويتفق هذا مع تصريحات عدة أفادت بها الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية حول خروج معظم مستشفيات السودان وأماكن الرعاية الصحية بها من الخدمة مع النقص الحاد في الإمدادات الطبية.

خوفاً من الجوع 

أربعة أيام قضتها رُبى صدِّيق هي وأخوها وأبناؤها الثلاثة في معبر أرقين. قررت الأسرة الخروج من الخرطوم بعد استمرار الاشتباكات المستمرة، "ليس خوفاً من الحرب والرصاص، لكن من الجوع".

 التقى رصيف22 بالسيدة الثلاثينية التي جاءت من الخرطوم مع أخيها محمد وأبنائها الثلاثة وحاول زوجها المجيء معها، ولكن السلطات المصرية رفضت مروره من معبر أرقين الحدودي من دون الحصول على تأشيرة دخول، فعاد إلى القنصلية المصرية في وادي حلفاً لتقديم أوراقه، ولا يزال ينتظر لحصول على تأشيرة دخول من القنصلية المصرية هناك.

تأتي ربى صدِّيق وعائلتها إلى مصر مرتين أو أكثر كل عام، فهي لديها أصول مصرية وعائلة تسكن أسوان، لكنها تحمل هي وأخوها وأبناؤها جوازات سفر سودانية.

تتذكر الأم الشابة رحلة الأيام الأربعة بمرارة شديدة: "نمنا في الأرض في المعبر مع أولادي. أنا لا يمكن أنسى ما حصل لي. أيام الانتظار طويلة في المعبر السوداني والمصري، وأعادوا زوجي إلى حلفا وذلك زاد عدد أيام الانتظار علينا حتى اضطرت الخروج مع أخي وأبنائي".

الاستغلال داخل السودان أكثر ما لاحظه الجميع فمحمد شقيق ربى يقول: "خرجنا من السودان بسبب الاستغلال في السودان الذي زاد خلال أيام الحرب وظهر في رحلة النزوح". 

 قبل الحرب، كانت تذكرة الانتقال من الخرطوم إلى أسوان  تساوي 50 دولاراً، لكن حسب الشهادات التي استمع إليها رصيف22، فإنها باتت تعادل حالياً 550 دولاراً للفرد، ويضيف محمد أنه وجد نوعاً آخر من الاستغلال في المعبر السوداني والمصري، وهو أنه يجب الخروج من المعبر في حافلات وليس على الأقدام. ففي حالة انتهاء رحلة الحافلة من الخرطوم إلى معبر أرقين السوداني تبقى العائلات من دون حافلات في المعبر، وفور انتهاء الإجراءات توجد سيارات خاصة في معبر أرقين تقل المسافرين إلى خارج المعبر فقط، "بعض هذه السيارات استغلت الموقف وزادت من تذكرة الدخول على بعض الأسر"، وهو ما وثّقه جهاز تنظيم النقل البري الداخلي والدولي التابع لوزارة النقل المصرية. 

قبل الحرب، كانت تذكرة الانتقال من الخرطوم إلى أسوان  تساوي 50 دولاراً، لكن حسب الشهادات التي استمع إليها رصيف22، فإنها باتت تعادل حالياً 550 دولاراً للفرد

وصرح المهندس سيد متولي رئيس جهاز تنظيم النقل البري في وزارة النقل المصرية لرصيف22 أن الوزارة بدأت في توفير حافلات لنقل العائدين مجاناً، لمن ليس لديه القدرة المالية، وفق تسعيرة موحدة تبلغ 350 جنيهاً مصرياً (11 دولاراً) للفرد. جاء ذلك أثناء لقاء متولي مع عدد محدود من الصحافيين منهم مراسلة رصيف22 أثناء زيارته موقف كركر الدولي.

أكدت ربى ما قالته الطبيبة السودانية الشابة التي تحدثت إلى رصيف22 حول الكثافة الشديدية وتكدس النازحين على الجانب السوداني من معبر أرقين، إلى جانب افتقار المعبر للخدمات الأساسية "ظللنا في المعبر السوداني مدة تجاوزت اليومين من دون مياه، ما سبب لي مشكلة حية وآلاماً في ساقي، وفور عبورنا إلى الجانب المصري ذهبت إلى العيادات المتنقلة للهلال الأحمر المصري الذين حاول إسعافي ونصحني بتلقي علاج مناسب في أسوان وعدم السفر إلى أي مكان إلا بعد علاج رجلي". 

في السودان، تعيش ربى في منطقة المعمورة وهي "منطقة آمنة الكهرباء متوفرة والمياه متوفرة ولكني خرجت خوفاً من الجوع ونقص الخدمات، إضافة إلى زيادة عمليات النهب في المنطقة. الوضع أصبح مخيفاً، إذ ارتفعت أسعار الأطعمة بشكل كبير من دون مبرر. هناك استغلال كبير من التجار".

تواصل ربى شهادتها المهمة حول الرحلة من الخرطوم لأسوان قائلة "في الطريق من الخرطوم إلى أرقين شاهدت الجميع ينهبون المصانع والمحال التجارية، الزيت غلي ثمنه من سبعة آلاف جنيه سوداني ليصبح 20 ألفاً. استغلال السودانين بعضهم بعضاً كان كبيراً حتى أن أسعار تذاكر الخروج من الخرطوم تزيد كل ساعة".

تملك عائلة صدِّيق منزلاً في القاهرة، وتخطط لبقاء في مصر كمرحلة مؤقتة إلى أن يحين موعد السفر إلى الخارج، "الهدنة دي اتعملت للأجانب، وكل الدول عملت كل الإجراءات الممكنة عشان أولادها يطلعوا إلا السودان، قررت تدق فينا. وده خلاني أقرر اني مش هقدر أعيش في السودان تاني بدون أمان".

رئيس جهاز تنظيم النقل البري في وزارة النقل المصرية: "النازحون السودانيون والعائدون المصريون غير القادرين على دفع تكلفة الانتقال من المعبر إلى أسوان أو القاهرة، يحق لهم استقلال الحافلات مجاناً وإعفائهم من رسوم دخول المعبر" 

مواصلات وأموال

 المسافة بين أسوان وموقف كركر 36 كيلومتراً، والمسافة بين أسوان وأرقين 320 كيلومتراً، ومنذ بداية الأزمة ينتظر ياسر محمد سائق سيارة أجرة هو وبعض زملائه داخل موقف كركر لنقل القادمين من أرقين، وأصبحت هذه الفترة فترة انتعاشة لكثرة الطلب على وسائل الانتقال من كركر إلى أسوان، ووصلت تذكرة الانتقال من كركر إلى أسوان 300 جنيه صعوداً من 20 فقط في السابق، فيما وصلت مصاريف تأجير السيارة من أسوان إلى أرقين أربعة آلاف جنيه، وفي بعض الأيام تصل إلى ستة آلاف جنيه.

من الطرق المخصصة للنقل البري على الحدود المصرية السودانية يأتي ميناء قسطل - الأقرب لوادي حلفا-، فبعد انتهاء الإجراءات، يستقل الركاب عبّارة نهرية من قسطل إلى أبو سمبل، ثم يستقلون سيارة من أبو سمبل إلى موقف كركر أو إلى أسوان حسب الاتفاق، أما الطريق الآخر الذي يشهد ضغطاً كبيراً في أعداد النازحين، هو الطريق البري المباشر من الخرطوم إلى موقف كركر في أسوان، مروراً بمعبر أرقين الحدودي البري.

 بعض النازحين يخرجون من معبر أرقين بسيارات يستقلونها من المعبر، بعضها سيارات لا تتبع شركة أو جهة محددة، هذه السيارات تحدد تسعيرة عالية، أما البعض الآخر فيستقل سيارات تابعة لجهاز تنظيم النقل البري الداخلي والدولي (وزارة النقل المصرية)، هذه السيارات لديها تسعيرة محددة وهي 350 جنيهاً من أرقين إلى كركر، ولديها صلاحيات نقل النازحين مجاناً بحسب تصريحات المهندس سيد متولي لرصيف22 إذ أكد فيها أن هناك حملات لمحاربة الاستغلال الذي يتعرض له النازحون السودانيون والعائدون المصريون بسبب رفع قيمة التذكرة من كركر إلى القاهرة، والتي قد تصل إلى 600 جنيه في بعض الأحيان، وأكد أنها موحده بـ300 جنيه، وفقاً للتعاقد المبرم بين جهاز النقل الداخلي والشركات التي تعاقد معها.

في نفس الوقت، تصطف العديد من السيارات التابعة لمشروع السرفيس الذي تشرف عليه محافظة أسوان، والتي كانت تعمل على نقل الركاب من كركر إلى أسوان والعكس بتسعيرة موحدة هي 10 جنيهات للفرد، إلى أنه فور بدء الاحداث ارتفعت التسعيرة إلى 25، والبعض قرر أن ينقل عائلات بالافاق المسبق بأسعار خارج التسعيرة الرسمية، وهذا ما رصده رصيف22.

بين عالمين

على مدى عام كامل، عملت سناء محمد في موقف كركر الحدودي. هي سودانية الجنسية تعيش في أسوان، وتعمل في تنظيف المعبر وخدمة المسافرين، وتزيد من دخلها عبر إعداد الجبنة والمأكولات السودانية للعائدين من الخرطوم وتستطلع منهم أخبار السودان، تقول لرصيف22: "كل أملي حالياً هو جلب بناتي المقيمات في الخرطوم، ولكن لن أتمكن بسبب ارتفاع أسعار تذاكر النقل بين الخرطوم وأسوان".

تقول: "التذكرة كانت بـ15 ألف جنيه سوداني، وزادت في وقت الحرب بشكل كبير، وده صعب شديد (جدا) عليا. بناتي في الخرطوم ما زالوا في الحرب، وصعب شديد إني أروح ليهم لأن التذكرة وصلت إلى 50 ألف سوداني، وأتمنى أن اتمكن من إحضارهم إلى مصر في أقرب وقت".

سناء واحدة في عداد كثيرين من السودان يعملون في المعبر وموقف كركر الدولي وفقاً للظروف نفسها، أكثرهم من الخرطوم وأم درمان وكردفان.أما أم عمر، السودانية التي يبلغ عمرها 70 عاماً، التي جاءت مع أبنائها وأحفادها من الخرطوم إلى أسوان في رحلة دامت ستة أيام، فلا تزال ملامح وجهها تعلوها الدهشة والاستياء، فهي لم تكن تتخيل أن تضطر إلى مثل تلك الرحلة في عمرها هذا، تقول لرصيف22: "الرحلة طويلة، من الخرطوم إلى أم درمان ثم من أم درمان حتى معبر أرقين ثم من المعبر حتى موقف كركر، والآن ننتظر ميكروباصاً إلى أسوان، ومنها إلى القاهرة" حتى تصل إلى شقتها التي تملكها هناك: "إحنا طلعنا فجأة ومكنتش عارفة آخد إيه وسبت بيتي خوفا من الضرب".

لكن ذلك الاستياء لم يجد مكاناً في ملامح هدى وأبنائها بينما وقفوا يستقبلون أسرتها القادمة من السودان، لكنها تحكي رغم فرحتها: "دي أصعب رحلة مرت علينا، خرجنا من الخرطوم يوم الثلاثاء الماضي، واستمرت رحلتنا من الخرطوم إلى معبر أرقين لمدة 12 ساعة، وظلنا في معبر أرقين في الجانب السوداني كان في عيش وطعمية، وحاول بعض المسافرين الاستغاثة بالسلطات بأن تجلب طعاماً، فجاءت مساعدات غذائية إلى المعبر السوداني، عبارة عن عيش وطعمية وموية (ماء)".

إلى السودان

ليس كل الموجودين في موقف كركر الدولي قادمين من الخرطوم إلى أسوان، فهناك عدد من المسافرين قرروا العودة إلى الخرطوم، رصيف22 التقت بهم، منهم هناء، وهي سيدة أربعينية جاءت إلى مصر مع أختها قبل اندلاع الصراع المسلح بأربعة أيام لغرض العلاج، وقررت العودة إلى الخرطوم فور بدء الهدنة على أمل الاطمئنان على أبنائها الذين ظلت تتابعهم "ليلاً ونهاراً" على وسائل التواصل الاجتماعي: "أنا جئت يوم 23 رمضان قبل الضرب بأربعة أيام فقط للعلاج، ثم بدأ الضرب. يجب أن أعود للاطمئنان على أبنائي"، مبينة أن تذكرة الوصول من أسوان إلى الخرطوم تراوح بين 1200 و 1500 جنيه".

تواصل هناء: "أنا خليت أولادي في الخرطوم وأبوهم متوفي. ابني الكبير، 19 سنة، وأصغر زول 11 سنة، وهمّ لوحدهم في الضرب، لازم أروح اطمن عليهم".

 قررت سعيدة أيضاً العودة إلى الخرطوم حتى تتمكن من جلب أبنائها إلى أسوان بعد أن اشتدت الحرب، فهي انتظرت الهدنة بفارغ الصبر حتى تتمكن من تأمين وسيلة للعودة إلى صغارها القصر الذين يحتاجون لولي أمر للدخول إلى مصر. 

في نفس الوقت، أوضح اللواء عمرو إسماعيل رئيس هيئة الموانئ البرية المصرية والجافة لرصيف22 أن الحدود مفتوحة لراغبي العودة إلى السودان، وأكد أن المعبر يعمل بطاقته القصوى، وأن طول فترات الانتظار يعاني منه الذي ليس لديه أوراق ثبوتية، مؤكداً أن هناك تعليمات رسمية بإعفاء أي شخص ليس لديه نقود من مصاريف الدخول وهي 140 جنيهاً و400 جنيه للسوداني.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard