شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
الذكاء الاصطناعي والديمقراطية والدين

الذكاء الاصطناعي والديمقراطية والدين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والتنوّع

الأربعاء 12 أبريل 202312:35 م

"الحاجة أم الاختراع"، هذه مقولة صحيحة، حتى في الزمن الذي لم تكن فيه اللغة قد تشكلت وصاغت هذه الجملة. فقبل أن يخترع الإنسان لغته، كانت حاجته للطعام قد فرضت عليه أن يخترع سكيناً من الحجر. حمل البشري هذا سكينه وركض خلف فريسته. كانت الساق القوية هي المعيار الحاسم في هذه المعادلة، فمن يركض بسرعة أكبر سيفوز، ومن تتعب ساقاه سيخسر. وكان الإنسان يخسر خلف الغزلان والأرانب، ولا بد أنه كان يخسر خلف كائنات سريعة أخرى لا نعرفها.

الحاجة لتقليل العبء عن الساق، والحاجة لتضييق المسافة بينه وبين طريدته، والحاجة الملحة لتوسيع الأصناف على مائدته الفقيرة، كانت وراء اختراع الرمح. لقد قطع غصناً ملائماً وصنع منه رمحاً، فصار الركض أقل، وصارت الذراع القوية معياراً جديداً للفوز. من يملك ذراعاً قوية يفوز بلحم الغزال الساهي عن الخطر، أو المشغول بالشرب على ضفة النهر.

بعد قرون طويلة من التجربة والخطأ، ومن التعامل مع الفرائس والصيادين الآخرين؛ الأصدقاء منهم والمنافسين أو الأعداء، تطور العقل قليلاً وصار بإمكانه أن يلبي حاجة الظَفَر بالفريسة قبل الآخرين، أو حاجة قتل هؤلاء الآخرين والتخلص من منافستهم، فاخترع القوس والنشاب. لقد أراح الإنسان، بهذا الاختراع، يده وساقه، وقلل من احتمالات احتكاكه المباشر مع الخطر، وصار بإمكانه أن يقتل عن بُعد وينجو بفعلته.
لن نعدّد الحاجات ولا الاختراعات، ويكفي أن نقول إن لكل زمن حاجاته، أو للدقة: كل تطور يخلق حاجات جديدة، قد لا تكون موجودة أساساً فيما مضى، وقد لا تكون ذات أهمية حاسمة في حياة الكائن البشري، لكن الفضول يلعب دوراً مهماً في خلقها.

الفضول هذا هو ما يدفعنا للتخيل، أو لعله هو التخيل ذاته. لنتخيل أن كائناً وصل باختراعاته إلى مرحلة القوس والنشاب، وكان يعتبر نفسه في أعلى قمة هرم المعرفة والمهارات، قفز في الزمن وعاش بيننا الآن. ولا أقصد بـ "بيننا" جمهور المتفرجين على إطلاق صاروخ فضائي، أو الطلبة الجالسين على مقاعد معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. بل بيننا نحن، المتمطين في بيوتنا بعد إفطار رمضاني، أو الجالسين في المقهى. سيجد هذا الكائن آلاف الأشياء والاختراعات التي لن يفهم ما هي، ولن يستطيع لا عقله ولا لغته استيعاب وجودها.

لمن ولماذا سنصلّي ونوجه دعاءنا؟ كيف ستجلس امرأة على سجادة الصلاة، أو يقف رجل أمام الصليب ويطلب من الله أن يشفي جاره مثلاً، وهو يعرف مسبقاً من خلال تطبيق ما أن قلب جاره سيتوقف بعد يومين وثلاث ساعات؟
كيف سنُجري محادثة عادية مع هذا الكائن، كيف سندعوه إلى تناول الشاي أو الجلوس على الكنبة أو طاولة السفرة، كيف سندعم له رأينا بمقولة أو ببرهان رياضي أو كيميائي، كيف سنفهمه معنى النار المحشورة في فرن الشوي، وكيف سنقنعه أننا سنسخن له الوجبة، دون شعلة، في هذا الصندوق المسمى ميكرويف.
ما أريد قوله هو إن العقل البشري يتدرج بتطوره بالتوازي مع تطور المحيط وأدواته، مَن يسبق الآخر ليس مهماً. المهم هو أننا نعيش اللحظة بـ "باكيج" متكاملة ومنسجمة مع بعضها من الأدوات والمفاهيم والمفردات والقناعات. ولو قفز أحدنا في الزمن خمسين عاماً إلى الأمام فلن يستطيع التفاهم بسهولة مع محيطه. وكما أن صاحب القوس والنشاب لم يكن ليتخيل ما سيصبح عليه العالم بعد قرون، نحن أيضاً لا نستطيع ذلك. يمكننا فقط أن نخمن بناءً على مفاهيمنا الحالية وأدوات معرفتنا الحالية لا أكثر.
العيب الوحيد في التوقع، هو أن العمر لا يكفي دائماً لإثباته أو نفيه

المفاهيم الاجتماعية والدينية وطريقة الحكم، هي أيضاً تتطور بناء على حاجات الفرد وأدواته، وما يوجد في محيطه من اختراعات. ولأن التطور المادي في الماضي كان بطيئاً، فإننا لم نلحظ بسهولة التطورات الاجتماعية، ولم نعرها اهتماماً. بل تعاملنا معها كتحصيل حاصل. الإله موجود في عصر السكين الحجري، ولا يعنينا إن تطور مفهومه في عصر السيف الفولاذي. ليس مهماً إن زادت متطلباته منا، فنحن دائماً أبناء اليوم وأبناؤه أيضاً بشكله في هذا اليوم.

الحاكم وطريقة الحكم تتغير هي أيضاً، لكننا نتعامل معها بعيداً عن شكل هندسة البناء لبيوتنا، وبعيداً عن اختراع العملة، وبعيداً عن طائرة الـ إف 16.
لقد حُكم الناس من قِبَل الإنسان الإله، ومن قِبل ممثل الله على الأرض، ومن قبل السلالات العائلية والملكية، ومن قبل الأرستقراطية (حكم النخبة)، ثم وصلوا إلى الديمقراطية كأسلوب يحكم به الشعب نفسه، ولو نظرياً. والديمقراطية قيمة مقدسة في عصرنا الحالي، وهي معيار يتم به تصنيف الجماعات والدول. قد يكون أقلها قبولاً الديمقراطية الشعبية الدارجة في دول بقايا الاشتراكية، وأكثرها رواجاً الديمقراطية التمثيلية التي ينتخب من خلالها الشعب ممثليه التشريعيين، إلا أنها ما زالت الطريقة المقبولة للحكم.
العقل البشري يتدرج بتطوره بالتوازي مع تطور المحيط وأدواته، مَن يسبق الآخر ليس مهماً. المهم هو أننا نعيش اللحظة بـ "باكيج" متكاملة ومنسجمة مع بعضها من الأدوات والمفاهيم والمفردات والقناعات

قلت إن الديمقراطية هي حكم الشعب لنفسه ولو نظرياً، وأعني أن الفرد الذاهب إلى صندوق الاقتراع يعرف مسبقاً أنه لا يملك السلطة المالية، ولا السلطة المعنوية، ليكون هو المرشح لا المنتخب، بكسر الخاء. هو يذهب لاختيار من يملكون القدرة على الترشح. وهؤلاء بالعادة قلّة قليلة من هذا الشعب الذي اقتنع أنه يحكم نفسه، لمجرد أن إرادته تم أخذها بالحسبان.

ما الذي يمكننا تخيله للديمقراطية في عصر الذكاء الاصطناعي؟ لنتخيل مجموعة من الشباب الذكي، الذي يستطيع التحكم بجهاز يشخص لك أمراضك المحتملة، وليس فقط تلك التي تعاني منها. جهاز آخر يحلل لك بيانات شركتك ويقرر لك الطريقة الأمثل لزيادة أرباحك أو مكان فروعك الجديدة. جهاز يحل محلك في وظيفتك، ويجعل منك مشرداً في الشارع لا لزوم لكل مهاراتك اليدوية في صنع الكرواسون. جهاز يتوقع سلوكك تجاه شرطي السير في الشارع، أو تجاه أمك صبيحة العيد.
تخيل بعد كل هذا أن يكون الجهاز في يد شاب ذكي من الهند. شاب ليس ابن عائلة ولا ابن سلالة ملكية، ولم يتم انتخابه ليمثلك في البرلمان أو في المجلس البلدي. ما معنى الديمقراطية بكل أشكالها آنذاك، وما لزومها؟ لنبتعد عن هذا الشاب عشر سنوات أو عشرين في المستقبل، ونتخيل الكمبيوتر يتخطى الطريقة التي نتعامل بها مع المحيط. هو لم تعد تعجبه طريقتنا وسيختار طريقته الخاصة، وبناء على هذه الطريقة الخاصة سيقرّر لنا ما الأفضل في كل شؤون حياتنا. هل سنذهب حينها لانتخاب رئيس أو حكومة، أم أن هذا التقليد سيبدو مغرقاً في السخف واللاجدوى؟
ثم لمن ولماذا سنصلّي ونوجه دعاءنا؟ كيف ستجلس امرأة على سجادة الصلاة، أو يقف رجل أمام الصليب ويطلب من الله أن يشفي جاره مثلاً، وهو يعرف مسبقاً من خلال تطبيق ما أن قلب جاره سيتوقف بعد يومين وثلاث ساعات؟
هل يبدو هذا الكلام مغرقاً في اللامنطق؟ ربما. لكن صاحب القوس والنشاب كان سيقول الكلام ذاته لو قيل له، في ذلك الوقت، إن البشر سيطيرون دون أجنحة. العيب الوحيد في التوقع، هو أن العمر لا يكفي دائماً لإثباته أو نفيه.

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard