شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
مسلسل

مسلسل "الهرشة السابعة" وحاجتنا إلى أشخاص آمنين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع

الأحد 2 أبريل 202310:56 ص

سمعت منذ أيام قليلة أنه بإمكاننا تقبلّ الأحكام على أنها "وجهات نظر" دون أن ندعها تؤثر علينا، ولكن: لماذا هي موجودة من الأساس؟

أسأل نفسي لماذا على الكثير منا أن يبرّر اختياراته أو أفعاله أو أفكاره والقائمة تطول؟ أفكر كم كانت ستكون حياتنا أسلس إن كانت الأحكام معدومةً، وإن كان التقبّل شيئاً موجوداً لدى الجميع، أو لدى الغالبية على الأقل وليس الأقلية. المشكلة أن كلمة "تقبّل" باتت مبتذلة، ودرامية، أو هكذا أشعر حالياً.

أكتب هذا لأتحدث عن شخصية نادين التي تمثّل دورها أمينة خليل في مسلسل "الهرشة السابعة" (تأليف ورشة سرد، وإخراج كريم الشناوي)، أو شخصية نادين هي التي دفعتني لوضع أفكاري المتعلقة بالموضوع هنا في مكان واحد. "الهرشة السابعة" مسلسل يتمحور حول الحب والعلاقات العاطفية والزواج، وكيف تتبدّل المشاعر كل بضعة سنوات، وما إن كان الحب كافياً لاستمرار العلاقات، والكثير من الأسئلة والأفكار والمشاعر التي تحتاج حتماً لتفكيك وللحديث عنها في دوائرنا، لأن الكل دون استثناء سيجد نفسه في هذا المسلسل.

نادين مستفزة. هذا ما فكّرت به منذ مشاهدها الأولى ربما. هي موجودة حولنا. هذا ما كان أيضاً يدور في بالي. نادين تحكم على كل أحد. لها معاييرها الخاصة، وتقيس الحياة كلها نسبةً إلى هذه المعايير. هي الشخص الوحيد الذي يصيب، أما باقي شخصيات المسلسل، ونحن معهم بالتأكيد، فكلنا خطاؤون دون استثناء.

كم كانت ستكون حياتنا أسلس إن كانت الأحكام معدومةً، وإن كان التقبّل شيئاً موجوداً لدى الجميع، أو لدى الغالبية على الأقل وليس الأقلية. المشكلة أن كلمة "تقبّل" باتت مبتذلة، ودرامية

لكن هذا المسلسل حقق شيئاً من العدالة، غير الموجودة أحياناً في حياتنا الواقعية في ما يتعلق بهذا الأمر. فعادةً ما يُسمح لهؤلاء الأشخاص بالتدخل أكثر فأكثر، وأن يطلقوا أحكاماً أكثر فأكثر، دون أن يردعهم أحد ويخبرهم بأن الحياة خارج معاييرهم أحلى بكثير.

نادين قيل لها إن هناك ما لا يُقال لها خوفاً من أحكامها، ومَن أخبرها بهذا هو زوجها آدم (مثّل دوره محمد شاهين). قال لها بينما كانا يتشاجران، إنه لم يخبرها برغبة والدته فيفي (مثّلت دورها حنان سليمان) بالزواج، وإن والدته نفسها لمّا تخبرها، خشية تعليقاتها وأحكامها.

نادين: أنت ليه ما تكلمتش في الموضوع ده وأخدت رأيي فيه؟

آدم: عارف رأيك يا نادين.

نادين: إيه بقى رأيي اللي أنت عارفه؟

آدم: عارف رأيك يا نادين إنك judgemental يا نادين. وإنك هتقعدي تقوليلي هي أمك إزاي تعمل كدة؟ هي أمك تجننت؟ بتعمل كدة في سنها ده؟ وكل الهري ده.

نادين: أنا يا آدم هعمل كدة؟ أنا هقول كدة؟!

آدم: أنتي كدة يا نادين. طول عمرك شايفة الحياة من عندك أنتي بس. من وجهة نظرك أنتي بس. اللي تعلمتيه وتربيتي عليه بس. أي حاجة تانية مختلفة تبقى هبل، أي كلام. لو مش مصدقاني روحي اسأليهم وشوفي هيقولولك إيه.

سلمى، صديقتها المقربة أيضاً مرّت بأزمة مع حبيبها قبل الزواج، وفضّلت عدم مشاركة نادين بالموضوع خشية أحكامها. سلمى (مثلت دورها أسماء جلال) هي صديقة الثنائي آدم ونادين في المسلسل وبمثابة ابنة لفيفي، التي احتضنتها كأمّ نظراً إلى بعد والدة سلمى. فكانت سلمى هذه على دراية برغبة الأم بالزواج بينما نادين لم تعرف إلا صدفةً. وعند المواجهة لاحقاً، قالت نادين لسلمى: "رأيكو فيا هو اللي زعلني. لما حد فيكو بيتكلم معايا وبيبقى عايز ياخد رأيي، أنا بقول اللي أنا شايفاه صح لمصلحتكو، مش عشان تشوفو إني بحكم عليكو وأكيد مش عشان تخبو عليا حاجة".

أعتقد أننا نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أشخاص آمنين، يجيدون الاستماع والتفهّم، فالتقبّل، دون إطلاق ذرّة حكمٍ

شرحت لها سلمى أن الجميع يعلم بطيبة نيّتها ولكن "ضغطها" عليهم بالكلام يجعلهم يندمون على مشاركة القصص معها من الأساس. ردّت نادين: "يا سلام. يعني أنتوا لما حد فيكو يعمل حاجة غلط، المفروض أسقّف وأقول برافو؟ أنا مش مصدقة الناس اللي عايزاني أكدب فوشّها عشان هي ترتاح دي".

وجدتُ نفسي أجيبها (لا أعرف ما كل هذا الغلّ): "غلط بالنسبة الك أنتِ!". وهذا ما ردّت به أيضاً صديقتها سلمى، موضحةً أن الغلط بالنسبة لنادين ليس شرطاً أن يكون غلطاً للآخر.

هذه بديهيات ولكن ربما علينا تكرارها دائماً.

الحوار هذا لم يمنع نادين من قول إنها لا بد من قول رأيها حين يسألها أحد عن رأيها. هذا شيء بديهي أيضاً. المشكلة أن نادين، كما الكثير من الذين يشبهونها خارج المسلسل، لم يسألها من حولها عن رأيها. تقوله دون أن تُسأل. صاحب الشأن لم يسأل عن رأيك ولا يريده، ليس لأي سبب سوى أن لديك معايير معيّنة، ومن غير المنطقي قياس الدنيا كلها نسبةً لهذه المعايير فقط. قالت لها سلمى نهايةً إن الطريقة التي تتحدث فيها هي ما يصنع فرقاً. يمكنها قول رأيها دون قول "صح وغلط" ودون تنظير، ربما تحاول فقط فهم لماذا فعل هذا الشخص هذا الشيء أو ذاك. رأت نادين بعد هذا الكلام بأن والدتها كذلك، وأنها ربما باتت تشبه أمها.

أقول إن السيناريو عادل، لأن غضبي تجاه شخصيتها يهدّيه أفراد المسلسل بردودهم على نادين. فمن غير المنطقي أن أتحدث مع نفسي أمام الشاشة، دون أن تصل أي من كلماتي لنادين. فالعدالة تكمن أيضاً في الرد على الشخصيات "الشريرة" في الأعمال التي نشاهدها. اعتدنا على أن يكون الشرير هو القوي، هو من ينجح حتى الحلقة 29، ولكن هنا الوضع مختلف قليلاً. لا يوجد شرير بالمعنى الحرفي، ولكن توجد شخصية نتمنى ألا نرى أو نلتقي العديد منها في حياتنا، أو لا نلتقي بها كلياً.

أعتقد أننا نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أشخاص آمنين، يجيدون الاستماع والتفهّم، فالتقبّل، دون إطلاق ذرّة حكمٍ. أن نكون على هيئتنا التي تشبهنا، وليس تلك التي نبذل فيها جهداً لنشبه من حولنا، لأننا لفترات طويلة تعلمنا أن الاندماج ضروري. أن نكون رفقة أشخاص لا نضطر أن نبذل جهداً أمامهم فقط لنبتسم ونتعامل معهم بشكل عادي، بينما نشعر بثقل ما في قلبنا. ألا نخفي احمرار الأنف بعد البكاء قبل أن نلتقي بهم، لأننا لا نخاف أو لا نتردّد في أن نحكي لهم لماذا كنّا نبكي.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard