عندما لا يمتحن الآخر إنسانيتي

الاثنين 3 يناير 202204:03 م

عندما ينتقل المرء، أياً كان، ومن أيّ مكانٍ جاء، إلى العيش في بلدٍ جديد، فإن أول ما يتعامل معه، هي مجموعة الأفكار النمطية والأحكام المسبقة التي يمتلكها عن هذا البلد وأهله، في مواجهة واقع هؤلاء الناس الذي يتعارض شيئاً فشيئاً مع تصوراته الأولية. كما أنه سيصطدم بالضرورة بتوقعاتهم، وأفكارهم، وأحكامهم المسبقة عنه، وعن بيئته، وبلده.

المجتمعان العربي والأوروبي، يقفان واحدهما من الآخر على طرفي نقيض، إذ إن الثقافة العربية ثقافة جمعية، بينما تتميز الثقافة الأوروبية الغربية بأنها فردانية.وكلما كانت المجتمعات متباينةً في بنيتها وثقافتها السائدة، ومختلفةً عن بعضها البعض، كما الحال بين الشرق والغرب، وبين العرب والأوروبيين، ازدادت هذه الافتراضات الخطأ، وساد الكثير من سوء الفهم لطبيعة كل مجتمع، وللسلوك السائد فيه، ولأفكاره وقيمه كنتيجة لهذا الاختلاف والعجز الذي ينجم عنه.

تُعطي الثقافة الجمعية للمجتمع بكليّته وأهدافه، الأولوية على رغبات أفراده الذين يكونونه، وأهدافهم، وبهذا يأخذ الفرد قيمته من تقدير المجتمع الذي ينتمي إليه له، واعترافه به، ويُعدّ هذا المجتمع نقطة الارتكاز الأساسية في تعريف الفرد لذاته، والمرجعية الأهم للسلوك المقبول اجتماعياً.

لا يملك الفرد في الثقافات الجمعية هذه خياراته، إلا بما ينسجم مع توقّعات الجماعة ومعاييرها، وأيّ حياد عنها يُعرّضه لانتقادات شديدة، قد تصمه بالعار

في المقابل، تُعزز الثقافة الفردانية قيمة الفرد كونه كياناً مستقلّاً، لمصالحه وأهدافه واستقلاليته الأولوية على ما تريده الجماعة، طالما أن سلوكه لا يُسيء إلى الآخرين، أو يتسبب بالأذى لهم؛ ومن أجل تحقيق هذا، صُممت المؤسسات والقوانين الاجتماعية لدعم خيارات الإنسان، وحرياته، من دون أن يتبع لسلطة عاطفية أو مادية تحدّه وتمنعه من تحقيق ما يسعى إليه.

تُعدّ القيم الدينية والأسرية إحدى أهم هذه الاختلافات التي تؤسس لمجموعة من الأفكار الخطأ لكلي الطرفين. ففي حين يأخذ الدين في المجتمعات الجمعية حيّزاً كبيراً من الحياة العامة، ويُتخذ مرجعاً أساسياً للتشريع والقوانين والسلوكيات المجتمعية، ترى المجتمعات الفردانية معتقد الفرد خياراً شخصياً يخصّه وحده، فلا تُسَنّ قوانين الدولة والقيم العامة بناءً على دين الغالبية من مواطنيها، مع الحفاظ على حق الفرد في ممارسة طقوسه الدينية، طالما أنه يلتزم بالقوانين، ولا يتعدى على معتقدات الآخرين. لكن ذلك لا يعني أن هذه المجتمعات لا دين لها، أو أن أفرادها غير مؤمنين أو متديّنين كما قد يُخيّل لبعض القادمين من مجتمعات جمعية.

كذلك، لكل ثقافة مفهومها الخاص عن العائلة، ودور أفرادها، إذ تكون الروابط الأسرية، وقيمة العائلة، في المجتمعات الجمعية أهم من تطلعات الفرد. وفي حال تعارضت رغبات الأبناء وأهدافهم مع مصلحة العائلة، فعليهم أن يضحّوا بها من أجلها. وتكمن المشكلة عندما نحاكم الأسرة الأوروبية من منظورنا هذا، فنعتقد أن الابن الذي قرر السفر والعمل بعيداً عن عائلته، هو "ابن عاق"، أو أن الابنة التي قررت السكن وحدها، لا تُحب أسرتها. وهذا ليس صحيحاً بالضرورة، فخيارات الأبناء هذه غالباً ما تكون مدعومةً من ذويهم، الذين يتفهّمون حاجات أبنائهم تلك.

في المجتمعات الغربية، عندما يواجه الفرد أي مشكلة، أو يحتاج إلى أي دعم، يعلم يقيناً أنه يستطيع التوجه إلى المؤسسة المسؤولة عن مشكلته، وسيتلقى المساعدة.

في المجتمعات الغربية، عندما يواجه الفرد أي مشكلة، أو يحتاج إلى أي دعم، يعلم يقيناً أنه يستطيع التوجه إلى المؤسسة المسؤولة عن مشكلته، وسيتلقى المساعدة. ففي حال خسر عمله، فسيحصل على إعانة مالية حتى يجد عملاً جديداً، وإن احتاج إلى رعاية صحية، أو احتاج إلى الدعم في تربية أبنائه، فسيتلقاهما بالتأكيد. لكل تلك الظروف قوانين اجتماعية تهتم بها، ولذلك لا يعتقد الأوروبي، مثل الإنسان العربي، أن عليه التوجه إلى طلب المساعدة من بيئته الاجتماعية، أو عائلته، أو أقاربه، أو أصدقائه، ليساعدوه في حل مشكلته، أو رعايته، وأن يكون حاضراً في المقابل لتقديم الدعم لهم عندما يحتاجون إليه؛ هكذا تعمل المجتمعات الجمعية، ومن هنا تكتسب الجماعة سلطتها وقوتها أيضاً. وفي هذه الحالة لا يُمكن بأي شكلٍ من الأشكال، عدّ العلاقات والروابط في هذه المجتمعات قائمةً على المحبة الخالصة فحسب، فهي مركّبة تختلط فيها العواطف مع المصالح والاحتياجات.

لا يملك الفرد في الثقافات الجمعية هذه خياراته، إلا بما ينسجم مع توقّعات الجماعة ومعاييرها، وأيّ حياد عنها يُعرّضه لانتقادات شديدة، قد تصمه بالعار. من هذا المنطلق، قد يلجأ الأفراد إلى سلوكيات وأفعال لا تنسجم مع ما يريدونه، لمجرد إرضاء المجتمع الذي يملك مسبقاً مجموعة من الأفكار المثالية الجاهزة عمّا يجب أن يكون فحسب، والتي ليست بالضرورة واقعيةً أو ممكنة. يعتني الغالبية بذويهم من كبار السن في منازلهم، على الرغم من الأعباء المترتبة على ذلك، وعدم الرغبة فيه أحياناً. ويترافق هذا الواجب في بعض الحالات، مع سوء معاملتهم، إلى درجة قد تصل إلى حد الإهانة والضرب، ولا يفكّرون في المقابل في إيوائهم في دور المسنّين، ليس لسبب إلا خوفهم من نظرة المجتمع إليهم.

ففي حين يأخذ الدين في المجتمعات الجمعية حيّزاً كبيراً من الحياة العامة، ويُتخذ مرجعاً أساسياً للتشريع والقوانين والسلوكيات المجتمعية، ترى المجتمعات الفردانية معتقد الفرد خياراً شخصياً يخصّه وحده، فلا تُسَنّ قوانين الدولة والقيم العامة بناءً على دين الغالبية

هؤلاء أنفسهم ينتقدون الألماني/ الأوروبي الذي يأوي أهله في دار المسنين، غافلين عن أنه جزء من منظومة كاملة، مكّنت له خياراته والتزاماته في الوقت ذاته، وحررته من عقدة الذنب التي يعززها المجتمع المثالي عن سلوك الابن الجيد. فمن جهة، يعمل هذا الشخص لما يزيد عن ثماني ساعات يومياً، ولا يجد الوقت والطاقة لرعاية أهله، كما أن سلوكه هذا مقبول من أهله أنفسهم، والمجتمع بأكمله، لأنهم جزء من المنظومة نفسها؛ من جهة أخرى، توفر الدولة رعايةً لكبار السن بمستوى لائق، ويسكنها آخرون من أجيالهم، يمكنهم أن يبنوا معهم صداقات، ويمارسوا نشاطاتٍ مشتركةً مبنيةً على الرغبة وليس على الإجبار. هذا كله من دون إلغاء الخيارات الأخرى، كقرار البعض الاعتناء بذويهم، والرغبة في الحياة معهم، والبقاء بقربهم، مدفوعين برغبةٍ حقيقية واختيار حرّ من دون أيّ ضغط.

بكل تأكيد، لا وجود لمجتمع مثالي، أو لأنظمة مثالية، وليس من الواقعي توقّع حدوث هذا في يوم من الأيام، وما يهمّ في نهاية المطاف هو سعي الإنسان إلى تطوير نفسه، والتعلّم من أخطائه وتجاربه، وأن يتم توفير بيئة تمكّنه من أن يكون نفسه، بعيداً عن أي محاكمات أخلاقية وامتحانات يومية مرهقة لإنسانيته. هذا ما يُحدث فرقاً في نهاية المطاف، وليس مجرد الادّعاءات المثالية الفارغة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard