"مكان في مصر يحتقر الآخر ويستهزئ به"... بالتوك وفجر "عركة الأديان"

الخميس 9 ديسمبر 202112:10 م

"لا تسب رسولي، لا أسمح لأحد بالمساس بديني، الدين خط أحمر"، عبارات يمكن أن تكون مقدمة للزج بأحد الأفراد في السجن إذا ثبتت عليه تهمة ازدراء الأديان، التي بموجبها يمكن تقديم شخص للمحاكمة لو نشر مقالاً أو صوراً أو رسومات أو أي وسيلة أخرى من وسائل النشر تمس الدين أو شعائره، وتتناول وجهة نظر مخالفة لما تعتقده الغالبية من أصحاب هذا المعتقد أو ذاك.

يتعامل كثيرون عند ذكر الدين بعاطفة مفرطة مع تابوهات لا يسمحون بالمساس بها. يمكن لأحدهم إطلاق حالة استنفار للنعرات الدينية من خلال ذكر فكرة تمس أو تخالف المعتقد السائد. إذ ذاك يجد ما لا تحمد عقباه، سواء بتلقي تعليقات عنيفة تصل إلى التهديدات على الفضاء الإلكتروني أو بتحرير محاضر ضده بتهمة ازدراء الدين.

هذا ما يجري في الوقت الحالي، لكن كيف كان الحال قبل فيسبوك وتويتر؟

هل سمعتم بـ"بالتوك"؟

إذا كان عمرك 35 عاماً فما فوق، فربما سمعت عن بالتوك، لا سيما إذا كنت مهتماً بحوارات الأديان، التي تشبه ساحات الحرب الكلامية بين المتحاورين في الدينين الإسلامي والمسيحي.

"بالتوك" هي نسخة قديمة من برامج الدردشة الفورية على الإنترنت. يمكن للأشخاص من خلالها التحدث ومشاهدة آخرين مستخدمين نفس البرنامج، كما يمكن التنقل بين غرف البرنامج والحديث عن الموضوع المطروح مع المجموعة نفسها. إصدارها الأول كان عام 1998، أي قبل 23 عاماً.

البرنامج الذي ظهر كطفرة إلكترونية على إصدارات ويندوز، كان يهدف إلى التحادث المجاني مع الأهل والأصدقاء في أي مكان بالعالم، كذلك نقل المحاضرات التعليمية لدى انعقادها ومناقشة المشاركين بهذه الخدمة موضوعات تتناول جميع جوانب الحياة.

"أشهر غرفة للحوار المسيحي كان يتزعمها زكريا بطرس، الذي كان متفرغاً لشتم الدين الإسلامي. من الناحية الأخرى كان الشيخ أبو إسحاق الحويني، الذي هو أشهر أصحاب الغرف المدافعة عن الإسلام، والهجوم على الأديان الأخرى"

غير أن تلك المنصات الإلكترونية حادت عن هدفها الأساسي في مصر، وتحولت إلى ساحات عراك بين أنصار كل دين ومعتقد، حتى باتت كلمة "بالتوك" ملاصقة للحوار المسيحي الإسلامي.

السخرية من الموضوعية

المدون والناشط السياسي وائل عباس (47 عاماً) من القاهرة، كان أحد المشاركين في العديد من غرف بالتوك، لكنه انحاز إلى صف الاستماع والرصد من دون الدخول في سجالات دينية، يقول لرصيف22: "بالتوك كان منفذاً للحرية، مفتوحاً أمام المصريين، بعدما أغلقت المساحات الرسمية من وسائل إعلام وكتب وصحف ورقية في وجه أشخاص معيّنين. فوجد هؤلاء وغيرهم أن المستقبل للفضاءات غير الخاضعة للرقابة".

الموضوعات في البداية كانت حقوقية وإنسانية وعلمية أيضاً، لكن مع الوقت تسلل المستغلون لهذا الهامش من الحرية، وأعادوا صياغة الأفكار المتطرفة التي نشأت في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وانتشرت عبر الوسائل المتاحة في ذلك الحين، مثل الكتيبات المتداولة على الأرصفة، وشرائط الكاسيت، وبعض القنوات الفضائية، ثم حاول المهتمون بالتكنولوجيا إحياء مزيد من الأفكار الرجعية، والدفاع المستميت عنها، لكن هذه المرة خلال غرف بالتوك، وفق عباس.

المدون المصري يحكي عن متابعته الحوارات الدائرة في تلك الغرف، وكيفية إدارتها، يقول: "أشهر غرفة للحوار المسيحي كان يتزعمها القمص المطرود من الكنيسة زكريا بطرس، الذي كان متفرغاً لشتم الدين الإسلامي. من الناحية الأخرى كان الشيخ أبو إسحاق الحويني، الذي هو أشهر أصحاب الغرف المدافعة عن الإسلام، والهجوم على الأديان الأخرى".

كل طرف يسعى لإظهار أن دينه يملك الحقيقة.

أما المترددون إلى الغرفة، يكمل عباس، فيسعى معظمهم لأخذ مساحة من الكلام للعن الدين الآخر. المسلمون يشتمون المسيح والعذراء، ثم يبررون ذلك بأن قصة يسوع المتداولة حالياً في الديانة المسيحية مزيفة، وغير موجودة بالقرآن. وعلى الطرف الآخر يتناول المسيحيون حوارات تهدف إلى دحض الدين الإسلامي. كل طرف يسعى لإظهار أن دينه يملك الحقيقة، ودين الآخر أكذوبة.

ينقسم المدافعون إلى نوعين، بحسب عباس، الأول هو المدافع عن الدين لكن بطريقة غير مبنية على أساس علمي، فيتم السخرية منه والاستدلال به على عدم وجود رد لدى أصحاب الدين موضوع المناقشة، والنوع الآخر هو القادر على الرد بالحجة ومواجهة الفريق الخصم، لكن يتم التضييق عليه وعدم إعطائه الفرصة، أو طرده بخاصية "البلوك".

لدى عالم بالتوك مصطلحات خاصة لا يعرفها إلا المترددون إليه. "الآندر كوفر" هو الشخص المشهور بإحدى الغرف لكنه مستعين باسم آخر "نيك نيم" لا يكشف عن هويته.

"الهيلب" هي غرفة مساعدة المستخدمين للإجابة عن تساؤلاتهم بالبرنامج، وموجودة بالقائمة الرئيسية. أما الصبغة فهي خاصية تلوين الرابط من اللون الأسود إلى الأخضر أو أي لون آخر، ويسمح للمستخدم بصبغ الكلمات الهامة، وإزالة الإعلانات من الغرف.

المجادلة وجهاً لوجه

بدأ ياسر الشلقامي (37 عاماً) من المنيا، وهو محرر في قناة مصرية محلية، تجربته مع بالتوك عام 2002، من خلال صديق مسيحي كان يمتلك طبقاً فضائياً في وقت لم يكن منتشراً "الدش". بعد مشاهدته قناة "الحياة" الدينية المسيحية، يقول ياسر: "كنا وقتذاك متدينين، التدين الشعبوي المنتشر بين عوام الناس، كل انتقاد أو حديث يمضي بنا إلى الدفاع الأعمى عما نعتقده".

لم يرِق الشلقامي مسار قناة "الحياة" التي تنتقد الدين الإسلامي، وتتحدث عن أزمات في التراث، لا تزال محل خلاف حتى وقتنا هذا، مثل أحاديث مروية في كتب "الصحاح" مهينة للمرأة، وبول الإبل، وإرضاع الكبير، وزواج النبي محمد بالسيدة عائشة وهي في سن صغيرة، وغيرها من القضايا الجدلية. هذه كلها دفعت ياسر لاكتشاف عالم بالتوك، الذي سمع أن بالإمكان أن يتجادل وجهاً لوجه مع المسيحيين بخصوص هذه الموضوعات.

يضيف الشلقامي: "المسيحيون وجدوا في هذه المساحة منفذًا لمواجهة التطرف الإسلامي المنتشر في التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، والذي يستصعبون مواجهته في الواقع، فيشاركون بأسماء مستعارة، ويردون الصاع صاعين بالشتائم تارة والمناقشات الحادة مرات أخرى".

"أما الألتراس الإسلامي فوجد نفسه يواجه شبحاً جديداً، يجعلهم يشكون في كل ما ظنوا أنه مسلمات لا يمكن لأحد أن يشك فيها، من هنا تحتدم المعركة الكلامية".

"المسيحيون وجدوا في هذه المساحة منفذًا لمواجهة التطرف الإسلامي المنتشر... يشاركون بأسماء مستعارة، ويردون الصاع صاعين بالشتائم تارة، والمناقشات الحادة مرات أخرى"

ويكمل: "كنت وسواي من المسلمين نقرأ كتب التراث المذكورة داخل المشادة، نجمع معلومات لنتسلح بها أمام "النصارى"، وقتذاك كنت مغترباً بسبب دراستي الجامعية المتخصصة في اللغة العبرية، التي كتب بها العهد القديم. لدي إذن الوقت، والفراغ الواجب ملؤه بالدفاع عن الدين، ومعرفة نقاط ضعف الآخر. بعد جمع المعلومات نرد بقراءة سفر نشيد الإنشاد، ساخرين من كلماته التي توحي بمعانٍ جنسية، كما نقرأ أسفار موسى الخمسة "تكوين، لاويين، خروج، العدد، تثنية"، ونسخر منها أيضاً. هكذا تتم المعركة. أحاديث تهين المرأة وتخاصم العقل في مواجهة أسفار من الكتاب المقدس غير منطقية".

أما المدوّن والناشط باسم الجنوبي، فلم تستهوه هذه الغرف، التي وصفها بأنها "اختراع طائفي بامتياز"، أو "هكذا تحولت في مصر لمكان يحتقر الآخر ويسعى للاستهزاء به". لذا تبنّى مواقف "معادية" للسوشال ميديا التي تشبه بالتوك. يقول: "برغم أنني حضرت المنتديات، وهي مساحات إلكترونية قبل بالتوك، رفضت اقتحامه، كما أرفض حالياً غرف برنامج كلوب هاوس، الذي بدأ يسقط في نفس المستنقع الطائفي".

ويتذكر باسم جيدأ تلك الأجواء، التي أثرت فيه حتى يومنا هذا، خاتماً حديثه لرصيف22: "كان خصوم زكريا بطرس من فريق الشيخ أبو إسلام الحويني يحرضون على القتل أو التنكيل بالمشاركين في تلك الحوارات، أو هكذا تحول البرنامج من سجال ديني إلى قنبلة موقوتة من التحريض والعنف الطائفيين". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard