شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
رفع التمثيل الدبلوماسي التونسي في سوريا... هدية للأسد بدعوى الإنسانية؟

رفع التمثيل الدبلوماسي التونسي في سوريا... هدية للأسد بدعوى الإنسانية؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الجمعة 10 مارس 202304:14 م

بعد مرور 10 سنوات على قطع غالبية الدول العربية علاقاتها مع سوريا، أسهم الزلزال الذي ضربها مؤخراً في 6 شباط/ فبراير الماضي، في  تغيير سياسات بعض الدول تجاهها خاصة من التي تتعاطف سياسيا مع نظام بشار الأسد، وأولها تونس التي أعلن رئيسها قيس سعيّد رفع تمثيل دبلوماسية تونس لدى دمشق، وسط تساؤلات عن مدى جدّية هذه الخطوة التي عدّها البعض مجرد وعد صوري قد يزول إذا ما استمرت حالة التشظي والصراع الرئاسي-النقابي الذي تمر به البلاد، وعن تداعيات استعادة العلاقات مع نظام بشّار الأسد، إذا ما باشرت السفارة التونسية في دمشق عملها على سياق صراع المحاور في المنطقة.

سعيّد... قنّاص الفرص

أثار قرار الرئيس التونسي قيس سعيّد، رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي التونسي في دمشق، حفيظة معارضيه الذين أبدوا معارضةً واضحةً لمستوى التحول البارز في الموقف السياسي التونسي تجاه النظام السوري الذي عاش عزلةً دوليةً وعربيةً طوال السنوات الماضية. فيما عدّه جزء آخر بادرةً ستُعيد علاقات الأخوة والتآزر بين الشعبين التونسي والسوري، وبشرى ستُذيب الجليد الذي تكدّس في حقبة كلّ من زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي والرئيس السابق للبلاد المنصف المرزوقي اللذين بادرا إلى إنهاء العلاقات.

جدد الرئيس التونسي في قراره التأكيد على "وقوف تونس شعباً ووطناً إلى جانب السوريين كافة"، مشيراً إلى أن مهمة السفير الجديد ستكون معتمدةً من قبل الدولة وليس النظام، مشدداً في الآن ذاته على أن قضية النظام السوري شأن داخلي يهمّ السوريين وحدهم.


قطعت تونس التواصل الدبلوماسي مع سوريا عام 2011، بسبب تزايد سقوط قتلى من المدنيين على يد قوات نظام الأسد، وأعلن خلالها الرئيس المؤقت الأسبق المنصف المرزوقي، في الرابع من شباط/ فبراير 2012، طرد السفير السوري

وتحدث قيس سعيّد، في بيان للرئاسة التونسية، عن سوريا الدولة "التي تتربع في قلب الشرق"، والتي مرّت بمحطات تاريخية مهمة، وبمخاضات سياسية وترتيبات منذ بداية القرن العشرين أسهمت في تقسيمها.

وأكد سعيّد، أن السيادة الوطنية فوق كل اعتبار، "فكما لا نقبل التدخل في الشؤون الداخلية للدول، لا نقبل بالتدخل في شأننا الداخلي ولا نقبل الانخراط في سياسات المحاور، فسيادة الشعب في الداخل هي مصدر السلطة وسيادة الدولة على المستوى الدولي هي نتيجة للإرادة الحرة والمستقلة للشعب التونسي".

في هذا السياق، انتقد الإعلامي التونسي علاء زعتور، القرار قائلاً إن قيس سعيّد استغلّ النكبة التي حلّت بالشعب السوري في شمال البلاد الذي دمّره الزلزال مؤخراً، ليُنعش نظام الأسد المحاصر دولياً بإعادة علاقات تونس الديبلوماسيّة معه.


من الزلزال السياسي إلى "دبلوماسية الزلازل"

إن المتأمل في ما خلّفه الزلزال الذي ضرب سوريا من أذى مادي وخسائر بشرية لا تزال مركونةً تحت الأنقاض، يلحظ أن الهَبّة العربية والدولية لتقديم المساعدة وإنقاذ الضحايا لم تكن سوى وجهاً من أوجه الدبلوماسية التي لم تتخلَّ فقط عن نشاطها التقليدي، لا بل اتخذت من مدّ يد العون في زمن الكوارث والأزمات مظلةً لرفع الجُنح عن الشعب السوري بعيداً عن المسرح السياسي المعقّد.

وأما عن تونس، فقد قطعت قنوات التواصل الدبلوماسي مع نظيرتها سوريا عام 2011، بسبب تزايد سقوط قتلى من المدنيين على يد قوات نظام الأسد، وأعلن خلالها الرئيس المؤقت الأسبق المنصف المرزوقي، في الرابع من شباط/ فبراير 2012، طرد السفير السوري في تونس وسحب أي اعتراف بالنظام الحاكم في دمشق، داعياً الأسد إلى التنحّي عن السلطة. وفي ما بعد، عيّنت وزارة الخارجية التونسية عام 2015 (حقبة حكم الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي)، قنصلاً عاماً لتونس في العاصمة السورية دمشق، لتليها بعثة دبلوماسية محدودة في عام 2017، وبعدها سقطت عريضة برلمانية مطالبة بإعادة العلاقات في العام ذاته في مجلس النواب السابق، بعد تصويت 68 نائباً فقط لصالح المشروع، وامتناع 77 نائباً عن الإدلاء بأصواتهم، وتصويت 6 نواب ضده (بينما تمت المصادقة بموافقة 109 نوّاب من أصل 217).

أثار قرار الرئيس التونسي قيس سعيّد، رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي التونسي في دمشق، حفيظة معارضيه الذين أبدوا معارضةً واضحةً لمستوى التحول البارز في الموقف السياسي التونسي تجاه النظام السوري

كما شهدت العلاقة بين دمشق وتونس نوعاً من التقارب أواخر سنة 2018، برزت ملامحه من خلال استئناف حركة الطيران بين العاصمتين، وتواصلت مع الرئيس قيس سعيّد عملية التخلص من الفتور الدبلوماسي، إذ التقى قبل أشهر بوزير الخارجية السوري فيصل المقداد، في العاصمة الجزائرية، وحمّله رسالةً إلى نظيره بشّار الأسد، عبّر فيها عن خالص تحياته وسعادته بالإنجازات التي حققتها كل من سوريا وتونس لدحر قوى الظلم والتخلف.

مساندة حتى داخل "المعارضة"؟

تنكّر الأمين العام لحزب العمال اليساري المعارض، لقرار رفع التمثيل الدبلوماسي التونسي في سوريا، مؤكداً أن "أعضاء الحزب طالبوا في ما مضى ويطالبون وسيواصلون المطالبة بإعادة العلاقات التونسية-السورية بصفة تامة، وليس رفع صورة الدبلوماسية كما يسعى الرئيس قيس سعيّد"، محمّلاً مسؤولية تفكك العلاقات بين البلدين إلى حكومة الترويكا التي توافقت آنذاك مع الرئيس الأسبق المؤقت المنصف المرزوقي، وأعلنا موقفاً معادياً لسوريا أضرّ بأمن تونس وأسهم في التستر على حقيقة ملف تسفير التونسيين إلى مناطق القتال والمسؤولين عنه، عادّاً أن محاولة رفع التمثيل الدبلوماسي التونسي، خطوة أولى نحو اتخاذ قرار عودة العلاقات مع النظام السوري الذي بحوزته أدلة ووثائق تثبت الجهات التي شاركت في التسفير انطلاقاً من تونس.

لعل تحرك بعض القوى السياسية، بما فيه المعارضة، في تونس قد سهّل المأمورية على الرئيس سعيّد في التوجه نحو الإشارة إلى ضرورة إعادة العلاقات مع سوريا

وشكّك الهمامي، في تصريح لرصيف22، في جديّة قرار الرئيس سعيّد وتطبيقه فعلياً، عادّاً أن ذلك يعود إلى ضعف –إن لم نقل انعدام- السياسة الخارجية لتونس مما جعلها مغيّبةً عن الساحة الدولية وفاقدةً لنفوذها.

بدوره، رأى أمين عام حزب التكتل المعارض خليل الزاوية، خلال حديثه إلى رصيف22، أن الظرف الحالي المتشنّج بفعل ما أفرزته الهزة الأرضية العنيفة التي ضربت أجزاءً كبرى من سوريا، كان له وقع إيجابي على مستوى كسب تعاطف دولي هيّأ لها الأرضية الملائمة لإعادة العلاقات الدبلوماسية معها، معرباً عن تأييده لمبدأ التآزر وعودة العلاقات بين تونس وسوريا بغض النظر عن طبيعة النظام السوري. إلاّ أن ذلك غير ممكن في الوقت الحالي نظراً إلى ارتباط هذا الملف بجامعة الدول العربية، ولكون الدبلوماسية التونسية لا تملك المؤهلات الكافية للتأثير في قرارات الجامعة أو حتى التدخل فيها لأن الوضع العربي الحالي، وفق رأيه، ليس جاهزاً للتطبيع مع النظام السوري.

من جهته، قال القيادي في حزب حركة النهضة المعارض، والمعروف بانتقاداته اللاذعة للرئيس التونسي، منذر الونيسي، إن "التمثيل الدبلوماسي من اختصاص الدولة التونسية، ونحن نصطفّ وراء سياسات وقرارات الدولة التونسية إذا كانت تصبّ في مصلحة التونسيين"، مضيفاً في تصريح لرصيف22، أن "قرارات رئيس الجمهورية منذ ما يُسمّى بانقلاب 25 تموز/ يوليو، مجرّد أحاديث لن تُمارَس على أرض الواقع، ونتج عنها تخبّط سياسته الخارجية في مستنقع الظلام والعُزلة عما يحدث على الساحة الدولية.

هل تعود سوريا إلى "الحاضنة العربية"؟

على ما يبدو، فإن انفتاح تونس على دمشق يُعدّ خطوةً مهمةً بالنسبة للرئيس قيس سعيّد، الذي آمن بـ"مسار الخامس والعشرين من تموز/ يوليو"، الذي قاده هو شخصياً ليقطع تارةً مع المنظومة السابقة بزعامة حركة النهضة التي قطعت العلاقة مع سوريا، وليدعم تارةً أخرى سيره مع توجهه الأيديولوجي وطبيعة الحزام الحزبي المُحيط به والمؤثر في سياسات الرئيس التونسي، وهو ما عدّه القيادي في ائتلاف الكرامة المعارض لسعيّد، منذر بن عطية، خلال حديثه إلى رصيف22، "محيطاً مختلطاً بين القومية واليسارية، ومساندته لبشار الأسد كانت معلنةً منذ اندلاع الثورة".

ولعل تحرك بعض القوى السياسية، بما فيه المعارضة، في تونس قد سهّل المأمورية على الرئيس سعيّد في التوجه نحو الإشارة إلى ضرورة إعادة العلاقات مع سوريا.

شهدت العلاقة بين دمشق وتونس نوعاً من التقارب أواخر سنة 2018، برزت ملامحه من خلال استئناف حركة الطيران بين العاصمتين

هذا الموقف تسانده فيه هيئات وتنظيمات قومية، متعاطفة مع نظام بشار الأسد. فقد دعت الهيئة الوطنية للمحامين السلطة السياسية إلى فك العزلة عن الشعب السوري، وإرجاع العلاقات الدبلوماسية فوراً، وعلى أعلى مستوى، مؤكدةً التزامها المطلق بكافة القضايا العربية سعياً إلى مقاومة ما وصفته بـ"مخططات التقسيم والتخريب والإفساد التي تهدد الوطن العربي".

كما دعت نقابة اتحاد الشغل، في رسالة وجهتها إلى الرئيس قيس سعيّد، في عام 2021، إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية مع دمشق والابتعاد عن سياسة المحاور.

بدوره، وصف المتحدث باسم حزب التيار الشعبي القومي المساند لسعيّد، محسن النابتي، في تصريح لرصيف22، القرار الرئاسي بالحركة الإيجابية في طريق إعادة العلاقات كاملةً بين البلدين، لأنها حركة مزجت، وفق تعبيره، الموقف السياسي بالإنساني وستُسهم في خدمة الجالية التونسية في سوريا.

وأعرب النابتي عن أمله في أن يعلن الرئيس التونسي عن فتح السفارة التونسية في دمشق بتمثيل دبلوماسي كامل في أقرب وقت ممكن، مشيراً إلى أن اجتثاث العلاقات كان بقرار خارجي فُرض على تونس في فترة تولت فيها مجموعة من الأحزاب والأشخاص حكم تونس في إطار مؤتمر أصدقاء سوريا.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard