شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
فصول من أحوال صحافيين سوريين بعد الزلزال... اكتئاب وشعور بالذنب

فصول من أحوال صحافيين سوريين بعد الزلزال... اكتئاب وشعور بالذنب

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 9 مارس 202301:26 م

حتى لحظة كتابتي هذه المادة، أخاف وأتخيل أشياء تسقط فوق رأسي، مثل السقف، والجدران، لذا أفكر دائماً في كيف أحتضن أخوتي؟ أو كيف أركض هاربةً من المنزل الذي لطالما كان هو الملجأ من كل حروب العالم؟

اليوم، اختلفت صباحاتنا، فلم نعد نقول "صباح الخير"، بل أصبحنا نستبدلها بـ"الحمد لله على السلامة"، فالمصائب لا تأتينا فرادى، ونوعها يختلف بين اليوم والآخر، فيوم على هيئة قصف، ويوم على هيئة هزات ارتدادية... إلخ.

في غرف الأخبار

كيف لي أن أنسى، وأنا أدخل عامي السابع والعشرين، من كانوا تحت الأنقاض، والكثير من الدموع، والإصابات، والمناطق المنكوبة... كان يوماً للتاريخ حين أُنقِذَ شخصان من عائلة واحدة في جبلة، مدينتي التي تعود جذوري إليها، هما أم وابنها، بعد خمسة أيام قضياها تحت الأنقاض إثر زلزال كبير ضرب حياتنا.

ليس هذا فحسب، بل لا أستطيع أن أنسى وأنا في غرف الأخبار لساعات طوال، كيف لم أقدر على التعامل مع الأخبار على أنها عابرة ومعتادة؛ بكيت على الهواء، وفي الأستديو. إنها لحظات قدرية، عظيمة، جلالها كله في الله والإنسان.

ولا يمكن القول إنها أخبار ذات وتيرة اعتيادية، بل كان كل خبر منها يحمل قيمةً مختلفةً قد تغيّر حياة كثيرين، وموسيقى "العاجل" لا تتوقف عن التكرار عبر الهواء، إلى جانب مسؤوليات كثيرة تُلقى على عاتق الصحافي في كل معلومة ينقلها، فالكارثة اليوم ليست اعتياديةً، ولا تشبه ما حدث في أي يوم من أيام هذه البلاد.

لا أستطيع أن أنسى وأنا في غرف الأخبار لساعات طوال، كيف لم أقدر على التعامل مع الأخبار على أنها عابرة ومعتادة؛ بكيت على الهواء، وفي الأستديو

وإلى جانب عدد كبير من المعلومات التي يتلقّاها الصحافي على مدار الساعة، تضعه، في كثير من الأحيان، في مواجهة حتمية مع أخبار قد تكون أصعب من أن يحتملها الرأس، يُطرح السؤال حول كيف يمكن أن تتحمل مسؤوليةً، كتلك التي يحملها خبير في علم الزلازل، يمكنها إما أن تجعل مئات العائلات تنام في الشارع، أو أن تبقى في البيت ويحصل الزلزال، وعندها لا يمكن لك إلا أن تلوم نفسك.

استفقت في صبيحة ذلك اليوم، والدموع تنهمر من عيني، مع شعور غير مبرر بتأنيب الضمير، فقد منحني الله حياةً جديدةً، بينما الكثيرون من حولي يتألمون. مفارقة عجيبة ما نعيشه في هذه البلاد، ربما هذا هو الشكل الحقيقي للحياة الذي لم نعرفه سابقاً.

أعتقد أن الأمور تختلف من وجهة نظرنا، نحن معشر الصحافيين، في كثير من المواقف، حيث أننا لسنا ضحايا، ولا نكون منكوبين أو مصابين ومتضررين في كثير من الأحيان، إلا أننا نقضي ساعات طويلةً في تماس مع معلومات مخيفة.

موت جماعي كبير

"اعتقدت أنه يبكي دماً من شدة احمرار عينيه. هو رجل أربعيني في جبلة، كان يجلس على قارعة الطريق ينظر إلى كل جثة أو ناجٍ يُنتشل من تحت الأنقاض، ولم تعرف عيناه النوم لأيام متواصلة، فقد كان ينتظر أن تعود ابنته، وتبيّن لاحقاً أنه فقد عائلته بكاملها"؛ هذا ما حدّثني به الصحافي عامر (اسم مستعار، 35 عاماً) الذي شارك في تغطية الحرب منذ بدايتها عام 2011، وما يزال حتى الآن يعمل مع عدد من وسائل الإعلام العربية والأجنبية.

يروي عامر ما شاهده، وعن الفروق التي توقف عندها ما بين الحرب والزلزال، ويقول: "الأمر هنا كان مختلفاً عن الحرب، صحيح أن المأساة قاسم مشترك بينهما، ولكن في الزلزال كانت هناك لحظة موت جماعي كبير في وقت قصير جداً، أما في الحرب فكان الموت موزعاً بين أماكن بعيدة ومختلفة، تجرّعنا حينها الحزن والموت على مراحل، بينما كانت جرعة الموت في الزلزال مكثفةً في الزمان والمكان".

يضيف عامر عن واقع الصحافيين اليوم: "أعتقد أن الصحافيين لم يدركوا بعد أثر الصور والمشاهد التي شاهدوها خلال سنوات الحرب والزلزال، وهو ما سيكون له أثر كبير جداً، حسي، حركي، ونفسي، وتبعات طويلة المدى، تبدأ الآن من دون أن نعرف متى ستنتهي"، مؤكداً أن العمل الصحافي مثل أي عمل آخر بحاجة إلى خلق حالة توازن (أخذ، وعطاء)، ولا يمكن أن يتقدّم على العائلة أو على حياة الشخص.

أصوات الناس العالقة

إلى اليوم، يمكن أن أقول إن تغطية الكوارث والزلزال أصعب بكثير من تغطية الحرب، خاصةً أن الصحافي يجد نفسه في مأزق وصراع حقيقي في أثناء العمل في تغطية الكوارث، لأن عليه أن يأتي بأكثر الصور قسوةً لتوثيق الحالات والحدث، وإيصال حجم المعاناة والدمار للمتلقّي البعيد، وتالياً هو في مواجهة مباشرةٍ مع هذه الأحداث والصور التي تتراكم في ذاكرته، ما يؤثر عليه خلال الأيام التي تلي الواقعة.

اعتقدت أنه يبكي دماً من شدة احمرار عينيه. هو رجل أربعيني في جبلة، كان يجلس على قارعة الطريق ينظر إلى كل جثة أو ناجٍ يُنتشل من تحت الأنقاض، ولم تعرف عيناه النوم لأيام

يروي الصحافي سومر حاتم، لرصيف22، تجربته في تغطية وقائع زلزال 6 شباط/ فبراير الماضي، ويؤكد أن "الحرب قاسية جداً ومفرزاتها أقسى، ولكن لسوء الحظ، الصحافيين في هذه المنطقة من العالم أصبح لديهم نوع من التأقلم مع المشاهد التي تمر أمامهم، وخبرة في التعاطي مع الأحداث، نتيجة تكرارها، ما شكّل لديهم نوعاً من الوقاية ضد الصدمات".

وفي توصيفه للعمل الصحافي في هذه الكارثة، يقول حاتم: "كنت أعرف ماذا أريد من هذه التغطية، ودخلت بهدوء، وللأسف نرى المشاهد القاسية ونبحث عنها لأن هذا عملنا. الفرق بين الحرب والزلزال، أن الحدث في الحرب ينتهي ونادراً ما يطرأ حدث بعده، كانفجار تلو الآخر، ولكن اليوم في الزلزال، وحتى في هذه اللحظة التي أجري معك فيها المقابلة، يمكن أن يضرب زلزال جديد".

ويبقى الأمر الأقسى بالنسبة إليه، هو اللقاء بالناس المتضررين والمنكوبين، ففي الوقت الذي يتوجب عليكِ أن تُخرجي ما لديهم من قصص لتوثيقها وإيصال آلامهم إلى العالم أجمع، تكونين وجهاً لوجه مع كل تلك الآلام والأحزان التي تنعكس على روحك ونفسك.

وعن أقسى المشاهد، يقول: "كنت بعد قرابة خمسين دقيقةً من الزلزال، بالقرب من مبنى مدمّر بالكامل، مؤلف من تسعة طوابق في اللاذقية، أسمع مع المنقذين أصوات الناس من تحت الأنقاض، ووثّقت ذلك بالصوت والصورة، وما تزال هذه الأصوات عالقةً في ذهني حتى هذه اللحظة".

"تأخرت عن تغطية الحدث 50 دقيقةً، وتُعدّ مدةً طويلةً، خاصةً أن الزلزال حصل فجراً، لأني ذهبت ورأيت عائلتي لثوانٍ قليلة، ومن ثم اتجهت إلى العمل، ومن المؤكد أن العائلة فوق كل شيء"، يختم حاتم.

تأثّر سلوك الصحافي

تتحدث الأخصائية النفسية رشا الصباغ، إلى رصيف22، عن أن "تعرّض الصحافي لكمية كبيرة من الأخبار وخاصةً المتعلقة بالكوارث، له أثر كبير على سلوكه وشخصيته، ومن الممكن أن تشكل نوعاً من الصدمة النفسية في بعض الحالات، خاصةً إذا لم يمتلك الأدوات أو القدرة على الفصل بين الأخبار ونفسيته".

وتقول: "تعرّض الصحافيين لهذه الأخبار بشكل مستمر، قد يؤدي إلى صدمة نفسية، لأن الجسم يتلقى هذه الأحداث ويتعامل معها بردّات فعل مختلفة، بعد أن تتخزن في الجهاز العصبي وتتحول إلى مرض، قلق، أو ردود أفعال شديدة كالرغبة في البكاء، الغضب، والكوابيس المزعجة"، مشيرةً إلى أن تطورها قد يؤدي إلى انغلاق الشخص على ذاته، أو الوصول إلى مرحلة الاكتئاب في كثير من الأحيان.

على الصحافي أن يتخلص من شعوره بالذنب ويسامح نفسه، وأن يفكر في أنه ليس وحده في هذا المجال، والمؤسسة التي يعمل فيها، على الأغلب، لن تؤمن له الدعم النفسي المطلوب

وهنا، تبيّن الصباغ ضرورة تحصين الصحافي لذاته، لمنعها من التأثير على نفسيته وسلوك حياته، وذلك من خلال "هالة" يحددها لنفسه لا يسمح من خلالها بأن تدخل هذه المؤثرات إلى يومه، أو من خلال تمارين معيّنة تساعد على عدم التأثر.

وتذكر أنه "من الضروري الانتباه إلى الجسم وردود فعله وتقبلها والتعامل معها، خاصةً عند التعرض لأخبار الكوارث والفترات الضاغطة، إلى جانب ضرورة الحصول على استراحة من الأخبار بين الفترة والأخرى، لتخفيف حجم التأثر، مع إمكانية ممارسة تمارين تنفس طويلة وعميقة، واللجوء إلى الروتين اليومي البسيط (حمام دافئ، ساعات نوم منتظمة)، لأن لها تأثيراً كبيراً في العودة إلى الاستقرار".

وتختم حديثها بالقول: "على الصحافي أن يتخلص من شعوره بالذنب ويسامح نفسه، وأن يفكر في أنه ليس وحده من يعمل في هذا المجال، بل هناك الكثيرون ممن يحاولون تقديم المساعدة في الكوارث، وفي حال شعر بالحزن، الغضب أو غيرهما من المشاعر، عليه أن يشاركها مع الآخرين، كي لا تتخزن في داخله".

وهنا يقتضي التنبيه إلى أن معظم وسائل الإعلام العاملة في سوريا تُهمل تماماً الجانب النفسي للصحافيين الذين هم على تماس مباشر مع الأخبار، الصور العنيفة، والصدمات المباشرة، واللقاءات مع الأشخاص الذين تعرضوا لصدمات كضحايا الزلزال.

وفي معظم وسائل الإعلام التي زرتها، وكنت على تماس مع العاملين فيها، لا يوجد قسم للموارد البشرية أو الصحة النفسية للصحافيين، ومن النادر أن تراعي الوسائل الإعلامية هذا الجانب، إلا ضمن وسائل الإعلام العالمية التي لديها مكاتب في سوريا، وقد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard