شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
أم الطنافس بعد الزلزال...

أم الطنافس بعد الزلزال... "في حا ل حا وفي حا بيحب حا"

رأي نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 3 مارس 202301:00 م

"حتى الناجي الوحيد لم يعد كذلك"؛ بهذه العبارة، نعى كثرٌ من السوريين قرية السمرا الشهيرة بأم الطنافس الفوقا، بعد مشاهد الدمار جراء الزلزال المدمر الذي أصابها. وهي ذاتها القرية التي اختُتم فيها الجزء الثاني من المسلسل الكوميدي الأشهر في الدراما السورية خلال القرن الحالي في حلقته الأخيرة "ضيعة ضايعة"، على إثر انتشار وباء أصاب القرية بسبب مواد ملوثة دفنها الخارج عن القانون، المهرّب "أبو شملة"، الذي أدى دوره الفنان محمد حداقي، والذي تم تقديمه كـ"ناجٍ وحيد وأخير"، من مجزرة العالم الرقمية، كما تقول المقدمة التي كانت تسبق عرض حلقاته.

عندما ضرب الزلزال المدمر في السادس من شباط/ فبراير الماضي، وأتى على البشر والحجر في تركيا والشمال السوري، عادت قرية السمرا/ أم الطنافس الفوقا، الواقعة في ناحية كسب في شمال مدينة اللاذقية على الحدود السورية-التركية، والتي كانت مسرحاً لتصوير المسلسل وتعرضت لدمار جزئي لا سيما منزل بطليه أسعد خرشوف/الراحل نضال سيجري، وجودة أبو خميس/ باسم ياخور، إلى دوامة الفناء مرةً أخرى كتوكيد للنبوءة الفنية للعمل الذي مثّل التعايش بين الإنسان والطبيعة الأم، بعيداً عن النمط الاستهلاكي لعصرنا الذي أصبحنا جميعاً عبيداً له، ولـ"التكنولوجيا التي لا يمكننا تصوّر حياتنا من دونها"، ضمن إطار مغلق على علاقات وتفاصيل يومية تتقاطع مع الواقع السوري المعيش في قالب فكاهي ساخر غير محدد الزمان والمكان، في ما يمكن وضعه في إطار الفنتازيا الكوميدية.

الصور التي تداولها رواد التواصل الاجتماعي لآثار الدمار في القرية الوادعة وأنقاضها التي غدت بعد المسلسل مقصداً سياحياً يأتيه الزوار من كل حدب وصوب لمعاينة مواقع التصوير والاستمتاع بمنازلها العتيقة ومناظرها الخلابة، نكأت جراحهم الطازجة والمفتوحة، وذكّرتهم بواقع مأساوي عاينوه على مدار السنوات السابقة بأدق تفاصيله وتجرعوا مرارته مراراً وتكراراً، لكنه، وعلى خلاف المسلسل، لا يحتمل الطرافة أو النكتة، وكأن الطبيعة بدورها تريد أن تقتل ما تبقى من ذاكرتهم الجمعية التي كان المسلسل جزءاً أثيراً فيها، فتمحو صوراً من حياة ومواقف أحبّوها وأدمنوا مشاهدتها وأضحكتهم في "عزّ أحزانهم".

وكأن الطبيعة بدورها تريد أن تقتل ما تبقى من ذاكرتهم الجمعية التي كان المسلسل جزءاً أثيراً فيها، فتمحو صوراً من حياة ومواقف أحبّوها وأدمنوا مشاهدتها وأضحكتهم في "عزّ أحزانهم"

كاتب العمل الدكتور ممدوح حمادة، الذي اختار موقع القرية النائية البعيد عن صخب الحياة ليكتب في مقدمته: "في كل المجازر التي تحدث هناك ناجٍ وحيد، أم الطنافس الفوقا"، يتحدث إلى رصيف22، عن استقباله نبأ خراب القرية عادّاً إياه تفصيلاً في مشهد ديستوبي كارثي ضرب المنطقة برمتها، برغم مكانة القرية بالنسبة له، قائلاً: "في الحقيقة كانت الكارثة أثقل من التوقف عند تفصيل منها، لا بد أن لهذه القرية مكانةً خاصةً بسبب ارتباطها بالمسلسل ولكن الأنباء عن تأثير الزلزال عليها برغم أنها جاءت متأخرةً، تركت تأثيراً قوياً وكأنها أحداث جرت في المسلسل".

وعن ارتباط العمل بالواقع اليومي وقضايا الإنسان السوري وهل يمكن عدّ "ضيعة ضايعة" صورةً مصغرةً عن سوريا، يقول: "بالإضافة إلى الحلقات التي تم تأليفها، سبق أن تمت الكتابة عن أحداث حقيقية جرت في المنطقة، وأقصد الحريق الذي حدث في أثناء التصوير وقمنا بكتابة حلقة خاصة عنه". ويختم حديثه: "أرجو ألا يكون أحد قد تعرّض للأذى بسبب هذا الدمار وأتمنى لجميع أهل القرية الطمأنينة والسلام".

تعلّق السوريون بهذا المسلسل، حتى أدمنوا مشاهدته عشرات المرات، سواء في أثناء عرضه تلفزيونياً أو على مواقع التواصل واليوتيوب، بلا ملل. حتى حكمته الشهيرة: "ما حا لَ حا ما حا بيحب حا"، صارت لازمةً من لوزام مفرداتهم اليومية، بالإضافة إلى شخوصه المركبة التي أداها أبطال العمل بإتقان، والتي تعيش بمعزل عن كوارث عالمنا الحالي كهروب ومفر آمن، وخلدت في ذاكرتهم إلى الأبد، من أسعد خرشوف الساذج صاحب النكات التي لا حل لها والذي ينتظر استرداد ديونه، وزوجته التي تطمح إلى أن يصبح زوجها رجلاً حقيقياً والتي لا يمنعها أي شيء عن فصفصة البزر، إلى جودة أبو خميس المحتال الخبيث والمكيود، الذي يُحمّل زوجته المستضعفة ديبة كل مصائبه وسوء حظه، في مطاردة لا تنتهي بينهما ضمن جو من "البراءة التائهة" في قالب من الكوميديا السوداء، و"أبو نادر" الشرطي الذي ينتظر جريمة عمره ليحلها على طريقة هيركيول بوارو، والذي يقضي نصف يومه في القيلولة متفرّعاً، وحسان "مدمن الفلقة" الذي يصرف نهاره في قلي البيض، والمختار البيسة الذي لم يبقَ من سلطته سوى ختم دائري، والدكّنجي صالح وزوجته اللذين يكرسان وقتهما في إخفاء البضاعة المهربة وإحصاء الديون التي لا تُسدد.

اعلم يا نضال أن ديوننا مع الأيام الظالمة لا يتسع لها دفتر رفيقك جودة، وأننا طيبون وساذجون حد الفجيعة. أما الكارثة التي حلت بنا جراء الزلزال، فأثبتت ولو قليلاً أنه لا يزال في "حدا لحدا وفي حدا بيحب حدا"

كل تفصيل في هذا العمل كان على "الحشيشة"، أي الطبيعة الفطرية في الدارجة السورية، وزادتها إشعاعاً وإغراءً اللهجة الساحلية المميزة لبعض سكان اللاذقية الغنية بالمفردات الغريبة والطريفة في آن، ما استدعى وضع ترجمة لما يوازيها في العربية الفصحى.

لكن هذا الطابع الفكاهي لم يكن له أن يكون جذاباً للمشاهدة على بساطته، لو لم يقع على إسقاطات للواقع السوري المعيش، والنقد المبطن لصراعاتنا الكبيرة والصغيرة كسوريين. أحلامنا، ومخاوفنا كـ"بروليتاريا" مسحوقة لا تكفّ عن الأمل بـ"بكرا أحلى"، وكأكثرية مغلوب على أمرها تعيش على هامش الحياة ببساطة غالباً ما تتصف بالجهل والعمى الإرادي المرتعد من "يا هملالي" ما، أو "كتّيب تقارير" يؤمن بأن ما يقوم به واجب وطني، وغرامياتنا المطاردة التي تعيش على لحظات الحب المسروقة، والتملق و"تمسيح الجوخ"، هذا الأفيون الذي تعاطيناه لعقود حتى صرنا نخاف مما نفكر فيه داخل صناديق أنفسنا السوداء...؛ كل تفصيل في المسلسل سكن عقول السوريين وأفئدتهم، وكثيراً ما جعلتهم التفاصيل تلك ينقلبون على بطونهم ضحكاً. كان متنفساً من جحيم حياتهم بما فيها من بؤس وفقر وشقاء. كل منهم اليوم يتذكر ما قاله الراحل نضال سيجري، عند انتهاء الجزء الثاني: "ما عاد في ضيعة ضايعة خلص". فالمسلسل الذي أضحكهم يوماً، أبكاهم اليوم.

فاعلم يا نضال أن ديوننا مع الأيام الظالمة لا يتسع لها دفتر رفيقك جودة، وأن البيض والدجاجات التي كان يسرقها منك صارت أمنيةً عزيزةً ومطلباً صعباً لكثيرين منا، وأننا طيبون وساذجون حد الفجيعة. أما الكارثة التي حلت بنا جراء الزلزال، فأثبتت ولو قليلاً أنه لا يزال في هذا الوطن المنكوب في "حدا لحدا وفي حدا بيحب حدا".



رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard