شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
قلق على مصير المطلَّقات… طالبان تُلغي

قلق على مصير المطلَّقات… طالبان تُلغي "الطلاق من طرف واحد" بأثر رجعي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والنساء

الأربعاء 8 مارس 202302:05 م

في خطوة وصفت بأنها "مروِّعة"، قررت حركة طالبان الدينية المتشددة التي تحكم أفغانستان إلغاء القوانين التي تسمح للنساء بتطليق أزواجهن المسيئين بأثر رجعي، وأمرت بإعادة النساء اللواتي تطلقن بطريقة قانونية في عهد الحكومة السابقة قسراً إلى أزواجهن، مع مخاوف من توقيع عقوبة "الزنا" على النساء المطلقات اللواتي تزوجن مرة أخرى بعد الطلاق القانوني.

في ظل الحكومة السابقة لأفغانستان، كان بإمكان أي سيدة الحصول الطلاق من المحكمة إذا ثبت أن زوجها يعنِّفها جسدياً وإن رفض المثول أمام المحكمة. يتعارض ذلك مع تفسير طالبان الصارم للشريعة الإسلامية الذي يعتبر أن الطلاق لا يقع إلا برغبة أو على الأقل موافقة الزوج.

حصلت آلاف النساء الأفغانيات على الطلاق في المحاكم دون حضور أزواجهن، والبعض منهن تزوجن مرة أخرى من رجال آخرين. أمرت طالبان بإلغاء أحكام الطلاق هذه وإعادة النساء المطلقات لأزواجهن من دون أن توضح مصير النساء اللواتي تزوجن ثانيةً.

بحسب محامين وقضاة سابقين، كانت حالات الطلاق "من جانب واحد" في ظل الحكومة السابقة تُمنح إلى حد كبير للنساء اللواتي يحاولن التخلص من أزواج مسيئين أو مدمنين للمخدرات. انقلب الوضع لصالح الأزواج المطلَّقين منذ عودة طالبان إلى الحكم في عام 2021، واستفاد على نحو خاص أولئك الذين تربطهم صلات بالحركة الأصولية.

وسط مخاوف من توقيع عقوبة "الزنا" على من تزوجن من رجال آخرين... طالبان تُلغي حق النساء في الحصول على "الطلاق من طرف واحد" بأثرٍ رجعي، وتعمل على إعادة المطلقات قانوناً إلى أزواجهن السابقين المسيئين

"لم أتخيّل أنني سأضطر للاختباء ثانيةً"

في تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، قالت شابة أفغانية (عمرها الآن 22 عاماً) إن زوج والدتها زوّجها قسراً عندما كانت في عمر الـ13 سنة للحصول على أموال لشراء المخدرات التي يدمنها. بعد سنوات من التعنيف الجسدي، هربت الفتاة من الزوج المعنِّف وحصلت على الطلاق بالمحكمة وتزوجت مرة أخرى. أوضحت الشابة أنها اضطرت إلى الهروب مجدداً خشية أن "تُسجن بتهمة الزنا" بعد إبطال طالبان حالات الطلاق "من طرف واحد" بأثر رجعي. 

"كنت أعيش حياة جديدة. كنت سعيدةً. اعتقدت أنني أصبحت في مأمن من زوجي الأول. لم أتخيّل أنني سأضطر للاختباء ثانيةً"، قالت الشابة التي تتحدر من غرب أفغانستان لـ"واشنطن بوست"، مشترطةً عدم الكشف عن هويتها للحفاظ على سلامتها.

وأضافت أنها بدأت تتلقى مكالمات تهديد من زوجها السابق بعد أسابيع فقط من عودة طالبان للسلطة، متابعةً أنه أخبرها أنه أبلغ أعضاء في طالبان في قريتها بما فعلته وأنهم يساعدونه في العثور عليها للانتقام.

جراء هذه التهديدات، تخلى عنها زوجها الثاني، العام الماضي، خوفاً من أن يتهم بالزنا معها بعد إبطال زواجهما. وهي تختبىء راهناً مع ابنتيها من زواجها الأول وحمل من الزوج الثاني الذي "لم تسمع أي أخبار عنه مرة أخرى".

مع كثرة تساؤلات جيرانها عن مكان زوجها، وبسبب التفتيش الروتيني للمنازل الذي تقوم به قوات أمن طالبان، فرت الزوجة الشابة مع طفلتيها إلى منطقة أخرى، وكانت قد تنقلت أربع مرات. ولم تسع لزيارة أي من أفراد عائلتها، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى اكتشاف زوجها السابق مكانها.

بينما رفض الرد على أسئلة حول التغييرات في قوانين الطلاق ومصير حالات الطلاق السابقة والزيجات التي أعقبتها، قال المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، إن الطلاق المعترف به لدى الحركة هو الذي يتم أمام قاضٍ يطبّق تفسير طالبان للشريعة الإسلامية.

عبر حسابها في تويتر، قالت الناشطة الحقوقية البارزة شبنم نسيمي إن حرمان النساء الأفغانيات من الحق في الحصول على الطلاق "انتهاك صارخ لحقوق الإنسان يجب إيقافه"، واصفةً الإجراء بأنه "مروّع".

"لقد أوجدت طالبان الوضع المثالي للرجال الذين يسعون للانتقام من النساء"... العديد من النساء الأفغانيات يختبئن من أزواجهن السابقين بعدما ألغت طالبان حالات الطلاق "من طرف واحد" التي كانت تشرّعها الحكومة السابقة للنساء للتخلص من أزواج معنفين أو مدمنين 

الطلاق كخيار أخير ووحيد

حتّى في ظل الحكومة السابقة، لم يكن الحصول على الطلاق خياراً سهلاً للنساء في ظل المجتمع الأفغاني المحافظ بشدة. إذ نادراً ما سُمح لامرأة أن تعيش خارج حيّز الأسرة التقليدية التي يترأسها رجل - أباً كان أو زوجاً أو أخاً، خاصة في الريف.

برغم هذه الضغوط الاجتماعية والعائلية، روت سيدة أفغانية (36 عاماً) كيف سعت إلى تطليق زوجها المعنِّف الذي لم يترك لها خياراً آخر. أوضحت أنه "كان معيباً أن أطلب الطلاق" لأن "كلا الجانبين، عائلتي وعائلة زوجي، كانا يهددان بقتلي إذا لم أعود إلى زوجي".

بعد حصولها على الطلاق، اتصلت بأشقائها لسؤالهم إذا كان بإمكانها العيش بمنزل أسرتها. رفضوا بشدة وأخبروها: "الخيار الوحيد هو أن تتناولي سم الفئران وتقتلي نفسك".

العضو الوحيد في عائلتها الذي ما يزال على اتصال بها هو أختها، التي تتعرض لتعنيف زوجها أيضاً. قالت السيدة إن شقيقتها قالت لها ذات مرة: "كنت أتمنى لو كنت ذكية مثلك وهربت من قبل، لكن الآن (تقصد تحت حكم طالبان) هذا الأمر مستحيل".

روت امرأة ثالثة، أم لثلاثة أطفال، كيف كان زوجها الأول المدمن على المخدرات يضربها ويحرمها هي وأطفالها من الطعام. وزادت أنها بعدما هربت منه، قُبِض عليها وسُجنت نحو عام لفرارها من منزلها، وأخذ أهل زوجها أطفالها منها.

وقالت إنها نُقلت من السجن إلى ملجأ للنساء "شعرت بأنه سجن ثان" إذ أُبقي عليها في غرفة بلا نوافذ عدة سنوات. ولم تتمكن من المغادرة إلا بعد الطلاق والزواج مرة أخرى إذ لم تكن أمامها طريقة أخرى لإعالة نفسها وأطفالها.

ووصفت زوجها الثاني بأنه كان لطيفاً ووفر لها منزلاً وطعاماً، مردفةً بأنها بدأت تتلقى بعد عودة طالبان للحكم تهديدات من عائلة زوجها السابق، فاختفى زوجها الجديد.

وتابعت: "في البداية كان (زوجها الجديد) يتصل بي ويرسل لي نقوداً، لكن الآن مرت شهور ولم أتلق أي أخبار منه"، فيما اضطرت هي للاختباء من زوجها السابق وطالبان. قالت: "كل ما أردته هو تعليم أطفالي، لكن الآن لا يمكنني حتى إلحاقهم بالمدرسة" خوفاً من أن تكتشف السلطات المحلية ماضيها وتُبلغ عنها طالبان.

الصحيفة الناطقة باسم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تعتبر أن "اضطهاد طالبان للنساء في أفغانستان يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية"... إليكن/ م أبرز القيود التي فرضتها الحركة المتشددة على الأفغانيات خلال السنة الأخيرة

أين تذهب النساء المهددات؟

حتّى في ظل حاجتهن إلى الحماية والاختباء من أسرهن أو أزواجهن السابقين و/ أو الحاليين، لا تجد النساء أي ملجأ في ظل طالبان بل إنهن غير قادرات على التقدم بشكاوى لقوات أمن الحركة المتشددة ضد النساء. 

ومنذ عودتها إلى الحكم، أغلقت طالبان مجموعات الإغاثة المحلية التي كانت توفر المأوى والمشورة للنساء اللواتي يسعين للخروج من العلاقات المسيئة. قالت طبيبة نفسية إن قوات الأمن أغلقت عيادتها بذريعة أنها والكثير من زملائها نظموا احتجاجات ضد الحركة.

جعلت طالبان إجراءات إثبات العنف المنزلي ضد النساء أكثر صعوبة. قالت الطبيبة التي فضّلت عدم ذكر اسمها خشيةً على سلامتها أيضاً: "بموجب القانون الجديد، يتعين على النساء أولاً الذهاب إلى مركز الشرطة وتقديم عدة شهود على سوء معاملة أو إدمان الأزواج للمخدرات". وهو أمر غير ممكن غالباً إذ عادةً ما يحدث العنف المنزلي خلف الأبواب المغلقة.

منعت الحركة عمل النساء في العديد من الوظائف في النظام القضائي، بما في ذلك القاضيات، في خطوة يقول محامون إنّها تُصعِّب على النساء طلب المساعدة القانونية لانحياز الكثير من القضاة الذكور - لا سيّما الذين تعينهم طالبان - إلى الرجال.

قالت محامية أفغانية لـ"واشنطن بوست" إن النساء كثيراً ما طلبن منها التعامل مع قضاياهن لأنهن لم يشعرن بالارتياح لمناقشة التفاصيل الخاصة بزواجهن مع رجل، معربةً عن خشيتها من أن يزداد العنف المنزلي أكثر في ظل السلطة الكاملة التي تمنحها طالبان للرجال على النساء، وبخاصة مع تدهور الوضع الاقتصادي في أفغانستان.

"أعتقد أن عدداً أقل من النساء سيتقدمن بشكوى الآن. ستظل غالبية حوادث العنف طي الكتمان، وسيموت المزيد من النساء جراء العنف المنزلي"، قالت المحامية التي تعاملت لأكثر من خمس سنوات مع القضايا الجنائية والقضايا الخاصة بقانون الأسرة قبل عودة حكومة طالبان ومنعها من مزاولة عملها.

اضطرت المحامية أيضاً إلى الاختباء بعد تلقيها تهديدات هاتفية من أشخاص ساهمت في إدانتهم بارتكاب جرائم جنائية سابقاً. وختمت: "لقد أوجدت طالبان الوضع المثالي للرجال الذين يسعون للانتقام من النساء"، مبرزةً أن "المحاكم فقدت فعاليتها وبدلاً من ذلك نرى في الأخبار أن النساء يتلقين جلداً علنياً بتهمة الزنا".

التغييرات في قوانين الزواج في البلاد ليست سوى مثال آخر محزن على كيفية تجريد طالبان النساء من حقوقهن، وهي تضاف إلى القيود الشديدة التي فرضها حكم طالبان على وصول النساء والفتيات إلى التعليم والعمل والتنزه في الحدائق العامة علاوة على إلزامهن بارتداء شكل معين من الملابس النسائية.

واقع مأسوي للأفغانيات في ظل طالبان

التغييرات في قوانين الزواج في البلاد ليست سوى مثال آخر محزن على كيفية تجريد طالبان النساء من حقوقهن، وهي تضاف إلى القيود الشديدة التي فرضها حكم طالبان على وصول النساء والفتيات إلى التعليم والعمل والتنزه في الحدائق العامة علاوة على إلزامهن بارتداء شكل معين من الملابس النسائية.

بحسب منظمة "أفغان ويتنس" غير الربحية الراصدة لانتهاكات حقوق الإنسان، فإن طالبان عمّمت منذ آذار/ مارس 2022، وتحديداً يوم المرأة العالمي الماضي، مزيداً من القيود على النساء والفتيات علاوة على القيود المحلية الإضافية التي تفرضها مقاطعات دون غيرها. سردتها المنظمة على النحو التالي عبر حسابها في تويتر: 

في آذار/ مارس 2022، غلق مدارس التعليم الثانوي في وجه الطالبات، وحرمان الطالبات من الالتحاق بمعاهد التعليم المهني والتقني، وإلزام شركات الطيران الأفغانية النساء باصطحاب "محرم" خلال السفر.

في نيسان/ أبريل 2022، حرمان المحاضرات من النساء في الجامعات الخاصة والعامة من حضور المؤتمرات العلمية "للرجال". لاحقاً، جرى فصل الجنسين في التعليم الجامعي بتحديد أيام للطالبات وأيام أخرى للطلاب.

في أيار/ مايو 2022، أمرت طالبان النساء بتغطية وجوههن في الأماكن العامة، وأمرت مقدمات البرامج التلفزيونية بتغطية وجوههن أيضاً، ومنع إصدار رخص القيادة للنساء في العديد من المقاطعات الأفغانية، وحرمان النساء من ممارسة الألعاب الرياضية.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، حُرمت الطالبات الجامعيات في العاصمة كابول من الالتحاق بالدراسات العليا في مجالات مختلفة. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، جرى حرمان النساء من دخول الحدائق والمنتزهات والحمامات العامة وصالات الجيم.

في كانون الأول/ ديسمبر 2022، حدث حرمان الطالبات على مستوى أفغانستان من التعليم الجامعي، ومنع النساء من العمل في المنظمات غير الحكومية، ووقف عمل المخابز المملوكة لنساء. في كانون الثاني/ يناير 2023، تم حرمان الطالبات من أداء امتحانات القبول للالتحاق بالجامعات الخاصة، وتهديد الطبيبات والعاملات في القطاع الصحي باتخاذ إجراءات قانونية ضدهن ما لم يلتزمن بتغطية الوجه. 

وقبل يومين، اعتبرت الصحيفة الرسمية الناطقة باسم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن "اضطهاد طالبان للنساء في أفغانستان يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فعلاً، ماذا تريد النساء في بلادٍ تموج بالنزاعات؟

"هل هذا وقت الحقوق، والأمّة العربية مشتعلة؟"

نحن في رصيف22، نُدرك أنّ حقوق المرأة، في عالمنا العربي تحديداً، لا تزال منقوصةً. وعليه، نسعى بكلّ ما أوتينا من عزمٍ وإيمان، إلى تكريس هذه الحقوق التي لا تتجزّأ، تحت أيّ ظرفٍ كان.

ونقوم بذلك يداً بيدٍ مع مختلف منظمات المجتمع المدني، لإعلاء الصوت النسوي من خلال حناجر وأقلام كاتباتنا الحريصات على إرساء العدالة التي تعلو ولا يُعلى عليها.

Website by WhiteBeard