شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
على خطى اليمين الأوروبي المتطرف... الشعبوية التونسية في طورها الفاشي؟

على خطى اليمين الأوروبي المتطرف... الشعبوية التونسية في طورها الفاشي؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الأحد 26 فبراير 202305:20 م

بينما كانت الناشطة التونسية فاطمة الزهراء، تقطع شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تونس، غير بعيد عن مبنى وزارة الداخلية، اعترضت طريقها سيدة غاضبة، وبلا هوادةٍ أمطرتها بوابل من الشتائم داعيةً إياها العودة إلى بلدها. ثم تحول الأمر إلى عراك بالأيدي، لم تقطعه سوى ردود فاطمة بلكنة تونسية واضحة. عندها تراجعت السيدة الغاضبة بعد أن تحققت من أن هدفها لم يكن دقيقاً، فقد كانت تعتقد بأن ضحيتها مهاجرة من إفريقيا جنوب الصحراء، شأنها شأن مهاجرين ومهاجرات جاؤوا إلى تونس للدراسة أو العمل أو يتحيّنون الفرصة لينتقلوا منها نحو الضفة الشمالية من البحر المتوسط.

لم تكن هذه الحادثة معزولةً. جاءت في سياق متسارع ضمن حملة تقودها جمعيات وأحزاب ضد وجود المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء داخل تونس منذ شهور، وقد أكسبها الموقف من الظاهرة الذي أعلن عنه الرئيس التونسي قيس سعيّد، خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي، شرعيةً وقوةً. فقد دعا سعيّد، إلى "ضرورة وضع حد لظاهرة تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين من إفريقيا جنوب الصحراء"، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة تأتي ضمن "ترتيب إجرامي يهدف إلى تغيير تركيبة تونس الديمغرافية".

شكّل موقف الرئيس غطاءً لهذه الحملة المضادة للمهاجرين في تونس، وتحول إلى ما يشبه إشارة انطلاق "الزحف المقدس" ضد كل ما يمثل هذا الوجود. فقد سجلت البلاد خلال الأيام الماضية حالات عديدةً من إخلاء مساكن يقطنها مهاجرون وتسريح بعضهم من أعمالهم وهجمات في بعض الأحياء من طرف المواطنين ضد المهاجرين، من خلال نوع من الفصل العنصري القائم على اللون، والذي لم يسلم منه حتى بعض المواطنين التونسيين السود. لكن خلف هذا النزوع الفاشي الجماعي، والموقف الرسميّ، يظهر تنظيم سياسي محلي يحمل اسم "الحزب القومي التونسي"، هو الذي قاد وأيقظ مشاعر الخوف من المهاجرين، من خلال حملات دعائية واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الشوارع.

صوت الانعزالية التونسية

يحمل هذا الحزب الذي تأسس في عام 2018، ترخيصاً للعمل القانوني، برغم الأيديولوجيا الشوفينية، ذات البعد الفاشي، التي يدافع عنها، إذ يعدّ نفسه معبّراً عمّا يسميه "الأمة التونسية"، وهو مصطلح ينتمي إلى المعجم الفاشي الانعزالي الذي ظهر في ثلاثينيات القرن العشرين مع بروز الفاشية والنازية، والذي أفرز تنظيمات وأحزاباً في دول عربية كانت تحمل برامج وأفكاراً شبيهة، مثل "حركة مصر الفتاة" و"شباب محمد" في تونس، لكن وجودها شهد ضموراً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وبرغم أن أطروحة "الأمة التونسية" المستقلة بذاتها، والتي ليست جزءاً من أي أمة أخرى عربية أو إسلامية، نجد لها صدى في عقيدة الحزب الدستوري، الذي قاد الحركة الوطنية، وأكدها الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، إلا أنها لم تشكل أرضيةً لبرنامج سياسي فاشي.

شكّل موقف الرئيس غطاءً لهذه الحملة المضادة للمهاجرين في تونس، وتحول إلى ما يشبه إشارة انطلاق "الزحف المقدس" ضد كل ما يمثل هذا الوجود

يقول الحزب القومي في مبادئه التي صاغها بالعامية التونسية، بوصفها "لغة الأمة الرسمية": "يؤمن القومي التونسي إيماناً راسخاً بأن تونس هي أمة مستقلة تماماً، وأنّ تونس ليست جزءاً من أي أمة أخرى سواء أكانت عربيةً أو إسلاميةً أو أمازيغيةً. نحن نؤمن أن تونس كدولة-شعب ووطن هي أمة مكتملة الأركان ولذا يرفض القومي التونسي كل أنواع المشاريع التي تريد أن تذيب تونس في فضاء جغرافي/ لغوي/ ديني/ جيني كبير بتعلّة صغر تونس أو فقر تونس. نحن نؤمن أن تونس هي جسد سياسي-اجتماعي كامل عضوياً ومنفصل عن غيره من الأجساد الإنسانية، ولذا فإن العقائد القومية الأخرى من عربية وإسلامية وأمازيغية نرفضها رفضاً باتاً وللأبد ونؤمن بأن تونس من حقها ومن واجبها أيضاً أن تشق مسارها التاريخي الخاص معتمدةً على نفسها فقط".

لا يخفي التنظيم القومي نزوعه الفاشي والسلطوي، إذ يعلن بوضوح معارضته لوجود أي تيار مضاد لسلطة الدولة، لا سيما التنظيمات النقابية، إذ يطالب بمنع العمل النقابي والحق في الإضراب، وحل الاتحاد العام التونسي للشغل وكل أنواع النقابات الناشطة في الوظيفة العمومية ومصادرة أملاك اتحاد الشغل وأي نقابة ناشطة وسط جهاز الدولة. لكن ومن خلال مراجعة لموقع الحزب على الإنترنت، وصفحاته في مواقع التواصل، فإن برنامجه السياسي الوحيد، محاربة وجود المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء داخل تونس حصراً، إذ يخترع الحزب اسماً مختصراً لهؤلاء هو "الأجص"، وهي اختصار لكلمة "إفريقيا جنوب الصحراء".

لا يخفي التنظيم القومي نزوعه الفاشي والسلطوي، إذ يعلن بوضوح معارضته لوجود أي تيار مضاد لسلطة الدولة، لكن برنامجه ومنشوراته تركز بالأساس على المهاجرين من دول جنوب الصحراء 

يعتقد الحزب أن حضور هؤلاء المهاجرين في تونس يأتي ضمن "مؤامرة" لا تقل كارثيةً أو أهدافاً عن مأساة تهجير الشعب الفلسطيني خلال النصف الأول من القرن العشرين، واضعاً هذا المثال التاريخي في أي مقدمة للسجال حول الموضوع، كي يثير الفزع في نفس المتلقّي، مع أن السياق الفلسطيني مختلف على نحو جذري عما تعيشه تونس اليوم، إذ كانت فلسطين خاضعةً للاحتلال البريطاني، وعبره ومن خلاله تم توطين اليهود وتهجير السكان الأصليين.

يطالب الحزب في تقرير نشره تحت عنوان "مشروع الاستيطان الأجصي وإزالة تونس من الوجود"، بـ"ترحيل كل المهاجرين اللا شرعيين في تونس من كل الجنسيات وحل كل الكنائس الأجصية التي تحولت إلى أوكار شعوذة واحتيال، مع فرض تنظيم خاص على كل أنواع المعابد الأجنبية في تونس، وفرض رقابة على كل الجمعيات الأجصية، ومنع كل تنظيم حزبي وسطهم ومراقبة أنشطتهم بكل أنواعها والقيام بحملات تفتيش على كل المصانع والحضائر والمطاعم وكل أماكن العمل التي تشغّل المهاجرين الأجصيين غير الشرعيين، ومنع عمليات الكراء للمهاجرين الأجصيين غير الشرعيين، وفرض الرخصة الأمنية على كل عملية كراء للأجانب".

يمكن أن نضع هذا التنظيم الانعزالي ضمن موجة الأحزاب "الشعبوية القومية" التي ظهرت منذ ثمانينيات القرن الماضي في العالم

على نحو أكثر دقةً، يمكن أن نضع هذا التنظيم الانعزالي ضمن موجة الأحزاب "الشعبوية القومية" التي ظهرت منذ ثمانينيات القرن الماضي في العالم، لا سيما في أوروبا، وشكلت ما بات يُعرف باليمين الأوروبي المتطرف. وهي أحزاب ورثت من الفاشية العديد من الأفكار من دون أن تعيد إنتاج الفاشية في نسختها الإيطالية أو الألمانية النقية. إذ تقوم عقيدتها على "كره الأجانب'' وتحميلهم جميع الشرور الاقتصادية والاجتماعية وحتى الأخلاقية في بلدانهم. وشأنه شأن هذه الأحزاب اليمينة المتطرفة، تدور أفكار الحزب القومي التونسي حول "وجود مؤامرة كونية ضد تونس يقودها المهاجرون الأفارقة بدعم من منظمات وحكومات أوروبية لمحوها من الوجود".

تشكل الرؤية التآمرية، جزءاً أساسياً من التكوين العقائدي لأي حزب "شعبوي قومي". ومن خلال خطاب الحزب حول مسألة الهجرة يحضر المؤرخ الفرنسي، برنار لوغان، كأحد المراجع المكررة، وهو الذي كان وما زال المستشار التاريخي لأحد رموز اليمين الفرنسي المتطرف، إيريك زيمور، وأحد أعضاء "المجلس الوطني للمقاومة الأوروبية"، وهو تجمع يجمع مؤيدي أطروحة "الاستبدال العظيم" التآمرية.

في عام 1948، في مقال بعنوان "التنبؤ في العلوم الاجتماعية"، عرض كارل بوبر، نموذجه الخاص بـ"نظرية المؤامرة الاجتماعية" التي يُفترض أنها وليدة الحداثة، ومبنيّة على فكرة أن جميع الظواهر الاجتماعية، مثل الحرب والبطالة والفقر والندرة، هي التأثير المباشر لخطة دبّرها أفراد معيّنون أو مجموعات. من جانبه يذهب عالم السياسة الفرنسي، بيير أندريه تاغييف، في كتابه "تخيل المؤامرة العالمية: جوانب من الأسطورة الحديثة"، إلى أن الرؤية التآمرية للعالم تُملأ بأعداء مطلقين، هائلين، منحرفين ومخفيين، يعيدون اختراع آلهةٍ أو شياطين. مبدأ الرؤية التآمرية بسيط: المسؤولية عن كل مصائب العالم تُنسب إلى أعداء وهميين للجنس البشري. يتم تكوين هؤلاء الأعداء كقوى غامضة وشريرة، تبرر لهم الغايات كل الوسائل، وهكذا تتم شيطنتهم. وتفترض نظرية المؤامرة أن التلاعب يقود التاريخ، فتعمل جنباً إلى جنب مع الشيطنة. من المنظور الذي حدده بوبر، تتكون "نظرية المؤامرة" من افتراض أن جميع الشرور التي يمكن ملاحظتها في المجتمعات ناتجة عن مؤامرة من قبل الذين يخفون مخططاتهم الأنانية تحت نوايا نبيلة، مثل الديمقراطية، والليبرالية، والإنسانية، والتقدمية. لذلك يمكن لمنظّر المؤامرة أن يقدّم نفسه على أنه مزيل للغموض: فهو يمزّق الأقنعة، ويكشف عمّا هو مخفي وراء "مراحل" التاريخ. تعمل الحبكات الخيالية كروايات تفسيرية تسمح للمؤمنين بها بفهم كل ما يحدث، لا سيما ما يبدو أنه لم يكن مرغوباً أو مخططاً، وما يقلق أو يثير فضيحةً.

"الاستبدال العظيم" التونسي

بين الشعبوية القومية التي يمثل الحزب القومي التونسي، والشعبوية الاحتجاجية التي يمثّلها الرئيس قيس سعيّد، وشائج قوية، أهمها الانطلاق من أرضية خيال تآمري واحدة عبرها يقع تفسير كل شيء. التقى الطرفان في نقطة العداء لوجود المهاجرين الأفارقة في البلاد، من منطلق أن وجودهم يأتي ضمن "مؤامرة تستهدف البلاد والأمة". خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي ترأسه سعيّد، في قصر قرطاج، للنظر في ظاهرة الهجرة، قال الرئيس التونسي: "إن هذا الوضع غير طبيعي، وهناك ترتيب إجرامي تمّ إعداده منذ مطلع هذا القرن لتغيير التركيبة الديمغرافية لتونس، وهناك جهات تلقت أموالاً طائلةً بعد سنة 2011، لتوطين المهاجرين غير النظاميين من إفريقيا جنوب الصحراء في تونس. والهدف غير المعلن لهذه الموجات المتعاقبة من الهجرة غير النظامية، اعتبار تونس دولةً إفريقيةً فقط، ولا انتماء لها للأمتين العربية والإسلامية".

كما النسخة الفرنسية، فإن النسخة التونسية المعدلة من نظرية الاستبدال العظيم لا تصمد كثيراً أمام حقائق الأرقام وبعيداً عن مناخ المؤامرة الكونية فالأجانب في تونس لا يتعدون 21 ألف شخص بحسب الأرقام الرسمية 

بعد ساعات قليلةٍ من هذا البيان الرئاسي، نشر المرشح الرئاسي السابق في فرنسا، إيريك زيمور، تغريدةً قال فيها: "بدأت البلدان المغاربية تدق ناقوس الخطر في مواجهة موجة الهجرة. وهنا، تريد تونس اتخاذ تدابير عاجلة لحماية شعبها. ماذا ننتظر لمحاربة الاستبدال العظيم؟''. لم يكن زيمور، أحد أبرز متبنّي العقيدة الشعبوية القومية في فرنسا، بعيداً في توصيفه لخلاصة موقف الرئيس التونسي، فقد شكّلت الدوافع التي أعلنها قيس سعيّد بقوله إن الهجرة تشكل "مؤامرةً لتغيير التركيبة الديمغرافية لتونس واعتبار تونس دولةً إفريقيةً فقط، ولا انتماء لها للأمتين العربية والإسلامية"، الأساس الأيديولوجي لنظرية "الاستبدال العظيم"، التي يتبنّاها ويروّج لها التيار الواسع من اليمين الأوروبي المتطرف.

تغريدة إيريك زيمور

ظهرت هذه النظرية التآمرية والمعادية للأجانب في أوائل عام 2010، من قبل الكاتب اليميني المتطرف رينو كامو، وصقلها في كتاب يحمل الاسم نفسه نُشر عام 2011. تشير أطروحته الأساسية إلى عملية مفترضة لاستبدال الأوروبيين البيض أو الفرنسيين "الأصليين" بالمهاجرين غير الأوروبيين، خاصةً من إفريقيا. لكن أفكار المؤامرة حول تغيير التركيبة الديموغرافية وزحف المهاجرين تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، وقد ظهرت أولاً داخل التيارات القومية والمعادية للسامية، وكانت كلها تحذّر من "الهجرة اليهودية إلى أوروبا". لاحقاً، بعد الحرب العالمية الثانية وتصاعد موجات الهجرة نحو أوروبا، ولجهة حاجة السوق الأوروبية إلى اليد العاملة، اكتسب مفهوم التغيير السكاني زخماً بشكل خاص في دوائر النازيين الجدد، وأخذت الفكرة العنصرية القائمة على الهوس من تدمير أوروبا "البيضاء" بوصول المهاجرين من إفريقيا تتبلور، مع الأحزاب اليمينة المتطرفة. وبرغم أن هذه النظرية تبدو ضعيفةً أمام حقائق الأرقام، إلا أنها تستفيد من زخم الخيال التآمري للانتشار والتوسع، فقد انتشرت في صفوف اليمين المتطرف خارج أوروبا خلال السنوات الأخيرة وقد أعطاها برينتون تارانت، الذي نفذ هجوم كرايستشيرش الإرهابي (نيوزيلندا)، شهرةً عالميةً، بعد أن قتل 51 شخصاً في آذار/ مارس 2019، على أساس عرقي ونشر بياناً بعنوان "الاستبدال العظيم"، وهو ترجمة حرفية لأفكار رينو كامو. وفي الولايات المتحدة، تبنّى اليمين المتطرف، هذه الفكرة ونجدها حاضرةً في البيان الذي نشره باتريك كروسيوس، اليميني المتطرف الذي قتل 22 شخصاً في سوبر ماركت في إل باسو، في تكساس في آب/ أغسطس 2019.

وكما النسخة الفرنسية، فإن النسخة التونسية المعدلة من نظرية الاستبدال العظيم لا تصمد كثيراً أمام حقائق الأرقام وبعيداً عن مناخ المؤامرة الكونية التي تتعرض لها الأمة. وفقاً للأرقام الرسمية التي يعلن عنها المعهد التونسي للإحصاء (حكومي)، فإن العدد الإجمالي للأجانب المقيمين بشكل نظامي في تونس نحو 21 ألف شخص، بمن فيهم المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، لا سيما من الطلبة والموظفين في المؤسسات الدولية. في المقابل، مهما تضخم عدد المهاجرين المقيمين بشكل غير نظامي فإنه لن يتجاوز ضعف عدد المقيمين النظاميين، أي أن العدد الإجمالي وفي أكثر التقديرات لا يمكن أن يتجاوز المئة ألف ساكن من مجموع 12 مليوناً ونصف مليون تونسي، حيث تصبح فرضية تغيير التركيبة الديموغرافية للبلاد أقرب إلى الاستحالة. وأغلب هؤلاء المهاجرين يتخذون من تونس نقطة انطلاق نحو أوروبا من خلال عمليات الهجرة غير النظامية عبر البحر في القوارب، وحتى إن كانت هناك سياسات أوروبية تدفع الحكومة التونسية إلى توطين هؤلاء المهاجرين في تونس من خلال المساعدات المالية، فإن الأوضاع في تونس ليست مستقرةً ولا مزدهرة كي تجعل المهاجرين يقتنعون بخيار التوطين، ذلك أن التونسيين أنفسهم أصبحوا يتركون البلاد من خلال الهجرة غير النظامية نحو الضفة الشمالية للمتوسط بنسق غير مسبوق من حيث نوعية المهاجرين التي أصبحت تضم العائلات والنساء بعد أن كانت حكراً على الشباب، وكذلك من حيث مسارات الهجرة عبر البحر من خلال طريق البلقان.

لكن الرئيس التونسي قيس سعيّد، وفي سياق أسلوبه التآمري لإدارة الدولة، لا يكتفي بتوظيف المؤامرة الداخلية التي يعلن عنها بين وقت وآخر، كي يحافظ على شعبيته ويصدِّر فشل سياساته الاقتصادية والاجتماعية ونزوعه السلطوي نحو عدوّ متخيل، بل يريد أيضاً البحث عن "مؤامرة عابرة للأوطان أو كونية"، لتوظيفها في إقناع السديم الواسع من أنصاره بأنه يواجه بوصفه قائداً ومخلصاً، وحده، مؤامرات داخليةً وخارجيةً، لذلك فهو يحتاج أكثر فأكثر إلى أن يلتحم الشعب به ويلفظ المعارضة والمنظمات السياسية والنقابية والحقوقية التي تنتمي إلى "النخبة الفاسدة". 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard