شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
محتوى جمهورية الحزن العراقي الأنيق

محتوى جمهورية الحزن العراقي الأنيق

رأي نحن والتاريخ

السبت 25 فبراير 202301:33 م

للبحث عن جمهورية الحزن المفترضة، لا داعي لمعرّف البحث غوغل، ولا لخرائط البحّارة، فتلك الجمهورية واضحة المعالم في بلادنا، تشمل العرب والكرد، الغني والفقير، والجاهل والعالم. لكن، مرحباً بكم في بلد الحزن الأوّل: العراق.

أكثر الناس بكاءً هم أهل العراق، وأشدهم شاعرية وحساسية مفرطة وعاطفة جياشة، وفي الوقت نفسه هم الأقسى والأعند والأكثر صراعاً، وهو ما يوحي بتناقض كبير ومنطق مضطرب، فكيف يحصل هذا؟

يقال إن الفنون عاكسة الشعوب الأصدق. لم لا نحاول مع الغناء العراقي مثلاً؟ أعطني القليل من وقتك ولنبدأ.

أحتسي الشاي الثقيل الآن، وأستمع إلى سيدة الغناء العراقي الباشا سليمة مراد (1905-1974 مطربة): "قلبك صخر لجمود ما حنّ عليه...". هي وريثة مزامير داوود كما أسميها، وكما يبدو ذلك من DNA صوتها المتكسر كأمواج دجلة، هربت بصوتها كل تراتيل الهيكل في أورشليم. تقرأ المقام بطبقات صوتية تعجز عنها الرجال. المطرب ناظم الغزالي، زوجها، لا يستطيع صوتياً الوصول إلى جواباتها النغمية أو جوابات جواباتها المدهشة. سليمة مراد تثير الحزن بأناقة أرستقراطية. هي مطربة الباشوات والعقدي ورؤساء الوزارة العراقية في الحقبة الملكية.

عندما كان الفن دلالة على الالتحاق بالحضارة الغربية والعالمية عموماً، لم تعامل كمجايلاتها، باستصغار وتنميط كمغنية كباريهات. لكنها نالت لقب باشا لأول وآخر سيدة في الفن العراقي. في الحقيقة هي نكهة بغداد المتروبوليتان، والتي كانت عاصمة كونية في القرون الوسطى. أسأل سليمة باشا، وهي حية في ذاكرتنا: هل ما زلت تنوحين على يهود العراق الذين هجروه بعد كل هذه السنين؟

هي نكهة بغداد المتروبوليتان، والتي كانت عاصمة كونية في القرون الوسطى. أسأل سليمة باشا، وهي حية في ذاكرتنا: هل ما زلت تنوحين على يهود العراق الذين هجروه بعد كل هذه السنين؟

أدين لليوتيوب كربٍّ كثير العطاء ومانح بالمجان لذاكرات صورية/ صوتية ضائعة أو منسية، بينما بعض الأرباب يطالبونك باتباعه مثلاً لمنحك ما تريد، هذا إن منحك.

ثُم أستمع إلى ناصر حكيم (1919-1991 مطرب فطري من جنوب العراق). هو الآن يردد النشيد الوطني السومري: "أخ بوية عيوني آه يالمشى وما قال مودعكم الله...".

هل تناول أحدكم جرعة حزن بهذا القدر من قبل؟ ولا جرعة العلاج الكيميائي لمرضى السرطان تصل بكم إلى هذا الحد من الألم. عزيزي ناصر حكيم، كم "أور" احترقت بصوتك، كم آلهةً سومريةً تعاونت لتقوثر حنجرتك؟

ربما صوته ليس محبباً للأذن البشرية وغير مفهوم، لكن تكنيك حنجرته غير قابل للنسخ. يعرف أهل الجنوب ذلك. حين ينوح بحرقة يندفع القصب ويتمدد الظهور حتى أقدام الإله "أنكى"، في السماء السابعة.

ناصر حكيم، توقف أرجوك، الهور جفّ وعيوننا جفت كذلك، أعمارنا قصيرة جداً لنحزن "حزن معدان" (حزن شديد حد الموت، وطويل الأمد وثقيل).

يقترح اليوتيوب مقطعاً عشوائياً، لحمزة الصغير (921-976 قارئ مراثٍ حسينية). أعتقد أن الشخص المسؤول في اليوتيوب مراهن على أن يبكيني لأطول فترة ممكنة.

ينشد حمزة الصغير سمفونيةً تُبكي حتى متحدثي لغة الماندرين؛ تكثيف شيعي عالٍ لتهميش رسمي منذ 1،400 سنة، تشفير واضح لثورة تحت الرماد، وتذكير عاطفي بجريمة إبادة حصلت في 61 هجرية (12/10/680 ميلادي)، هذه المقطوعة بالذات تتحدث عن قصر أعمار العراقيين بسبب الموت المجاني وتشكل بمفرداتها تضاداً شفافاً بين الزفاف كحياة وتواصل بيولوجي لذيذ خصوصاً في العشرينات من العمر وبين جدار الموت الذي يقطع ذلك، تداخل صوري للحناء، رمز الترف والفرح، التي تستحيل إلى خضاب دم مسفوك يلطخ كفّي الأم كرمز للحياة المهدورة، تشظت زجاجات عيني من الدمع، فغادرت اليوتيوب.

الآن أكتب لكل هذا، هل وجدت "الحامل" الذي يصنع الأمة العراقية ويوحدها عاطفياً على الأقل. ليس لدينا تاج ملكي أو أميري، ليست لدينا وطنية نعتز بها، لا تاريخ فاعلاً في الحاضر ولا حتى أحلامنا متطابقة ومتداولة

الآن أكتب لكل هذا، هل وجدت "الحامل" الذي يصنع الأمة العراقية ويوحدها عاطفياً على الأقل. ليس لدينا تاج ملكي أو أميري، ليست لدينا وطنية نعتز بها، لا تاريخ فاعلاً في الحاضر ولا حتى أحلامنا متطابقة ومتداولة. نتمغنط للعنف والحروب فقط، لنقتل أو نُقتل برعاية دكتاتور ما حصراً. مرجعياتنا ريفية، مدنية، صحراوية، إثنياتنا عربية، كوردية، تركمانية، آشورية. أدياننا، مذاهبنا متشعبة ومتكاثرةً، ودائماً ما تبقى كرابط!

الحزن، الحزن العراقي الثقيل يوحّدنا، في أفراحنا ننوح كما في أحزاننا، في لذتنا الجنسية وفي ألمنا الحاد. تضاد حاد بين قسوة عراقية متطرفة يعدّها أهل العراق واجباً حياتياً من لايمارسه ليس عراقياً. شجن وحساسية عالية للبكاء لأقل حدث عاطفي.

الحزن إذاً يعنصرنا كعراقيين، كخلاصة لكل الخسارات الكبرى منذ الإله تموز الذي نزل إلى الهاوية وبكته نساء إريدو وأور وبابل، وبكته عشتار مروراً برأس الحسين الذي يحرّض على الحزن ثقافياً ومجتمعياً وجينياً، إلى آخر قتيل سيقع ظلماً في يوم ما على تراب ميسوبوتاميا.

فلنُفعّل هذا الخزين الحيوي من العاطفة غير الفردية ونتشاركة كمشاعر رابطة كما نتشارك صراعاتنا وهويتنا، وليكن هذا الحزن الحامل الرئيس للأمة العراقية التي لا تجد حاملاً حقيقياً تستند إليه، حتى لو كان حزناً "عنصرياً" عراقياً ثقيلاً. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ماضينا كما يُقدَّم لنا ليس أحداثاً وَقَعَت في زمنٍ انقضى، بل هو مجموعة عناصر تجمّعت من أزمنة فائتة ولا تزال حيّةًً وتتحكم بحاضرنا وتعيقنا أحياناً عن التطلّع إلى مستقبل مختلف. نسعى باستمرار، كأكبر مؤسسة إعلامية مستقلة في المنطقة، إلى كسر حلقة هيمنة الأسلاف وتقديم تاريخنا وتراثنا بعين لا تخاف من نقد ما اختُلِق من روايات و"وقائع". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. ساعدونا. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard