الأحزاب السياسية في العراق و"السيادة" التي لا تعرفها

الأربعاء 25 مايو 202204:11 م

تضجّ وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في العراق، بين الحين والآخر، بخبر اعتداء دول الجوار على سيادة البلد، وغالباً ما تنتهي هذه الضجة مع انتهاء الأزمة أو انشغال الناس بأزمة جديدة من الأزمات المتتالية.

ويشهد العراق منذ عام 2003، انتهاكات مستمرةً على حدوده ولسيادته، من انتهاك حقوق صيادي الأسماك جنوب البلاد من قبل الجانبين الكويتي والإيراني، إلى الاعتداءات الإيرانية على القرى الحدودية العراقية، بحجة استهداف مقرّات تابعة لأحزاب إيرانية معارضة.

وتجاوزت إيران الخط الحدودي في منتصف آذار/ مارس الماضي، بعد قصفها مركز مدينة أربيل بـ13 صاروخاً باليستياً، وزعمت بأنها استهدفت قاعدةً إستراتيجيةً إسرائيليةً، قبل أن يتبين أن هذه القاعدة هي مجرد منزل يملكه التاجر الكردي المعروف والمقرب من الحزب الديمقراطي الكردستاني، باز البرزنجي.

يشهد العراق منذ عام 2003، انتهاكات مستمرةً على حدوده ولسيادته، من انتهاك حقوق صيادي الأسماك من قبل الجانبين الكويتي والإيراني، إلى الاعتداءات الإيرانية والتركية

تركيا لم تكن بعيدةً عن هذا المشهد، إذ تُحسب عليها العديد من الانتهاكات العسكرية والصاروخية على مدن شمال البلاد، بحجة تواجد حزب العمال الكردستاني المعارض في المناطق المستهدفة، والذي تصنفه تنظيماً إرهابياً.

تشكل عملية قفل المخلب، والتي انطلقت في 18 نيسان/ أبريل الماضي، آخر هذه الانتهاكات، إذ شنت تركيا عمليات عسكريةً بريةً وبحريةً ضمن مناطق واسعة في محافظتي دهوك وأربيل، تهدف حسب ما تقول إلى ضرب معاقل حزب العمال الكردستاني.

طبيعة التواطؤ

ترافق هذه الاعتداءات المتكررة اتهامات بتورط أحزاب سياسية بارزة فيها، بأشكال متعددة، وتتبادل الأحزاب السياسية الاتهامات بالتواطؤ في انتهاك سيادة البلاد، وكان آخرها ما صدر من الإطار التنسيقي الشيعي، إذ اتهم النائب عن كتلة "صادقون"، رفيق الصالحي، والقيادي في دولة القانون، أحمد الصوفي، حكومة الإقليم بالموافقة على الهجمات التركية في شمال البلاد، لا سيما وأن الهجوم جاء بعد يومين فقط من زيارة رئيس الحكومة الكردية، مسرور برزاني، إسطنبول.

والغريب أن الإطار التنسيقي الشيعي كان قد اتهم الإقليم بتحوّله إلى مرتع للبعثيين والاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، قبل أيام من استهداف الصواريخ الإيرانية لأربيل، بالإضافة إلى عدم اتخاذ أي ردة فعل بعد هذا الاعتداء.

الأحزاب السنية من جانب آخر تندد بانتهاكات من دولة دون أخرى، بحسب ولاءاتها المتشعبة بين الحكومتين الإيرانية والتركية.

وبحسب رئيس مركز التفكير السياسي والحكم الرشيد، عبد الرحمن الجبوري، فإن الأحزاب السياسية تستغل غياب الدولة وسلطة القانون، في تقوية علاقاتها الخارجية من أجل نيل الدعم المادي والسياسي.

ارتباطات الأحزاب العراقية بالخارج تدفعها إلى تمثيل مصالح الدول الداعمة لها، وهو ما أفقدها هويّتها الوطنية، وقدرتها على تبني برامج وطنية مسنودة شعبياً. وتُعدّ انتهاك سيادة البلد من قبل الطرف الداعم لها أمراً طبيعياً يستوجب الدفاع عنه

الأجندات

يقول الجبوري لرصيف22، إن "هذه العلاقة تدفع بالأحزاب إلى تمثيل مصالح الدول الداعمة لها وأجنداتها، وهو ما أفقدها هويّتها الوطنية، وقدرتها على تبني برامج وطنية مسنودة شعبياً. وبذلك فإنها تعدّ انتهاك سيادة البلد من قبل الطرف الداعم لها أمراً طبيعياً يستوجب الدفاع عنه"، ويعلّل رأيه بالتقارب الإعلامي والسياسي الكبير وصعوبة التمييز بين خطابات هذه الأحزاب والخطابات الرسمية للدول المُنتَهِكة.

من جانبه، يعتقد رئيس مركز الرفد للإعلام والدراسات الإستراتيجية، عباس الجبوري، أن "عدم تنفيذ قانون الأحزاب بشكل فعلي شرّع تعاون بعض الأحزاب مع دول أخرى، خاصةً أن قانون الأحزاب يجبر على كشف مصادر تمويلها وعدد أعضائها وأجندتها.

ويشير لرصيف22، إلى أن بعض الأحزاب ترفض خوض التجربة الوطنية، بسبب خنوعها لأطراف دولية، بدلاً من الاعتماد على الطاقات والإمكانات المحلية المتوفرة في البلد، وهو ما يحمل مخاطر كبيرةً على الوضع العراقي.

يُذكر أن البرلمان العراقي قد أقر قانون الأحزاب السياسية في تشريعه رقم 36 لعام 2015، إلا أنه لم يجد الحيز الفعلي لتنفيذه حتى الآن.

بالإضافة إلى ذلك، فإن لبعض الأحزاب ميلاً طبيعياً نحو دول مجاورة بسبب علاقاتهم الممتدة إلى ثمانينيات القرن الماضي، مثل علاقة حزب الدعوة ومنظمة بدر بإيران، وعلاقة بعض أجنحة الحزب الإسلامي أو الإسلام السياسي السني بالحكومة التركية.

البرلمان العراقي قد أقر قانون الأحزاب السياسية في تشريعه رقم 36 لعام 2015، إلا أنه لم يجد الحيز الفعلي لتنفيذه حتى الآن

الدعم الخارجي

التغيرات الكبيرة الطارئة على السياسة الدولية خلال العقدين الماضيين، تحفز بعض الدول على زرع أذرعها داخل المناطق التي تطمح إلى استغلالها، ويشكل العراق جانباً مهماً لهذه الدول بحسب مصدر سياسي فضل عدم الكشف عن اسمه.

يقول لرصيف22: "الجانب الأوّل هو موقع البلد الإستراتيجي الذي يجعله سوقاً اقتصادياً كبيراً لتمرير البضائع، وهو السبب ذاته الذي يدفع هذه الدول إلى التدخل ومنع عودة الصناعات المحلية والزراعية العراقية، وإبقائه سوقاً لبضائعهم"، ويعزو الجانب الثاني إلى رغبة هذه الدول في استثمار الثرواث الطبيعية الموجودة في البلاد.

وبغض النظر عمّا يمنحه هذا الدعم من أمان نسبي للدول المنتهكة للسيادة العراقية، فإنه زاد من حدة الأزمات الداخلية بسبب تقاطع المصالح السياسية والإقليمية لهذه الأحزاب، لذا تسعى الآن إلى زج البلد في حروب بالنيابة عنها من أجل زيادة قوتها داخل العراق، وهو ما تتضح معالمه في المعارك التي شهدها قضاء سنجار بين القوات الحكومية وفصائل كردية مسلحة.

صراع بالوكالة

شهد قضاء سنجار المحاذي للحدود السورية مع محافظة نينوى، في الرابع من أيار/ مايو الحالي، عمليات عسكريةً قادتها القوات العراقية ضد مسلحي وحدات الحماية اليزيدية "اليبشة" (YBŞ)، التابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK)، وتدخلت كل من إيران وتركيا في هذه المعركة، إذ تدعم الأولى مسلحي اليبشه وحزب العمال الكردستاني، فيما تشن الأخيرة حربها عليهم.

يرى الباحث السياسي غانم العابد، أن "هذه العمليات هي امتداد للصراع العثماني الفارسي على العراق، إذ تعدّ إيران هذه المنطقة ممراً إستراتيجياً لتمرير أسلحتها من سوريا وإليها، بالإضافة إلى بضائعها التجارية أيضاً، وهو سبب دعمها لمسلحي حزب العمال الكردستاني المنتشر فيها".

ويوضح لرصيف22، أنه "نتيجةً لإدراك إيران أن خسارتها لمنطقة سنجار ستؤدي إلى فقدان مصالحها في المنطقة لصالح تركيا، التي تشن عملياتها العسكرية بالقرب من المنطقة، تدخلت من خلال الضغط على شخصيات سياسية مؤثرة من أجل منع تقدم الجيش العراقي داخل القضاء، ما يُعدّ نوعاً من العبث بأمن المنطقة، ويشكل خطورةً كبيرةً على الأمن الداخلي العراقي".

يُذكر أن القوات العراقية تمكنت في الـ4 من الشهر الحالي، من فرض سيطرتها على قضاء سنجار، بعد يومين من المواجهات العسكرية.

تعاون الأحزاب مع أطراف خارجية، أثّر على حياة المواطنين بشكل كبير، وبسبب استمرار هذه الأحزاب في مقاعد السلطة فإن شعور الانتماء لدى المواطنين إلى بلدهم يستمر في التراجع

السيادة والمجتمع

في ظل هذه المعطيات، يبدو فقدان العراق التام لسيادته أمراً واضحاً، خاصةً من الناحية الاجتماعية، إذ إن تعاون الأحزاب مع أطراف خارجية، أثّر على حياة المواطنين بشكل كبير، لا سيما وأن هذا التعاون أضر بمصالح الشعب، وبسبب استمرار هذه الأحزاب في مقاعد السلطة فإن شعور الانتماء لدى المواطنين إلى بلدهم يستمر في التراجع يوماً بعد آخر.

تلاحظ الباحثة الاجتماعية، سجى خالد، أن هذا الجانب بدأ يزداد من خلال ما يشاهده المواطن على وسائل التواصل الاجتماعي أو الرحلات الخارجية، من أسلوب الحياة الذي تنعم به بقية العالم، ما سبب عقدة نقص كبيرةً لديه، لا سيما لدى فئة الشباب.

تضيف لرصيف22: "فقدان احترام الشباب والأجيال الجديدة للبلد تهدد استقراره في المستقبل، خاصةً أن مثل هذه العقد الاجتماعية من الممكن أن تنتقل إلى الأجيال القادمة، وتولّد لديهم ميلاً نحو بلدان أخرى، وهو سبب انتشار ظواهر التقليد الأعمى لكل ما هو آتٍ من الخارج".

سوء إدارة السياسيين للملف السيادي ينطبق عليه القول: "من يقود البلد بعيد عن همومه"، ويبقى السؤال: "إلى أين تتجه سيادة البلد؟"، بلا جواب. أما الحديث عن إمكانية أن تعيد الأحزاب العراقية توجيه ولائها نحو المصلحة الوطنية، فأمر غاية في الصعوبة، في وقت مسلسل الانتهاكات سيستمر فيه إلى أجل غير مسمى، بأشكال مختلفة ومن أطراف معروفة أو أخرى قد يتعرّف عليها العراقيون مستقبلاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard