شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
إعلام النظام السوري والزلزال...

إعلام النظام السوري والزلزال... "كنا في انتظارك منذ زمن"

رأي نحن وحرية التعبير

الأربعاء 22 فبراير 202303:52 م

"الإعلام كمعبّر عن السلطة بيكذب، أنا أشتغل في إعلام أخجل منه، لأنه يكذب بهذا المقدار، يكذب بدرجة الحرارة، يكذب بإخفاء الكوليرا، في حدا بيخفي الكوليرا؟ يكذب بالتستّر على اللصوص وعلى التجار والمرتشين وشركائهم ويشكّك فيّ وفيكم حين كنتم تقولون إنّ هناك فساداً..."؛ لعلّ هذه الصرخة كانت أول ما سُجّل في الاعتراض على الإعلام في دولة البعث ما بعد 1970. هي صرخة مبحوحة أطلقها الكاتب الراحل ممدوح عدوان في دمشق في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب مع الجبهة الوطنية التقدمية (جبهة تضم الأحزاب المتحالفة مع البعث كالقومي السوري والشيوعي وغيرهما)، وكان ذلك عام 1981.

اليوم، في عام 2023، كيف يبدو رجع صدى تلك العبارات؟ لا شك في أنّ الاحتقان ارتفع إلى حدود غير طبيعية حيال الإعلام السوري، وأدائه، ونمطه، ومنظومته، ومظلوميته الكربلائية، فهو وحده "يواجه" كل دول الكرة الأرضية وإعلامها منفرداً. له الله، وحده، في معركة طويلة صار عمرها عقداً وبضع سنوات، فهل تنتهي بانتصار الدم على السيف، أم تنتهي بالأحضان السعودية التي يروّج لها إعلام الحكومة هذه الأيام، بعد أن حطّت أول طائرة مساعدات سعودية في مطار دمشق بعد 12 عاماً من الغياب؟

لا ليست طائرةً سعوديةً وكفى، بل هي طائرة الخلاص. لو يرى الرائي ابتسامات موظفي التلفزيون وهم يغطّون هذا الوصول لظنّوا أنّ السعودية جاءتهم ومعها تأشيرات ترحيلهم عن وطنهم نحوها، فالأكيد أنّ الحلم السوريّ لن يتغير، الجميع يريدون الهجرة، حتى لو وصل بايدن شخصياً إلى دمشق وتغزّل بعرنوس وفوائده، وعرنوس هو رئيس الحكومة الحالي.

 لو يرى الرائي ابتسامات موظفي التلفزيون وهم يغطّون هذا الوصول لظنّوا أنّ السعودية جاءتهم ومعها تأشيرات ترحيلهم عن وطنهم نحوها، فالأكيد أنّ الحلم السوريّ لن يتغير، الجميع يريدون الهجرة

مهلاً، هل يلام هؤلاء السوريون؟ وهل يلام من خلفهم كُثر رموا السياسة والماضي خلف ظهورهم؟ قطعاً لا. بعد اثني عشر عاماً، من غير المقبول أن ينظّر أحد عليهم. تحمّلوا ما لم يتحمله قوم من قبل، ومن حقهم أن يفرحوا أخيراً، سواء جاء ذاك الفرح من السعودية أو قطر أو حتى من مجاهل القارة السمراء، لا فرق، المواطن الذي يتلمس رأسه باحثاً عن كرامته من دون أن يجدها، بات من حقه أن يبحث عنها بين مقاعد طائرات الوافدين إلى الشام، وها هو وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، يزور دمشق بعيد كارثة الزلزال في زيارة أردنية رسمية للمرة الأولى منذ بدء الحرب أيضاً، بالإضافة إلى الزيارات والرسالات المكوكية من الإمارات العربية، والتي أرسلت وزير خارجيتها عبد الله بن زايد على الفور، وبعده عشرات طائرات الإغاثة والمساعدات.

صيغ الاستغباء

بالعودة للحديث عن الإعلام، لا شك في أنّ إعلام الحكومة يعامل مواطنيها بأشد صيغ الاستغباء، ويفيد بأنّ ما تريده الدولة ستفعله، رغماً عن دموع كل الثكالى في هذا الوطن، وعن والد كل فقيد، وعن رب كل أسرة مهجرة، هذا إذا افترضنا فقط أن نطاق الخطاب ينحصر في الشارع المؤيد، وهو نطاق منطقي، برغم أنّه مؤخراً، وليس من باب المؤخر الحديث، بل ربما بعد عام، عامين، عامين ونيف من الحرب، ما عادت الغالبية تتابع هذا الإعلام.

لماذا لا تتابعه؟ هذا سؤال بسيط؛ إن كان المجيب دبلوماسياً سيقول لا كهرباء لديّ لأتابعه، وإن كان واضحاً فسيقول إعلام كاذب.

في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، نشبت أزمة دبلوماسية وأمنية كبرى بين الجارين، العراق وسوريا، ومجدداً لعلّ أفضل ما يستدل به على جزء من تلك المرحلة في سياق التعاطي الإعلامي قديماً وحديثاً وأوجه التشابه بينهما، لا بل التطابق، هو ما قاله ممدوح عدوان، في الكلمة ذاتها التي بدأنا حديثنا بها، إذ يسأل فيها قائلاً: "تصالح النظام في سوريا مع النظام في العراق، لم يكلّف مسؤول واحد نفسه في سوريا والعراق أن يقول لهذا الشعب كنا غلطانين بحق بعض بالفترة الماضية، بس هالكلمة، ولا حدا كلّف خاطرو يقول للشعب شو القصة".

واليوم، لا أحد خرج ليشرح لنا أهمية التقارب مع السعودية، ولا مع الإمارات، أو الأردن أو أي بلد آخر، السلطة تعامل الشعب بأحقر طريقة، تنعدم فيها كل شروط الاحترام، وهذا طبيعي، طبيعي في سياق عقود التعامل ذاته ما بين السلطة والجمهور.

هؤلاء الإعلاميون لم يقرّعهم أحد، وفي المقابل لم يشكرهم أحد، تُرِكت الأمور على غاربها، وتُرك الباب مفتوحاً للاجتهادات، شرط التركيز على أنّنا متضامنون مع أهلنا المدنيين مع التشديد على لعن "الإرهابيين"

لا يمكن الحديث في مقال أو اثنين أو حتى أكثر عن أخطاء الإعلام السوري وهفواته ولو فقط في سنوات الحرب، فذلك، وبكل جزم، يتطلب تأليف كتاب، وربما أكثر، ولكن يمكن بطبيعة الحال قراءة أداء هذا الإعلام خلال الكارثة التي أفضى إليها الزلزال الذي ضرب سوريا فجر السادس من شباط/ فبراير الجاري.

الإعلام المُربك

في اليوم الأول، بدا الإعلام الرسمي مُربكاً للغاية، لا يملك مفاتيحه ولا أدواته، ولا يعرف ما يفعل، بل لا يعرف كيف سيستثمر الفاجعة لتحقيق مكاسب أخرى، وغاب عنه في الأيام الثلاثة الأولى على الأقل تذكّر أن إدلب منكوبة أيضاً، وهي جزء من الجسد السوري، قبل أن يتذكر الأمر ويمرّ عليها مروراً بسيطاً تنامى مع الوقت، وهنا للأمانة برز اجتهاد إعلاميين بعينهم ركّزوا على إدلب كغيرها من مدن الداخل المنكوبة.

هؤلاء الإعلاميون لم يقرّعهم أحد، وفي المقابل لم يشكرهم أحد، تُرِكت الأمور على غاربها، وتُرك الباب مفتوحاً للاجتهادات، شرط التركيز بحسم وحزم على أنّنا متضامنون مع أهلنا المدنيين هناك مع التشديد على لعن "الإرهابيين" وشتمهم. وفي الأسبوع الثاني صار التركيز واضحاً على أنّ مسلحي هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً)، هم من منعوا دخول المساعدات من دمشق، وذلك يبدو حقيقياً لأنّه أول ما خرج كمعلومة وكان مصدرها الأمم المتحدة.

تشرح مصادر إعلامية مطلعة، رفضت الكشف عن اسمها، لرصيف22، أنّ "أياً من مديري القنوات الرسمية وإعلامييها لم يُطلب لاجتماعات كتلك الدورية التي تعقد مع الوزير أو على مستويات أعلى، لتلقّي التوجيهات في كيفية التعامل مع الأمر، بل فعلاً تُرك الأمر للاجتهادات شرط عدم الخروج عن القواعد العامة الناظمة لعمل الإعلام بوصفه حكومياً بحتاً".

يمكن تعليل كل ذلك بأنّ الكارثة هي بحد ذاتها التوجيه العام الذي سيجري العمل ضمنه، فلن تكون هناك أخطاء تُذكر تسيئ إلى التوجه العام أمام هذا الكم من القتلى والجرحى والدمار الهائل.

ومن الإجحاف القول إنّ كل من ظهر في تغطيات على الشاشة أو الأرض كان خطابه خشبياً كالمعتاد، بل هناك حقيقةً صحافيون أثبتوا أنفسهم وكانوا على قدر "الجرح" السوري المتجدد، فأنجزوا عملهم بأرواحهم التي بدت بكل صدق حزينةً ومتعاطفةً ومتألمةً على المصاب الكبير.

دورات تعريفية

في المقابل، برزت على الأقل عشرات التقارير التي أنجزها صحافيون لا يعرفون من المهنة سوى اسمها، وهذا ما قاله كثيرون عنهم، إذ ما معنى أن تسأل جريحاً في المستشفى: "ما شعورك؟". حقيقةً هذا سؤال كان يبدأ به معظم المراسلين أسئلتهم، إلى جانب أسئلة على شاكلة: "احكيلنا شو صار معك؟ احكيلنا كيف نزل بيتك؟ مين مات من أهلك؟ شو حابب توجه رسالة؟"، وأسئلة ما كانت تنتهي على هذه الشاكلة التي يُقصد بها إبكاء المنكوب لتسارع الكاميرا وتدخل بالتقريب عبر عدستها على عيني المجيب وهو يبكي، وهنا يشعر الصحافي بالفخر لأنّه أنجز "سكوباً".

سرعان ما لفتت هذه الظاهرة الصحافي السوري ماهر المونس، الذي تدخل مبدياً رأيه بطريقة تهكمية عبر إعلانه عن دورة تدريبية لتغطية الكوارث معتذراً من أساتذته في كلية الإعلام سلفاً، وتتضمن الدورة في ما تتضمنه من محاور، وبحسب المونس، كيف يصبح الشخص هو الحدث على حساب الحدث الأساسي، وعن أفضل طريقة لتصوير "الفوتوسيشن" بين الركام، وما هي الأسئلة التي تُبكي الناجين أكثر، وكيف يظهر الصحافي لأطول مدة في القصة الإنسانية، وإلى ما هنالك من المحاور التي ساقها طالب دكتوراه الإعلام في جامعة دمشق، خلال تبيانه رأيه في ما يحصل.

اليوم جاء هذا الزلزال ليقول في إحدى خلاصاته: "أبعدوا كاميراتكم عن وجوهنا البائسة ومعاناتنا المريرة... استثمروا بعيداً عن جراحنا"

ويتماشى رأي المونس مع "حنق" عالٍ وأصوات ارتفعت من داخل المجتمع السوري تطالب الإعلاميين بالتوقف عن "التهريج" والـ"سكوب" والـ"تراند" وغيرها، ولعلّ القصة الأبرز والتي حازت على نصيبها الكبير من التفاعل هي قصة الشاب "الإعلامي" الذي راح يستعرض بين الدمار، مطلقاً تحدياته لفنانات لبنان للحصول على حليب للأطفال.

نعم، كرّس هذا الشاب مظهر سوريا وهي تشحذ، ولكن هل وحده فعل ذلك؟ هذا الفتى وبرغم أنّه لا يعمل في الإعلام الرسمي، لكنّ مدرسة الإعلام الرسمي أثرت وتؤثر في الجميع، فما باله والإعلام تناسى الكارثة وفتح منابره لمغازلة الدول؟

هذا الإعلام ذاته ترك في الأيام الأولى –غير مرّة- المنكوبين تحت ركام منازلهم واستنفر أدواته في المطارات لتغطية وصول الطائرات بما تحمله من مساعدات، ليقول: "ها، هذه بوادر الخير وكسر الحصار". نعم، هكذا طوّعت الحكومة الكارثة فوق جراح أولادها النازفة، وإن كان انقضى عقد الأمل بإخراج أحياء من تحت الركام، فإنّ الأمل ما زال قائماً بإحياء النازحين ونقلهم إلى دور الإيواء، إلى الدور التي صارت عنوان هجرتهم الجديدة، في بلد سقطت أسقف منازل سكانه، وأسقف أحلامهم، وأسقف آمالهم... وأسقف الحياة كلّها فوق رؤوسهم الطرية.

الناس رفعت صوتها في وجه منظومة الإعلام هذه، لأوّل مرة عام 2011. أولئك المعارضون فقط، وفي السنوات التالية، وفي العامين الأخيرين على وجه الخصوص، حين تداعت منظومة الاقتصاد كاملةً في البلاد، رفعوا صوتهم في وجهها عادّين إياها شريكةً في التعمية على الحقيقة، وأنّ وجودها يخدم السلطة وحسب، واليوم جاء هذا الزلزال ليقول في إحدى خلاصاته: "أبعدوا كاميراتكم عن وجوهنا البائسة ومعاناتنا المريرة... استثمروا بعيداً عن جراحنا".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard