شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"تأثير دراماتيكي"... نتنياهو يحاول شلّ يد المحكمة العليا لكنه يمهّد لمحاكمات دولية لإسرائيليين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 23 فبراير 202310:59 ص

"انقسام عميق للغاية يشق المجتمع الإسرائيلي"، على حد تعبير الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، إزاء خطة "الإصلاح القضائي" المقدّمة من قبل حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية، والتي حثّت واشنطن على "فرملتها". لكن مخاوف المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين الحاليين والسابقين حيالها لا تقل عن القلق الشعبي من "الانقلاب أو الحرب على الديمقراطية الإسرائيلية".

تتمحور مخاوف المسؤولين الإسرائيليين بشكل أساسي حول الأثر المحتمل لـ"إضعاف المنظومة القضائية" في إسرائيل، والمتمثل في توفير الحُجة لمحاكمات دولية بحق قادة عسكريين متورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بموجب القانون الدولي.

يوم الأربعاء 22 شباط/ فبراير 2023، مرّر الكنيست الإسرائيلي مبدئياً مشروع قانون يمنع المحكمة العليا في إسرائيل من التدخل في التعيينات الوزارية، بأغلبية 62 عضواً مقابل 53، ما يمهد لعودة زعيم حزب شاس الديني المتشدد أرييه درعي إلى تولي حقيبتي الداخلية والصحة بعد أن أُجبر على التخلي عنهما قبل بضعة أسابيع بموجب حكم من المحكمة نفسها لإدانته سلفاً بالتهرب الضريبي.

وفي ساعة مبكرة من يوم الثلاثاء 21 شباط/ فبراير، مرّر الكنيست بالقراءة الأولى تعديلين آخرين يعرقلان سلطة المحكمة العليا في مراقبة الكنيست ومنع القوانين التي تمسّ "دستور" إسرائيل، بموافقة 63 عضواً مقابل معارضة 47. بالتزامن، كانت هناك تظاهرات لمئات آلاف المواطنين الإسرائيليين أمام الكنيست وأمام منازل مسؤولي الحكومة وفي الساحات رافضين تضييق سلطات القضاء.

وسط "انقسام عميق للغاية يشق المجتمع الإسرائيلي"... أجهزة أمنية إسرائيلية قلقة من أن يؤدي "الإصلاح القضائي" المزعوم من حكومة نتنياهو وإضعاف المحكمة العليا إلى محاكمات دولية للإسرائيليين المتورطين في جرائم حرب. كيف؟

قال ممثلون للمتظاهرين إن حكومة نتنياهو "أعلنت الحرب على الديمقراطية الإسرائيلية وبالتالي على حقوقنا الأساسية، متابعين "هذه حكومة ذات سمات فاشية تسعى الى تدمير وتخريب النظام الديمقراطي الذي تم انتخابها من خلاله"، ومعتبرين أن الحكومة "فقدت شرعيتها" منذ سعت "لسحق السلطة القضائية وإلغاء الفصل بين السلطات".

في الأثناء، يقول خبراء ومراقبون إن "الإصلاحات" المزعومة التي اقترحها وزير القضاء ياريف ليفين مطلع العام، تؤدي إلى "قلب موازين القوى" في إسرائيل لصالح السياسيين إذ تحدّ من قدرة المحكمة العليا الإسرائيلية على التدخل في سن الكنيست قوانين تتعارض مع قوانين الأساس، التي تُعتبر دستور إسرائيل، أو إصدار أحكام ضد السلطة التنفيذية. كما تغير تركيبة لجنة اختيار القضاة وتمنح الأغلبية للسياسيين للتحكم في الاختيارات.

على الجانب الآخر، يدافع مسؤولو حكومة نتنياهو عن التعديلات القضائية بحجة أنها تعكس الرغبة في الاستماع لأصوات المواطنين، وتمنح "إرادة الشعب" الأفضلية في القرارات المصيرية عبر النواب المنتخبين. 

برغم الانقسام الحاد الذي تسببت به الإصلاحات المزعومة في الشارع الإسرائيلي، أصرّ الائتلاف الحكومي على تنفيذ بعض التعديلات المثيرة للجدل متجاهلاً الاحتجاجات الشعبية التي وصفتها وسائل إعلام إسرائيلية بـ"غير المسبوقة".

وخاطب زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، أعضاء الائتلاف الحكومي في تغريدة على تويتر، بقوله: "التاريخ سيحاسبكم". بينما احتفى نتنياهو بـ"ليلة عظيمة ويوم عظيم" عبر تويتر.

من جهته، عبّر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ عقب التصويت على مشروع القانون عن "شعور حزين يعترينا في يوم صعب"، مشدداً "هناك شعور بالحداد، وليس بالاحتفال. هناك شعور بالحزن لأن العديد من المواطنين من كافة شرائح المجتمع الإسرائيلي الذين صوتوا لهذا الائتلاف ومعهم الكثير من المواطنين يشعرون بالقلق على وحدة الشعب".

وبينما كرر مطالبته بـ"التوقف والتريث" بشأن هذه التعديلات، حثّ هرتسوغ: "يجب أن نبذل قصارى جهدنا حتى يتسنى بعد هذا التصويت الاستمرار في إجراء مفاوضات للوصول إلى مخطط متفق عليه يخرجنا من هذه الفترة الصعبة إلى فترة إصلاح دستوري متفق عليه".

وكان السفير الأمريكي لدى إسرائيل توم نيدس، قد ناشد نتنياهو عبر شبكة "سي أن أن" الأمريكية، التمهّل في إقرار هذه التعديلات: "نقول لرئيس الوزراء كما أقول لأولادي، استعمل المكابح، تمهل، وحاول التوصل إلى التوافق والتقريب بين الأطراف"، معتبراً "الشيء الوحيد الذي يربط بلدينا معاً هو الشعور بالديمقراطية وبأهمية مؤسسات إرساء الديمقراطية".

رعب المسؤولين الأمنيين من المساءلة الدولية

علاوة على المخاوف بشأن "الديمقراطية في إسرائيل"، هناك قلق يكتنف المسؤولين السابقين والحاليين في الأجهزة الأمنية من أن يعرّض إضعاف النظام القضائي المحلي هؤلاء السياسيين والعسكريين المتورطين والمتهمين بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية للمساءلة أمام محاكم دولية.

"انقلاب وحرب على الديمقراطية الإسرائيلية"... تشلّ التعديلات، التي مرّرها الكنيست حتى الآن، يد المحكمة الإسرائيلية العليا عن مراقبة الكنيست والتدخل في التعيينات الوزارية أو محاولات تشريع قوانين مخالفة لـ"الدستور" الإسرائيلي

تنص المادة 18 من نظام روما الأساسي، المنظمة لعمل المحكمة الجنائية الدولية، على ألّا يحقق المدعي العام للمحكمة في شبهات ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب والعدوان، إذا كان الجهاز القضائي في الدولة المعنية "مستقلاً ومهنياً" وقادراً على ممارسة الرقابة الحقيقية على السلطتين التنفيذية والتشريعية.

تبعاً لذلك، فإن المساس باستقلالية وسلطات المحكمة الإسرائيلية العليا، لدى تطبيق خطة التعديلات الحكومية، يمنح محكمة لاهاي الحق في إقامة دعاوى ضد الجنود والمسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين لدى تقديم دعاوى ضدهم في جرائم حرب أو ما شابه. حتى الآن، رُفضت الدعاوى المقدمة ضد ضباط ومسؤولين عسكريين إسرائيليين في أوروبا بسبب مزاعم الجيش الإسرائيلي بأنه يحقق في أي اعتداء أو حادثة تُسفر عن ضحايا، علاوة على خضوعه لرقابة المحكمة العليا.

لعل هذا ما دفع أجهزة أمنية إسرائيلية، بما فيها الموساد (المخابرات الإسرائيلية) الشاباك (جهاز الأمن العام الإسرائيلي) والنيابة العسكرية، وخبراء في القانون الدولي بوزارة القضاء الإسرائيلية، إلى إطلاق تحذيرات من خطورة تمرير "الإصلاحات القضائية" المزعومة.

أفادت هيئة البث الإسرائيلي العام (كان 11)، مساء الثلاثاء، بأن المستشارين القضائيين للموساد والشاباك والمدعية العامة العسكرية للجيش الإسرائيلي والنيابة العسكرية الإسرائيلية زادت من حدة تحذيراتها من هذه القوانين المقترحة بحق المحكمة العليا المعترف بها دولياً كهيئة مستقلة تُعد "درعاً واقية للجيش الإسرائيلي ضد التدخل الخارجي".

في وقت سابق من هذا الشهر، حذّر يوآف سيغالوفيتش، عضو الكنيست عن حزب "ييش عتيد" وهو ضابط سابق، خلال اجتماع لجنة القانون والدستور، من أن التعديلات الحكومية سيكون لها "تأثير دراماتيكي على ما يحدث في يهودا والسامرة (مصطلح إسرائيلي يُشير إلى الضفة الغربية المحتلة) وعلى الدفاع عن رجال أمن إسرائيليين أمام إجراءات في المحاكم الدولية".

في غضون ذلك، ناشد أكثر من 450 من قدامى الضباط والموظفين في قطاع المخابرات الإسرائيلي الرئيس الأسبق للجهاز آنيا آفي ديختر، ألا يدّخر جهداً في معارضة ما وصفوه بـ"الثورة على القضاء" والمساس بـ"المؤسسات الديمقراطية" في إسرائيل.

وورد في رسالتهم الموحدة: "نحن أهل الظل الذين كبرنا على أهمية شأن الدولة الرسمية والتواضع وضبط السلطة نجد صعوبة في البقاء في الظل والوقوف جانباً في مواجهة الأحداث التي تهز المجتمع الإسرائيلي هذه الأيام. من منظورنا، فإن التعديلات القضائية الهادفة إلى إضعاف السلطة القضائية هي بمثابة انقلاب على طبيعة وأولويات النظام الديمقراطي".

"سبب كافٍ للتوجه قضائياً إلى محافل دولية أُخرى نطالب فيها بمحاكمة الجناة كأداة مكملّة للأدوات التي غدت معدومة بالنظام القضائي الإسرائيلي"... كيف قد يؤثر تقويض السلطة القضائية في إسرائيل على الفلسطينيين؟

كيف يؤثّر ذلك على الفلسطينيين؟

في إجابة عن سؤال حول أثر تقييد سلطة المحكمة الإسرائيلية العليا على الفلسطينيين، توضّح المحامية الفلسطينية عبير بكر أن المحكمة "لم تتدخل فعلياً سوى ست مرات في قوانين تُعنى بالفلسطينيين ولم تحقق استفادة إلا في قرار واحد فقط على أرض الواقع يصب في المجال الاقتصادي الاجتماعي، وقد أفاد بالأساس الطبقة الفقيرة بالمجتمع اليهودي الإسرائيلي".

في المقابل، لم تتدخل المحكمة في العديد من القوانين والتشريعات العنصرية التي تستهدف الفلسطينيين مباشرةً، على سبيل المثال للحصر إحجام المحكمة عن التدخل مرتين لإبطال قانون منع لم شمل الأزواج الفلسطينيّة العنصري، حسبما تقول المحامية الفلسطينية لرصيف22.

مع ذلك، تعتبر بكر لجم مساحة المحكمة العليا عن التدخل في أية قوانين عنصرية أو تمييزية أو تعسفية وانتقامية تجاه الفلسطينيين - كما تخطط وتسعى حكومة نتنياهو راهناً- مقلق، لأنه يجعل عدم إمكانية استفادة الفلسطينيين في أي قضية، ما يعني أن أي إجراء قانوني سيتخذه الفلسطينيون مستقبلاً سيكون شكلياً ولإعلان موقف لا أكثر.

لم تتدخل المحكمة في العديد من القوانين والتشريعات العنصرية التي تستهدف الفلسطينيين مباشرةً، على سبيل المثال للحصر إحجام المحكمة عن التدخل مرتين لإبطال قانون منع لم شمل الأزواج الفلسطينيّة العنصري.

تضيف بكر: "عندها سنفترض مسبقاً أننا ماضون إلى المحكمة كإعلان عن موقف فقط وإشغال المحكمة بالموضوع كي تقوم بإصدار قرار معروفة نتيجته سلفاً، تكمن أهميته فقط بأرشفته تاريخياً للأجيال القادمة دليلاً على عدم تماهي الفلسطينيين مع قوانين مجحفة" .

تبعاً لذلك، تتوقع المحامية الفلسطينية أن تفتح المرحلة المقبلة أمام الفلسطينيين "تحديّات على مستويين: الأول تعزيز الإيمان بقوتنا السياسيّة وتكثيف الاحتجاج الجماهيري عوضاً عن الاحتجاج القانونيّ الذي طالما فضّلنا اعتماده لسهولته وعدم جلبه ‘المتاعب‘".

"أما الاستفادة الثانية، فستكون على مستوى استخدام ناجع ومدروس أكثر للآليّات القضائيّة الدوليّة. ففي حين استطعنا بالماضي اللجوء للمحاكم مع توقّعات نجاح. فاليوم نحن حيال مرحلة مع صفر توقعات نجاح، ليس بناء على تخمينات وتقديرات بل بسبب قوانين قد توضع وتحرمنا اللجوء للمحاكم كتلك التي تنوي منع إمكانية إثارة أي موضوع دستوري على يد مؤسسات وليس على يد الفرد المتضرر"، تردف.

وتلفت بكر إلى أن اقتراحات كالتي جاء بها وزير الأمن القومي المتطرف، إيتمار بن غفير، لإعفاء الجنود من المساءلة الجنائيّة في مقتل أي فلسطينيّ ولو كان أعزل تُمنع المحكمة العليا مسبقاً من التدخل فيها صلاحيتها أو لعدم وجود أغلبية لإبطال القانون، هي "سبب كاف للتوجه قضائياً إلى محافل دولية أُخرى نطالب فيها بمحاكمة الجناة كأداة مكملّة للأدوات التي غدت معدومة بالنظام القضائي الإسرائيلي".

من الأمثلة على العوامل التي قد تدعم حق الفلسطينيين في البحث عن العدالة القانونية خارج النظام القضائي الإسرائيلي، بحسب المحامية الفلسطينية، "أن وثائق الائتلاف الحكومي التي تم التوقيع عليها كشرط لتأدية اليمين الدستورية للحكومة الحاليّة تضمنت بنوداً عديدة تُستدل منها النيّة الصّريحة لمأسسة نظام فصل عنصري عرقي في حدود البلاد ومأسسة عقوبات جنائيّة خاصّة للفلسطينيّين تشمل عقوبة الإعدام وقوننة ضم الأراضي الفلسطينيّة المحتلة".

وتشدد بكر على أن "القراءة المعمقة للبنود التي اتفقت عليها أحزاب الائتلاف الحكومي لا تترك أي مجال للشك بأن الحديث عن قوانين تمأسس نظام فصل عنصري المعرّف بمعاهدات دولية كجريمة ضد الإنسانية"، مستدركةً "إن كانت النيّة لتنفيذ جرائم جنائيّة ضد الفلسطينيين معلنة ونحو القوننة وجب علينا التصدّي لها تماماً كما نتصدّى لأي جريمة نرى المجرم عازماً على تنفيذها. وبما أننا لن نستطيع أن نشتكي المجرم لأهل بيته لأنه غيّب أيضاً وجود أي رقيب عليه، فلا مجال لنا إلا اللجوء إلى رقيب أعلى، مطالبين بمنع المجرم من التقدم بتنفيذ خططه ومحاكمته في المرحلة الحاليّة على جرأته بالتخطيط للقيام بجرائم جنائية كجرائم الحرب المتمثلة بالضم والإعدامات والانفلات من المحاسبة وجرائم الأبارتهايد" بحق المواطنين الفلسطينيين.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard