شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
مركز قرية

مركز قرية "جروان" الثقافي... مبادرة فرديّة لسدّ غياب الدولة المصريّة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

 تصوير: محمود الخواص
أعرف معنى مركزية القاهرة بسبب نشأتي في قرية، 21 عاماً، ولمّا أزل أعيش في أحد أقاليم الدلتا التي تغيب عنها الأنشطة الثقافية والفنية، والتنموية أيضاً، خاصة في المناطق الريفية.

في الريف تعتبر الخدمات الأساسية التي ندفع مقابلها ضرائب أحلاماً، بينما يقول الإعلام الرسمي إن تحقيق جودة الحياة في الريف هدف وضعته مبادرات الدولة على رأس أولوياتها. بعد ثورة 25 يناير، نشطت بعض المحافظات ثقافياً، لكنها كانت مبادرات فردية، أشعلتها حالة الزخم الثوري، وسرعان ما انطفأت، خاصة مع عزوف أهل المركز "القاهرة" عن المشاركة في الأنشطة الثقافية التي تُقام بعيداً عن الحواضر الكبرى. لكن نسب حضور الفعاليات الثقافية والفنية النادرة في الأقاليم تؤكد أن الناس تتوق إلى أي مُتنفس ومساحة حرة. 

في مواجهة هذا التهميش المستمر سواء على المستوى الرسمي أو المدني، تنفرد مبادرة بطلتها الشابة الريفية آيات عبد الدايم، بقدرتها على استخدام المركز من دون التورط في البقاء على هامشه، عبر مشروعها "مركز جروان الثقافي" الواقع في القرية التي تحمل الاسم نفسه في مركز الباجور في محافظة المنوفية. وهي تمكنت بعد شهور طويلة من العمل القائم على الجهود الذاتية وتطوع أبناء القرية من أن تجعل من مركز قرية جروان قبلة تتوجه إليها أنظار المؤسسات الرسمية للدولة اتي باتت تسعى للتعاون معها، وتوفير الخدمات الثقافية لأبناء قريتها عبر مركزها الثقافي.

من المنوفية

تنفرد محافظة المنوفية بين محافظات الدلتا بنصيب جيد من الثروة وارتفاع معدلات التعليم والاهتمام بتوفير الخدمات الأساسية، إذ انشغل بها الرئيس الأسبق محمد أنور السادات ومن بعده خلفه محمد حسني مبارك الذي كان معظم رموز حكمه ينتمون أيضاً للمحافظة نفسها. لكن الاهتمام ظل مقتصراً على مراكز وقرى بعينها، فقط لأن وزيراً أو مسؤولاً ما ينتمي إلى تلك القرية، أما سواها من قرى المحافظة فتلقت نصيباً من الإهمال والتهميش لا يقل عن أية قرية مصرية أخرى.

أصبح مركز جروان الثقافي أكبر من مجرد مكتبة لاستعارة الكتب، بعد أن نشط شباب وفتيات القرية ممن نالوا نصيباً عالياً من التعليم في إقامة الأنشطة الثقافية والترفيهية المجانية لخدمة أطفال وأهالي القرية

قرية جروان كانت لبعض الوقت من القرى المحظوظة في الحصول على مد من الخدمات الأساسية كونها القرية التي ينتمي إليها رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري، لكن الثقافة لم تكن يوماً من الخدمات الاساسية في نظر الدولة، فظلت البلدة من دون مكتبات عامة أو مراكز ثقافية حتى أسست آيات عبد الدايم مشروعها مستعينة بمدخراتها وتبرعات صغيرة جمعتها من أطفال القرية وبعض أقاربها ممن شجعوها على الفكرة، قبل أن يلتفت أهل القرية إلى ما تقدمه لأولادهم وبناتهم، فيكبر المركز تدريجياً ليصبح "مركز جروان الثقافي" هو أشهر معالم القرية.

يحتل المركز مبنى متواضعاً، يلعب أمامه أطفال وطفلات كرة القدم، وبالجوار وحدة صحية، ومبنى متهالك، كان حضانة أطفال في السابق لكنها أغلقت. بداخل المركز كثير من الصبية والفتيات يقومون بالرسم، وبعض الأمهات يجلسن في الانتظار. وعلى الحائط عُلقت رسومات الأطفال.

المركز عبارة عن غرفتين فقط، بالداخل رفوف خشبية، مصفوف عليها الكثير من الكتب تبرع بها بعض الكتّاب والكاتبات ودور النشر، يستعير منها الأطفال والأهالي الكتب بالمجان، بينما عُلقت على الحائط صورة رفاعة الطهطاوي. 

مساحة عامة

تفتقر قرية جروان كمعظم القرى المصرية إلى ساحات عامة، ينطلق الأطفال في شوارع القُرى المغبرة للعب إن كانوا محظوظين في إيجاد شوارع تقل فيها حركة السيارات. لهذا أصبح مركز جروان الثقافي أكبر من مجرد مكتبة لاستعارة الكتب، بعد أن نشط شباب وفتيات القرية ممن نالوا نصيباً عالياً من التعليم في إقامة الأنشطة الثقافية والترفيهية المجانية لخدمة أطفال وأهالي القرية.


 هل تذكر متى أمسكت برواية لأول مرة في حياتك؟ بسبب المركز أمسكت أمهات في مرحلة الثلاثين من العمر بكتب غير الكتب الدراسية لأول مرة في حياتهن: رواية، أو مجموعة شعرية، التقطنها من أبنائهن. فتحت لهن الروايات آفاقاً أرحب، لم تعد الأمهات يتمنين أن يدرس الأبناء الطب أو الصيدلة، بل صرن ينظرن بإجلال إلى احتراف الشعر أو الصحافة. منهن نسرين محمد ذات الأربعين عاماً، ربة منزل متعلمة، تشعر أنها ولدت من جديد مع هذا المركز، فقد كانت تحب القراءة في صغرها، وكاتب تكتب الخواطر والقصص، لكنها انقطعت عن القراءة والكتابة بسبب الزواج والإنجاب وظروف الحياة. تقول نسرين: "عرفت المركز عن طريق فيسبوك، رغم أني أعيش في القرية ذاتها، لكني منعزلة اجتماعياً". عرفت نسرين الروايات، والقصص، عن طريق المركز وأخذت تستعير منها لنفسها، وتقرأ مع أبنائها. من المركز أيضاً عرف بعض الشباب من خريجين الدبلومات الفنية عن طريق إخوتهم الصغار لأول مرة معنى ديوان شعر، أو رواية. 

صاحبة الفكرة

آيات عبد الدايم مؤسسة المركز، لم يتخط عمرها الثلاثين، تُعرّف نفسها على أنها ريفية، وتهتم كثيراً بقضايا الريف. تقول آيات إنها أسست المركز من تبرعات الأطفال "منهم من تبرع بخمسة جنيهات أو ستة"، وساعدها أيضاً أهل القرية.

حلمت آيات بفكرة المركز منذ سنوات، بسبب غياب الكيانات الثقافية، وحرمان القرى من أي نشاط ثقافي أو فني، تقول لرصيف22 إن "نسبة 85% من استهلاك الثقافة تحدث في القاهرة والإسكندرية".

أول ما سأل الأهالي عنه في المركز هو توافر فرص عمل، من هنا فكرت آيات في إقامة مشروع للحرف لربات المنازل اللواتي يصعب أن يعملن خارج القرية بسبب أدوارهن الاجتماعية، ويصحب المشروع برنامج توعوي وتثقيفي لاستضافة أطفال السيدات، وتسويق منتجاتهن

ولا تنسى أول مرة حضرت فيلماً في السينما في حياتها، كانت في عمر الخامسة والعشرين، في سينما "زاوية" التي تعنى بالأفلام المستقلة والسينما البديلة، وتقع في وسط القاهرة، انتظرت آيات ساعتين لتحضر الفيلم، وكادت تفوّت العرض، لأنها كانت وحيدة في الصالة، انتظرت حتى أتت فتاتان ليُعرض الفيلم، وبالرغم من أنها تجربة مثيرة، كانت مؤلمة لها، فقد سافرت لمدة ساعتين ذهاباً، وساعتين رجوعاً، ومكثت ساعتين منتظرة حتى تحضر الفيلم، يجيء ذلك مع انخفاض أعداد السينمات في المحافظات، وتحول الكثير منها إلى قاعات أفراح. تمنت آيات لو كانت قريتها تحوي دار عرض سينمائية. أما عن الوصول للكتاب المطبوع في قريتها بالمنوفية، فقد كان دوماً أمراً عسيراً، يحتم عليها الذهاب إلى مصدر وحيد هو "كشك الجرائد" لتسأل البائع عن كتاب، فيطلب منها الانتظار حتى يبحث عنه، بعدها قد ينجح في الحصول عليه أو لا، أو يجلب لها نسخة مزوة

تتذكر آيات أيضاً أنها اشترت أول كتاب في حياتها وهي في عامها الثاني بالجامعة، من مصروفها الشخصي. وحتى لا تتعرض الأجيال الصغيرة لكل هذه الصعوبات فقط من أجل الحصول على كتاب، أسست هذا المركز الذي جعلهم يتعرفون على وسائط فنية عدة، مسرح، وكتاب، وسينما بعدما جاءها هدية "بروجكتور".

الالتحاق بالمدارس في مصر لا يعني بالضرورة القدرة على القراءة والكتابة، وهي ظاهرة لافتة لاهتمام المؤسسات الدولية وعلى رأسها البنك الدولي الذي شهد في تقرير حديث له أن التعليم في مصر لا يقدم مخرجات حقيقية للمنخرطين فيه.

عندما لاحظت آيات ذلك، بدأت مع المتطوعين والمتطوعات في تنظيم جلسات لمساعدة الأطفال من مرتادي المركز على تعلم القراءة، ساعدها في ذلك أن المركز يعمل قانونياً تحت مظلة جمعية تنمية المجتمع المحلي بالقرية، ما ساهم في توفير المقر، وإطاره القانوني.

من المنخرطين تطوعاً في نشاط المركز سلمى ذات الأربعة عشر عاماً، وآية وعبد السميع وروضة، كلهم يساعدون الأطفال في القراءة، وفرز الكتب التي يتلقاها المركز على سبيل التبرع، ويساعدون في تنسيق الأنشطة

خدمة متكاملة

أول ما سأل الأهالي عنه في المركز هو توافر فرص عمل، من هنا فكرت آيات في إقامة مشروع للحرف لربات المنازل اللواتي يصعب أن يعملن خارج القرية بسبب أدوارهن الاجتماعية، يقمن باستخدام النول لإنتاج "الكليم"، ويصحب المشروع برنامج توعوي وتثقيفي لاستضافة أطفال السيدات، وتسويق منتجاتهن لتوفير الدخل لهن.

يشارك آيات في المركز فريق قائم على التطوع من أهالي القرية، منهم علي - 23 سنة- الذي يدرس في كلية دار العلوم، ويحب المسرح والفن، والتحق بمسرح الجامعة، ويشارك في عدة فرق مسرحية. أحب علي فكرة توصيل الفن للناس في بلدته، وتعليم الأطفال كلمة مسرح، وجعلهم يعبرون عن مشاعرهم، ويشتركون في انتاج مسرحية.

 من المنخرطين تطوعاً في نشاط المركز سلمى ذات الأربعة عشر عاماً، وآية وعبد السميع وروضة، كلهم  يساعدون الأطفال في القراءة، وفرز الكتب التي يتلقاها المركز من أفراد ودور نشر ومؤسسات حكومية وأهلية على سبيل التبرع، ويساعدون في تنسيق الأنشطة.

ردود أفعال معظم أهالي القرية جاءت إيجابية، وداعمة، فقد انبهروا بالفكرة، ولم يمانعوا بذهاب بناتهم لاستعارة الكتب، والرسم، فمعظم مرتادي المركز من الفتيات، آيات أيضاً توعي الفتيات ضد التحرش.

قصة المركز على الرغم من أنها تبعث على الأمل في مستقبل أفضل للأجيال الجديدة، تثير التساؤل حول استمرار انسحاب الدولة من أدوارها، خاصة في مجالات التعليم والصحة والثقافة التي لا تعدها نظم الإدارة في مصر خدمة أساسية.


إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard