شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"الحب للغيريين/ات والماء العذب للأغنياء"...  عن مخاض نضال كويري في رحم المجتمع المغربي

"الحب للغيريين/ات والماء العذب للأغنياء"... عن مخاض نضال كويري في رحم المجتمع المغربي

حياة نحن والميم-عين

الأربعاء 25 يناير 202303:30 م

تندرج هذه المقالة ضمن "طيف22"، وهو مشروع مخصص لالقاء الضوء على التنوعات والاختلافات الجنسانية والجندرية والجسدية في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يشارك فيه صحفيون وصحفيات، ناشطون وناشطات وأفراد من مجتمع الميم-عين أو داعمون لهم/نّ، ليكون مساحة للتعبير بحرية عن مختلف المواضيع المتعلقة بالتوجّهات الجنسية والجندرية والصحّة الجنسية، بغرض كسر التابو والحديث بموضوعية عن هذه المسائل الشائكة.

يسكن رُحل على حدود إقليم فكيك شرق المغرب، معروفون/ات بمعاناتهم/ن من شحّ المياه وقلّة العلف لبهائمهم/ن. عمِلتُ على تحقيق حول تأثير الاحتباس الحراري على وضعهم/نّ المعيشي، إلّا أنّه كان من الصعب عليّ الوصول إلى النساء الرحّل والتعرّف إلى تأثير العوامل البيئية عليهنّ، ربما لأن بعض الرجال اعتادوا على النطق رسمياً بكلّ القضايا (التنظير الذكوري).

ومع أنني لمست معاناة الرجال كما النساء خلال هذا البحث الميداني (وإن لم تُتِحْ لي كثير من الفرص لاستجوابهنّ)، كان هناك سؤال يلازمني طوال الوقت: كيف يؤثّر الاحتباس الحراري على النساء بشكل عام وعلى النساء العابرات وعلى مجتمع الميم-عين في هذه المنطقة من المغرب وفي المغرب برمّته؟

عندما طرحت السؤال في محيطي لاقى كثيراً من السخرية والتحفّظ: هل المجتمع المغربي جاهز لنقاش الجندر والبيئة في آنٍ واحد؟

جاءت الإجابة على لسان إبراهيم (اسم مستعار)، وهو من الرُحل الذي يعمل نادلاً في مطعم في مدينة بوعرفة، عاصمة إقليم فكيك، التي يلجأ إليها بعض رحل منطقة بني كيل للاستقرار عندما تزداد أوضاع العيش سوءاً، وكان قد ترك عائلته لأسباب شخصية، حسب ما قال، ليستقر بحيّ لاحونا (رمونا) الذي يقطنه غالبية الرحل اللاجئون من بني كيل.

لا مكان للحب والجنس

قال إبراهيم لرصيف22 أن الدار البيضاء سنحت له بالتعرف إلى نفسه، عن هويته وماهيّته: "كانت الدار البيضاء بالنسبة لي ولادة جديدة، على الرغم من صعوبة ظروف المعيشة، التقيت أشخاصاً يشبهونني، كنت أذهب كل مساء إلى حمام جماعي، أقضي فيه أوقاتاً لم يخطر ببالي يوماً أن أعيشها".

نشأ إبراهيم في عائلة رُحل قادمة من إقليم الرشيدية واستقرت في بوعرفة، عائلة فقيرة نجحت في توفير تعليم ابتدائي لأطفالها من دون أي مساعدة اجتماعية من الدولة.

"في خيمتنا لا مكان للحبّ والجنس. فشحّ المياه والمال تجعل هذه المواضيع تافهة وممنوعة. للجنس والحب طريق واحد هو الزواج وإنشاء خيمة منفردة تجمع رجلاً وامرأة لإنجاب أطفال. لا مكان لشيء آخر"

لابراهيم عشرات الإخوة من أمه وأبيه، منهم من لم يلتقيهم يوماً بحكم استقرارهم في مناطق أخرى في المغرب وخارجه.

بعد التعليم الابتدائي قرر إبراهيم الرحيل، وأخد مساره كرحال، توجه إلى بوعرفة حيث اشتغل حمّال بضائع في السوق ليجمع بعض المال ويتوجه إلى الدار البيضاء.

"أشخاص يشبهونني"، هكذا عرّف إبراهيم على ميوله الجنسية المثلية وهوية مجتمعه، وإن كان من الصعب التطرّق إلى الجندر والجنسانية، فقد استطاع كسر الحاجز بهذه الكلمة، وتابع بالقول: "في خيمتنا لا مكان للحبّ والجنس. فشحّ المياه والمال تجعل هذه المواضيع تافهة وممنوعة. للجنس والحب طريق واحد هو الزواج وإنشاء خيمة منفردة تجمع رجلاً وامرأة لإنجاب أطفال. لا مكان لشيء آخر".

أوضح إبراهيم أنه في مراهقته وبداية شبابه كان يحمل الكثير من البغض والكره لعائلته ووضعه الاجتماعي، ليفهم مع الوقت أن واقعه يرتبط بأشياء أخرى أكبر من ذلك: "كيف لأناس همهم الوحيد إن كانوا سيوفرون الماء لبهائمهم وأسرهم، أن يفكّروا في جنسانيتهم؟".

بالنسبة لإبراهيم، إن كان الوضع البيئي للمنطقة قد حرمه من اكتشاف ميوله الجنسية في مسقط رأسه، فالسفر والتجوال ما بين الدار البيضاء، مراكش ومكناس سمحوا له بذلك.

تعرف إبراهيم على مجموعة من الشابات والشباب نجحوا في خلق فضاءات آمنة لهم/نّ في خضم الفقر الأمني والبيئي والسياسي والاقتصادي الذي تعرفه منطقة بوعرفة.

الماء للأغنياء والغيريين/ات

سارة (اسم مستعار) هي شابة عشرينية من أصل رُحل، لم تقطن بالخيم يوماً، لكن أصلها يلاحقها حتى في المدينة. في بوعرفة، وإن لم تكن رحالاً يوماً، يناديك الناس بذلك، فقط لأن أهلك بالأصل رحل. هكذا أخبرت سارة رصيف22، عائلتها من عاشت حياة الرحل، وعندما قدموا الى المدينة استقروا واستقرت معهم مجموعة من الأحكام المسبقة عن طريقة عيشهم.

يضاف إلى كون سارة من رحل المنطقة، أنها امرأة عابرة، لا يفقه أهل مدينتها بل أهلها عن هويتها شيئاً. تحكي سارة بأن وضعها كامرأة عابرة في مجتمع تقليدي محافظ هو حتماً صعب، فكيف إن ازداد على ذلك الفقر والوضع البيئي المزدري؟

تشعر سارة بأنها عبء على العائلة حتى في أكثر الأمور بساطة: استخدام الماء الصالح للشرب، فشرحت ذلك بالقول: "تنحصر مكانتي بالعائلة في القيام بالأعمال المنزلية والذهاب صباحاً لجلب الماء الذي لا يسمح لي باستعماله إلا بعد أن يقضي باقي أفراد الأسرة حوائجهم".

اعتبرت سارة بأن الحب والماء العذب لم يخلق للنساء العابرات واسترجعت سؤالي قائلة: "الحب للغيريين/ات والماء العذب للأغنياء. أنا أريد الذهاب إلى مدينة مراكش، جنة المثليين/ات".

"كيف لأناس همهم الوحيد إن كانوا سيوفرون الماء لبهائمهم وأسرهم، أن يفكّروا في جنسانيتهم؟"

لمهدي (اسم مستعار)، الشاب ذو الأربع والعشرين عاماً قصّة أخرى تختلف عن باقي أصدقائه المثليين. فبعد هجرة أكبر إخوته إلى إسبانيا، استطاع وإخوته الرحيل من خيم "بني كيل" والاستقرار في مدينة بوعرفة، لكن الرحيل لم يمحُ آثار السنين المعاشة في أوضاع اجتماعية صعبة تمنعه حتى من عيش قصص حميمية على حد قوله.

لم يكن يعرف مهدي قبل أن يستقر في مدينة بوعرفة أن أسنانه الصفراء المائلة إلى السواد بسبب المياه الملوّثة ستكون سبباً للوصم والتمييز الذي سيتعرض له بين أصحابه وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وفق ما أخبر رصيف22: "أسناني هي ربّما أكثر شيء يذكرني ويذكر كل من يراني من أين أتيت، من أي ماء شربت وفي أي ركن من العالم كبرت".

أكبر أحلام مهدي هي الهجرة إلى فرنسا وتحديداً باريس التي لم يتعرف عليها يوماً إلاّ من خلال "ديدي" الذي جاء سائحاً إلى عالم الرحل، فأشفق على ما آلت له أسنانه من كثرة استهلاك الماء الملوث في المنطقة فوعده بمساعدة على الرحيل، لم تتحقق بعد.

كل شباب/شابات المنطقة ينتظرون الرحيل بعيداً من الاحتباس الحراري والمادي، بعيداً من الهيمنة الذكورية. هناك من ت/يحلم بالرحيل إلى وجدة، أقرب مدينة شرق المغرب ليتوفر له/ها بعض من الاستقرار المادي أو دبلوماً محترماً ينقله/ها إلى مكان ت/يشرب فيه ماءً عذباً وهناك من ت/يحلم بباريس وحب أبيض ينتشله/ا من عنق المعاناة من درجات الحرارة العالية.

"الحب للغيريين/ات والماء العذب للأغنياء. أنا أريد الذهاب إلى مدينة مراكش، جنة المثليين/ات"

على الضفة الأخرى من المغرب، ذلك المغرب الآخر المُسمّى بالمغرب النافع، ناشطين/ات من مجتمع الميم-عين الذين واللواتي يأخذون/ن القضية على محمل الجد، بل على محمل شخصي فقلصوا/ن من استهلاكهم/نّ للماء واللحوم والطاقة، وإن كان لهم/نّ امتيازات تجعلهم/نّ ينعمون/ن بحياة أقل عناءً من سكان الجنوب الشرقي للمغرب.

من فكيك إلى الصحراء مروراً بطنجة والدار البيضاء، هناك شابات وشباب نسويات/ون وكويريون/ات اختاروا/ن البيئة فقلّصوا/ن استهلاكهم/نّ للطاقة والماء، وآخرون لم يختاروا/ن وتجاربهم/نّ الشخصية هي من جعلتهم/نّ يدركون/ن بتقاطعية الاحتباس الحراري والاضطهاد الممنهج. فمتى يلتقي إبراهيم وسارة ومهدي بمناضلي/مناضلات مجتمع الميم-عين ليؤسّسوا أول لبنة لحركة تناضل من أجل مغرب أقل تلوثاً وظلماً للنساء ومجتمع الميم-عين؟ 

هذا المشروع بالتعاون مع Outright Action International.

لكل إنسان الحق في الحياة. لا يسعنا سوى تقبّل اختلافاتنا والبناء عليها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

الأفراد في مجتمعاتنا مختلفون/ ات، ومتنوعون/ ات، وكي نبني مجتمعات كريمةً وعادلةً، لا يسعنا سوى تقبّل هذا الاختلاف والبناء عليه، واحترام قيمة الإنسان في الدرجة الأولى. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فهي جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard