ترهيب مجتمع الميم-عين في لبنان مستمر... ظلم وقمع بأدوات متعددة

الجمعة 23 يوليو 202105:25 م
Read in English:

Intimidating the LGBT Community in Lebanon … Injustice and Oppression through Multiple Tools

تندرج هذه المقالة ضمن مشروع "رصيف بالألوان"، وهي مساحة مخصّصة لناشطين وناشطات وأفراد من مجتمع الميم-عين أو داعمين لهم/نّ، للتحدّث بحرية ودون أي قيود عن مختلف التوجّهات الجنسية والجندرية والصحّة الجنسية، للمساهمة في نشر الوعي العلمي والثقافي بقضايا النوع الاجتماعي، بمقاربات مبتكرة وشاملة في آن معاً.

إلى يومنا هذا، ما يزال في لبنان من يحاول أن يحيا بصمت في الظل خوفاً من ترهيب السلطة وأجهزتها الأمنية و"ميليشياتها".

وإن رفع الكثير من أفراد مجتمع الميم-عين أصواتهم/ن خلال انتفاضة تشرين 2019، إلا أن قمع وترهيب هذا الصوت مستمر.

"الكبت السياسي"... تعذيب للعابرين والعابرات

عندما تشتدّ الأزمات السياسية في البلاد، تتجنّب روري، وهي عابرة جنسياً، أن تطرح رأيها، لإدراكها بأنها معرّضة للخطر في لبنان ويسهل استهدافها والاعتداء عليها، نتيجة التمييز والتهميش الذي يتعرّض له العابرون والعابرات جنسياً وغيرهم/نّ من أفراد المجتمع الكويري.

في حديثها إلى رصيف 22، تشير روري (28 عاماً) إلى الأثر السلبي لما تصفه بالكبت السياسي والاجتماعي على هذه الفئة من الناس: "كثيرون مثلي يخافون من التعبير عن آرائهم بسبب الضغوطات السياسية والدينية. فعندما لا تتمكنين من أن تكوني نفسك داخل منزلك وبين أهلك وفي المجتمع، وتخافين التعرّض لاعتداء بينما ترغبين بإبداء رأيك بشكل علني وتعجزين، يؤثر ذلك بشكل سلبي على نفسيتك وعلى تعاملك مع العائلة والمجتمع".

وتؤكد روري أنه، ونتيجة لذلك، يعتاد الفرد على الاحتفاظ برأيه لنفسه ولا يجرؤ على التعبير عنه، فيفقد الطمأنينة والأمان وينزوي لشعوره بالوحدة وغياب من يفهمه.

هو عذاب نفسي إذن، يسببه القمع السياسي لهذه الفئة.

"نحن نتربى ألا يكون لنا صوت وأنه علينا فقط أن نتوخَّى الحذر. نشعر بوجوب أن نبقى صامتين كي لا يتعرّض لنا أحد. فأن يكون لدينا صوت إن كنا ننتمي لأي أقلية مهمّشة أمر يتطلب بذل جهد لاكتسابه"

وخلال الانتفاضة التي اعتُبرت مساحة تعبير لأفراد مجتمع الميم-عين، كانت روري في بداية رحلة عبورها الجنسي، فحاولت المشاركة قدر المستطاع في الاحتجاجات، لكن الخوف رافقها في تلك الفترة بسبب كثافة انتشار الأجهزة الأمنية على الأرض وبين المتظاهرين/ات وشنّها حملات اعتقال.

هذا الأمر أقلق روري، خشية ما يمكن أن تتعرّض له كعابرة في حال اعتُقلت، بحيث تُعرف الأجهزة الأمنية اللبنانية بمعاداتها لأفراد مجتمع الميم-عين، وانتهاك حقوقهم/نّ بعد اعتقالهم/نّ والاعتداء عليهم/نّ، وخصوصاً على العابرين والعابرات.

وحتى في الأيام العادية، وفيما يجرؤ الكثير من المواطنين والمواطنات على إبداء رأيهم/نّ، كشفت روري أنها تتجنّب استخدام تعابير مستفزة خلال تعليقاتها السياسية حرصاً على أمنها الشخصي: "ردود الفعل لن تكون تجاه شخص انتقد زعيم على وسائل التواصل الاجتماعي، بل ستتحوّل القضية لكوني عابرة، وقد تحصل أمور عدة".

وتابعت بالقول: "خلال سيري على الطريق، أفكر أنني قد أتعرّض للضرب أو الاختطاف في حال كُشفت هويتي. لذا أحاول أن أكون دبلوماسية عند التطرق للمواضيع السياسية حرصاً على سلامتي. وعندما يتأزم الوضع السياسي والأمني أتحفّظ عن المجاهرة بآرائي".

هذا وتحدّثت روري عن المراقبة الإلكترونية بخاصة لأفراد المجتمع الكويري: "في الآونة الأخيرة، بتّ أشعر أننا في لبنان مراقبون/ات عبر وسائل التواصل بانتظار أن ننبس بكلمة. فكل يوم يتم استدعاء ناشطين/ات من قبل أحد أجهزة أو الاعتداء عليهم/نّ من قبل مناصري الأحزاب".

كل هذا القمع والخوف لا يجعلان روري تفكر بإمكانية أن يحصل أفراد من مجتمع الميم-عين، وتحديداً العابرين والعابرات، على أي تمثيل سياسي أو مناصب في الدولة أو في القضاء والمحاماة.

الهوية الجندرية كتحدّ سياسي

يتعرّض العديد من أفراد مجتمع الميم-عين في لبنان للقمع والممارسات المجحفة لإسكاتهم ومنعهم من التعبير عن رأيهم.

في هذا الصدد، تحدّث الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، لرصيف 22، عن محاولات القمع التي تعرّض لها لإسكاته ومنعه من إعلان رأيه المعارض للسلطة السياسية، موضحاً أنه كلما عبّر عن رأي في الجامعة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كان يتعرّض لحملات تنمّر وهجمات تصوّب على ميوله الجنسية بدل محاورته بالشأن السياسي.

محاولات القمع هذه لدفعه للانكفاء عن العمل السياسي، حثّت الناشط على إشهار مثليته كـ"تحدٍّ سياسي وجزء من معركته مع النظام"، على حدّ تعبيره، لكن الأمر لم يكن سهلاً، خصوصاً وأنه أدرك المخاطر الناجمة عن ذلك.

وبسبب مثليته، واجه ضومط صعوبات في العائلة والمحيط قبل الحقل السياسي الذي ينشط فيه. فقد ولد في عائلة محافظة متديّنة، تنظر إلى المثلية كـ"تابو" وتميّز ضد أفراد مجتمع الميم-عين، ما جعله يتردّد ويخاف من ردّ الفعل ومن نبذه في حال أعلن عن هويته الجندرية، خصوصاً وأنه عَلِم بمعاناة واضطهاد غيره وطردهم من عائلاتهم وتعرّضهم للعنف الاقتصادي.

وأشار الناشط إلى أن تمتعه بامتيازت قد لا يملكها غيره من المثليين/ات، سمح له بالتمكن من إشهار هويته و"الصمود بوجه حملات التنمّر ورهاب المثلية"، وفق قوله، حتى أن عائلته انتقلت بفضل خطوته من موقع الرافض لمجتمع الميم-عين إلى موقع الداعم له.

وعلى الرغم من نجاحه حتى الآن، في مواجهة حملات الترهيب والتمييز، توقّع الناشط السياسي أن تُثار هذه المواضيع ضده مجدداً عند إبداء رأيه.

وشدّد ضومط على أن القانون اللبناني لا يمنعه بشكل مباشر من الوصول إلى منصب عام: "لا يوجد نصّ قانوني يمنع المثليين/ات من المشاركة في الحياة السياسية"، مشيراً إلى أنه كشف عن هويته لأنه لا يريد أن يمارس العمل السياسي خلف قناع يخضع للنظام الذكوري الأبوي القائم: "خرجت بهويتي الحقيقية كي يساعد هذا الوضوح على كسر حواجز، وإن لم يحصل تقدم بهذا الموضوع في جيلي نكون قد عبّدنا طريق الذين سيأتون بعدنا. لا أريد أن تعاني الأجيال المقبلة من مجتمع الميم-عين ما أعانيه".

وفي فلسفته للصراع مع السلطة، سأل ضومط: "في معركتي مع النظام، لماذا عليّ أن أرتدي قناعاً يريدون مني أن أرتديه؟". وتابع بالقول: "إن أنا أنتفض على هذا النظام القائم وعلى البنى الاجتماعية سأنتفض على ما أنا عليه. هو يكرهني لأنني نقيض ما يريده وبالتأكيد سأواجهه بنقيضه".

هذا ونوّه ضومط قزي الدريبي إلى أن انخراط أشخاص من مجتمع الميم-عين بالشأن العام، يشكّل نقلة نوعية في النظام السياسي اللبناني، ومؤشراً على تغيير بدأ يطال المجتمع: "هناك معركة من الضروري أن تفتتح اليوم".

هواجس زرعها النظام

يبدو أن مجرّد التفكير بالعمل في الشأن العام محرّم على أفراد مجتمع الميم-عين.

فقد اعتبر هاشم أنه "أسهل على الرجل الذي يشبه النمط السائد العمل في الشأن العام من رجل عابر جنسياً"، شارحاً ذلك بالقول: "نحن نتربى ألا يكون لنا صوت وأنه علينا فقط أن نتوخَّى الحذر. نشعر بوجوب أن نبقى صامتين كي لا يتعرّض لنا أحد. فأن يكون لدينا صوت إن كنا ننتمي لأي أقلية مهمّشة أمر يتطلب بذل جهد لاكتسابه".

"أتساءل أحياناً إن قُبض عليّ خلال تظاهرة كشخص عابر، أين سيتم سجني؟ في سجن النساء أم في سجن الرجال؟ جسدي جسد أنثى لكن المجتمع يقرأني كرجل

وكشف هاشم، العابر جنسياً، لرصيف22، بأنه مهدّد بهويته الجندرية في لبنان: "حياتك الشخصية قد تستخدم بسهولة ضدك، بخاصة في بلد يجرّم المثلية، وتحديداً بين الرجال".

وما ساعده على الانخراط في العمل السياسي دون إخفاء هويته، هو انضمامه منذ صغره لمجموعات كويرية نسوية على اطلاع ومعرفة بكل ما يتعلق بالعبور الجندري والمساواة والعدالة: "شكّلت لي هذه المجموعات مساحات مشجعة لأفهم نفسي وأتقبّلها كما هي، ومن ثم انضممت إلى تنظيم 'لحقي' وتفاجأت بمستوى الوعي الموجود على مستوى السياسات النسوية والكويرية".

غير أن هاشم كشف عن تخوّفه من "مواجهة دولة أكثر بوليسية وأكثر قمعية مما نشهده اليوم"، على حدّ تعبيره، كما أعرب عن خشيته من أن يتم استخدام هويته الجنسية والجندرية ضده: "أتساءل أحياناً إن قُبض عليّ خلال تظاهرة كشخص عابر، أين سيتم سجني؟ في سجن النساء أم في سجن الرجال؟ جسدي جسد أنثى لكن المجتمع يقرأني كرجل. كذلك أفكر بما يمكن أن أتعرّض له، لكني أعتقد أنه بإمكاني التعامل مع أي ظرف".

وفي حين لا يطمح هاشم بتولي مسؤولية عامة، لكنه أوضح أن الخوف من استخدام هويته ضده وضد عائلته تمنعه من التقدم في هذا المجال، منوهاً بأنه من المشاكل القانونية التي تواجهه مسألة الأوراق الثبوتية: "يُنظر إليّ كرجل لكنني على الأوراق الثبوتية امرأة. لأتمكن من تغيير ذلك في لبنان كشخص عابر، عليّ إثبات عدم قدرتي على الإنجاب بعد إزالة الرحم والمبيض، وهو ما لا أريد القيام به. لمَ يعود للدولة أن تقرر إن كنت سأنجب كي تقوم بتغيير أوراقي؟".

النص القانوني المبهم

اعتبر كريم نمور، المحامي في المفكرة القانونية، أن لا حاجة لإلغاء المادة 534 من قانون العقوبات التي تعاقب على "المجامعة على خلاف الطبيعة" لتغيير الحياة السياسية في لبنان، كاشفاً أنه بالإمكان إلغائها عبر اجتهاد القضاة بحدّ ذاته.

ووفق حديث نمور لرصيف22، فقد طبّق القضاة "بشكل موسع ومحافظ جداً، القانون الذي وضعته أيام الانتداب الفرنسي حكومة فيشي المقرّبة من النازيين"، معتبراً أن عبارة "المجامعة على خلاف الطبيعة" ليست سوى جملة مبهمة، بينما "لا يمكن لنصّ في قانون العقوبات أن يكون مبهماً، وإن كان كذلك فيفسّر لصالح المتهم. لذا وبالحد الأدنى يجب أن يتوفّر فعل المجامعة، لكن القضاة عاقبوا أشخاصاً لمجرد اتهامهم بهويتهم من دون قيامهم بالمجامعة".

واللافت أنه ومقابل التفسيرات المحافظة، أصدر بعض القضاة قرارات رفضت ملاحقة المثليين/ات، ورغم ذلك قد يشكل القانون عائقاً أساسياً أمام الانخراط "بالمعنى التقليدي" في الحياة السياسية، لذا أكّد المحامي نمور على أهمية إلغاء المادة 534، وإن أمكن للقضاة تجاوزها.

وأشار كريم إلى أنه يمكن للمثليين/ات التقدم في الحياة السياسية وبلوغ المناصب عبر إخفاء هويتهم/نّ الحقيقية، "لكن ذلك لن يمنع استغلال هذه الهوية ضدهم/نّ في العمل السياسي وتهديدهم/نّ بها".

هذا وشدد كريم نمور على ضرورة وضع آلية لحماية أفراد مجتمع الميم-عين من التمييز: "المعاهدات الدولية الملزمة للبنان تنصّ على عدم التمييز لعدة اعتبارات، من ضمنها الميول والهوية الجنسية".

"الأخلاق" ذريعة الدولة لانتهاك الحريات

منظمات حقوقية عدة تواصلت مع مؤسسات ومسؤولين في الدولة اللبنانية لتذكيرهم بالمعاهدات الدولية التي التزم بها لبنان، ولوضعهم أمام مسؤولياتهم فيما يتعلق بالانتهاكات المرتكبة بحق الأفراد بسبب هوياتهم/ن الجنسية.

في هذا الصدد، أكدت رشا يونس، الباحثة في حقوق مجتمع الميم-عين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في منظمة هيومن رايتس ووتش، لرصيف22، أن ردّ المسؤولين في لبنان على التقارير والرسائل المتعلقة بمجتمع الميم-عين التي أرسلتها المنظمة محدود للغاية.

وأشارت رشا إلى أن المسؤولين يبرّرون، وإلى حدّ كبير، الانتهاكات بحق هذه الفئات بالواجب الأخلاقي: "وهو ما لا يتماشى مع التزامات لبنان ولا مع حماية الحريات التي يدعيها".

واعتبرت يونس أن الأمن العام برّر قيامه سابقاً بارتكاب انتهاكات بحق أفراد مجتمع الميم-عين، ومنعهم من عقد مؤتمر في العام 2018، بأن للبنان الحق في الحفاظ على الأخلاق الجماعية والبنية الأسرية من خلال الحدّ من المؤتمرات التي تطرح القضايا التي تُعتبر من المحرمات.

وبحسب رشا، فقد حاولت هيومن رايتس ووتش الاجتماع بمدير عام الأمن العام، عباس إبراهيم، حينها، لكنه رفض عقد لقاء يتعلق بهذا الموضوع.

يُظهر الواقع وشهادات الأشخاص المعنيين أن لبنان لم يتقدم بعد خطوة واحدة فيما يتعلّق بحقوق مجتمع الميم-عين، بل ويرفض مسؤولوه التطرق للموضوع ويصرّون على تهميش هذه الفئة، خوفاً مما تشكله هذه الخطوة من ضرر على المنظومة الحاكمة، والتي تستمد قوتها وتتغذى على سياسات التهميش التي تتبعها

وفي سبتمبر/أيلول 2019، أعدّت المنظمة تقريراً عن التمييز ضد النساء العابرات في لبنان، بعدها تواصلت مع عدة وزارات: العمل، العدل، الداخلية والصحة العامة، غير أنه لم يكن هناك استجابة فعلية، وفق تأكيد يونس: "وحدها وزارة العدل ردت على المنظمة وقالت إنه، وفيما يتعلق بالاعتراف القانوني بالنوع الاجتماعي، هناك عدد قليل من القضايا التي تمنع الأفراد المتحولين جنسياً من تغيير اسمهم وعلامة النوع الاجتماعي، والتي تتعلّق أيضاً بالقضايا الاجتماعية، حيث اعتبرت الوزارة أن وجود أشخاص ينتمون إلى الجنسين خارج الثنائية (ذكر وأنثى) من شأنه أن يُربك المجتمع".

إذن، يُظهر الواقع وشهادات الأشخاص المعنيين أن لبنان لم يتقدم بعد خطوة واحدة فيما يتعلّق بحقوق مجتمع الميم-عين، بل ويرفض مسؤولوه التطرق للموضوع ويصرّون على تهميش هذه الفئة، في انتهاك لحقوق الإنسان ولمعاهدات دولية، خوفاً مما تشكله هذه الخطوة من ضرر على المنظومة الحاكمة، والتي تستمد قوتها وتتغذى على سياسات التهميش التي تتبعها.

هذا المشروع بالتعاون مع المؤسسة العربية للحريات والمساواة AFE وبدعم من سفارة مملكة هولندا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard